حوارات هادفة (1)

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع النفس

 

الإصدار الأول

1429 هـ - 2008 م

 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

كنت يوماً أجلس مستلقياً على سريري، مغمضاً عينيَّ، أجول بخاطري فيما يعلوني من سقف المنزل وما وراءه من نجوم وسماء.  وإذا بي أسمع  صوتاً منبعثاً من أعماقي يناديني:  هل تسمح لي بلحظة  أتكلم فيها معك؟

فقلت مندهشا:  ومن يكلمني؟

قال الصوت:  أنا نفسُك التي  بداخلك.

قلت لنفسي:  وهل تتكلمين أيتها النفس؟

قالت:  نعم، إني أتكلم في معظم الأوقات، ولكن صوتي لا يأتيك كما هو مألوف لديك كالأصوات التي تسمعها.

قلت:  عجباً، كنت أظن أنك تعيشين بداخلي بَكْماءَ خَرْساءَ، وإذا بك تحادثيني.

النفس:  إن هذا أمر غريب منك.  كيف أكون بَكْماءَ خَرْساءَ، وأنا التي أسامرك في كل لحظة، أعيش حياتك، أحسب أنفاسك، أفرح لفرحك، وأحزن لآلامك، وأقاسي همومك؟

قلت مستغربا:  أيكون كل ذلك منك، وأنت التي عشتِ في داخلي لا أدري طبيعتك، ولا أعرف حدودك ولا ما يرضيك أو يقلقك أو يزعجك؟

قالت:  نعم، أنا تلك النفس.  أنا نفسك التي وُلِدَتْ معك.  أنا أنت، لكنك لستَ أنا.

قلت:  ما هذا الكلام الغريب الذي أسمعه؟  كيف تكونين أنا ولا أكون أنتِ؟

فردَّت عليَّ وصوتها يجهش بالبكاء:  إنني أنا.. أنا التي أشكل حياتك.  أنا التي أجعل لك قيمة في هذه الحياة.  أما أنت فمجرد هيكل، لا تضفي عليَّ شيئا.  أما أنت فليس إلا هَمٌّ وكَلٌّ عليَّ.

ازددتُ اندهاشا من حديثها وساورَني الشك والريبة في ماهيتها، فقلت لها بحنق:  أتتهجَّمين عليَّ وأنا الذي آويتُك؟  أنا الذي وفَّرتُ لك كل ما تحتاجين إليه.  إنك لولاي لعشتِ جوعانة، ظمآنة، يساورك القلق والخوف في كل حين.  نعم، أنا الذي أوفر لك كل ذلك.

قهقهت نفسي بصوتٍ عال، ثم قالت بصوت ملؤه التهكُّم والسخرية:  أنت الذي توفر لي كل ذلك؟  إنني لست بحاجة إلى طعامك وشرابك.  إنني أعيش في عالم آخر لا أحتاج فيه إلى مادياتك، لا أحتاج إلى أيِّ شيءٍ مما تَمُنُّ به عليَّ.  إن طبيعتي تختلف عن طبيعتك؛ فأنت بنيان من لحم وشحم وهيكل عظمي، تتأثر بعوامل الطبيعة من رياح وشمس ورطوبة، تنتابك الأزمات والأمراض، يعتريك الغبار فيُشحِبَ وجهَك.  أما أنا فجوهرةٌ تتلألأ في داخلك، لا أحتاج إلى ماء ولا غذاء ولا كساء.  لا تهمني الشمس إذا طلعت ولا الرياح إذا هبَّت.

أنا كينونة لطيفة بداخلك.  أنا العروس التي تعُود على حياتك بالأُنس.  أنا الملكة التي تضفي على حياتك الطمأنينة والسعادة.  أنا السعادة.  أنا الأنس.  أنا البهجة.  أنا السرور.  أنا الغبطة.  أنا الأحلام.  أنا حياتك.  أنا زهر ربيعك.  أنا التي تضفي عليك كل خير في هذه الحياة.

أما أنت فلا أكثر من صندوق مشبَّع باللحم والعظم، تثقلني بوزنك الزائد، وتنهكني بجسمك المتثاقل، وتألمني بشخيرك عند نومك، وتزعجني بعلو صوتك عند حديثك.  أما أنا فأعيش في عالم مرهف بالإحساس، عالم يحس بما يجري في داخلك، وما يجري في العالم من حولِك، لا أهتم بالماديات بقدر ما أهتم باللطائف، لا أهتم بالواقع بقدر ما أهتم بالمستقبل.  أنا التي أعيد إلى حياتك البهجة والسرور.

أما أنتَ فإن آلمك شيء سقطتَ منهاراً باكياً، حزينا متوترا.  أما أنا فأستفيقُ من غفوتي وأعود إلى طبيعتي، أقلب صفحاتي، أسترجع الماضي، وأخطط لما بعد تلك اللحظة علَّني أنتشلك من الحالة الكأداء التي أنت عليها.

وإذا ما ألَمَّت بك الأفراحُ سُرِرْتُ لوضعك، وآنسني انفعالك، ولكنني لا أنساق في بهجتك وفي مرحك وفرحك؛ وإنما أستشرف المستقبل لعلني أرى من بعيد ما قد يتجهمك؛ فأحاول أن أخطط لك لعلني أخفف عليك من صدماته.  أناديك بين كل حين وآخر:  أيها الغافل أفق من غفلتك، أيها الجاهل انتبه من سكرتك، أيها المخمور ارْعَوي من غيِّك.  إن حياتك فيما أقوله أنا لك، وفيما أمليه عليك.

قاطعتها بدهشة وكدتُ أن أصرخ في وجهها، لكنني بقيت في حيرة وذهول مما سمعته منها.  أيعقل أن أكون أنا بتلك السذاجة، وتكون هي بتلك الحكمة؟  أيعقل أن تصفني بالبلاهة والسذاجة وتصف نفسها بالحكمة والعقلانية؟  مَن هي حتى تعرف عني كل ذلك؟  لقد عشتُ السنين الطويلة أتعلم وأراقب وأتفاعل من أجل أن أبني مملكةً تؤهلني للعيش في مجتمعي، وسفينةً تمخر بي عباب حياتي، ومزرعةً وارفة أجني منها يانع الثمار.

لماذا تمنُّ عليَّ وتدَّعي أنها سبب حياتي؟  حياتي بنيتها أنا بساعديَّ، أما هي فقد بقيت مغمورة ساكنة لا تجرُؤ على الظهور إلا لتهزني بمشاعرها وأحاسيسها المرهفة،  فإذا بها تخرجني من مملكتي وسلطاني، وتنزلني إلى مقامها الساذج المتواضع.  لقد طالما سمعتُ منها هذا الهراء،  وها هي تعود إليَّ ثملة مخمورة لا تدري ما تقول، ولا تعي بحالي.  إنها تدَّعي أنها سبب سعادتي، أما أنا فمصدر الشقاء لها ولي.  تدَّعي بأنها الطبيب المداوي، تُضمِّد جروحي وتُسكِّن آلامي.  يا لها من حمقاء!!

صرختُ في وجهها:  كُفِّي كُفِّي...

قلت لها وكلي شموخ وإباء:  من أنت أيتها المتعجرفة؟  ما أنتِ إلا حمقاءَ مهلوسة لا تَعينَ ما تقولين.  لقد غاضك مني ما بنيتُه من مجد وما شيدتُّه من مُلْك.  أما أنتِ فلم تحققي شيئا؛ لأنك قابعة في داخلي لا تريدين أن تخرجي وتخالطي هذا العالم الذي خالطُته أنا بكل جوارحي، وعشتُ معه بكل مشاعري، واستطعتُ أن أهدِّئَ من عنفوانه، وأكبحَ من جبروته وسلطانه.

أما أنتِ فتقبعين هنالك في سريرك الحاني، خاضعة ذليلة مترفة، أوفِّر لك الراحة والدَّعَة، وأجلب لك الهناء والصفاء.

يا لك من نفس مغرورة، لا يهمُّك إلا التندُّر من أحوالي والتفكُّه بمآلي، لا يُسعدُكِ إلا أن ترينني معذبا شقيا محروما، أقاسي الويلات، وأعاني الأمَرَّات، بسبب ما تمليه أنتِ عليَّ من أفكار وسخافات تدَّعين بأنها تشكل حياتي.  لماذا ابتلاني الله بكِ؟  ألا أستطيع أن أدبر أموري دون الرجوع إليك؟  لقد عشتُ هذه السنين وأنا أحاول أن أبني مجدي بدون الرجوع إليك، لكنك في كل مرة تتدخلين في شؤوني وتنسِبين إليكِ الحكمة، وتدَّعينَ بأنني خالٍ من كل ذلك !!  يا لك من مغرورة !!

دعي عنك هذا الهراء وأخبريني:  ماذا كنت تريدين مني عندما ناديتِني؟

فضحكت وقهقهت ثم قالت لي:  ألا يبرهن هذا على أنك محتاج إليَّ، وأنك لا تجرُؤ على مقاطعتي، وأنك تخشى غضبي، وتحاول دوما ملاطفتي؟

قلت لها وأنا أغلي غضباً من هذه المتغطرسة:  قلتُ لك دعي عنك هذا الهراء، فأنا لا أهتم بحديثك، وإنما أحاول أن أحترمكِ، وأريد أن أنزلكِ منزل التقدير.  ولا تنسَيْ بأنك التي طلبتِ الحديث معي في بادئ الأمر.  هل نسيتِ بأنك التي ناديتِني وترجيتِني لكي أتحدث معكِ؟

قاطعتني نفسي، وقالت:  دعنا من هذا الكلام.  إنني ما طلبت الحديث إليك إلا لأمرٍ يشغل بالي ويُأرِّق مضجعي، وهو أمر يهمني ويهمك أيضا.

قلت لها متهكِّماً:  وما هذا الأمر الذي يهمُّني أنا أيضا؟  ما دخلُكِ بي؟

قالت:  دع عنك هذا الحديث.  دع عنك هذا الأسلوب الساخر.  إن الأمر الذي أريد أن أحدثك فيه، فيه خير لك ولي، فاسمعني جيدا.

قلت لها:  تفضلي.

قالت:  نريد أن نتصالح.

قلت لها بسخرية واستهزاء وصوت يخالطه الضحك:  ماذا؟  نتصالح؟!!  إنكِ عندما أحسستِ بالهزيمة طلبتِ الصلح، أما أنا فإنني في موقف القوة فلا أريد أن أصالحك، لا أريد منك شيئا، فأنتِ لم تأتني بخير من قبل.

ردَّت عليَّ بصوت ينم عن حكمة وعن عقلانية، وقالت:  قلتُ لك بأن تكفَّ عن هذا التهكُّم، فإنني منك وأنت مني، ولا بُدَّ من أن نعيش معا، فإما أن نعيش متضارِبَيْن متحاقدَيْن، يكيد كل واحد منا للآخر، وإما أن نصطلح ونعيش عيشة سوية ترضاها أنت وأرضاها أنا.

رددتُ عليها بأسلوب تهكُّمي قائلا:  وما هذه العيشة التي تحلُمين بها؟  وما هذا التخطيط الذي تُخَطِّطِين له؟  يساورني شك بأنكِ تريدين لي شراًّ وتُخَطِّطِين لي مكيدة.

صرَخَتْ في وجهي وقالت:  ألا تكف عن هذا التهكُّم وهذه السخرية؟  ألا تكون جاداًّ ولو لحظة واحدة؟  قلت لك:  إني أحدثك في أمر جَدّ، وهذا الأمر يهمني ويهمك.  كُفَّ قليلا عن هذا التهكُّم وتبصَّر فيما سأقوله لك.  حاول أن تسترجع ماضيك، وحاول أن تتعرَّف على واقعك.  هل يمكنك أن تعيش بدوني وهل يمكنني أن أعيش أنا بدونك؟  كما قلت لك فإننا متلازِمَيْن ولا بُدَّ لنا أن نتفق على خطة واحدة نسير عليها.  إن سعادَتك هي سعادتي وشقاءَك شقائي، وبلاءَك بلائي، ويوم تغمرك الصحة أصير أنا أيضا في صحة، ويوم تقع في مأزق تتنغَّص حياتي وتتكدَّر.  فلماذا لا تكون بيننا ألفة ومحبة؟  لماذا لا نجلس سوياًّ ونخطط لأنفسنا؟  نكون شيئاً واحدا تغمرنا المحبة لبعضنا، ويسود الرضا فيما بيننا، وكل واحدٍ منا يهمه أمر الآخر.

قلت لها- وكأن حديثها قد بدأ يصادف شغاف القلب-:  حسنًا، ماذا عندك؟  وماذا ترَيْن؟

قالت:  أريدك أن تسمعني جيِّداً.  علينا أن نضع لحياتنا خطة نسير عليها.  إنه لا يمكن أن نعيش في عشوائية.  إن الله- سبحانه وتعالى- لم يخلقنا لأن يتمتع كل منا بحياته، ويسير عليها حسب هواه ومزاجه، وإنما علينا أن نسير فيها وفق منهج يرتضيه الله سبحانه وتعالى.

قاطعتها وقلت لها:  هذا كلام جميل، ولكن هل رأيتِني أعصي الله؟

قالت:  ليس المهم ما كنتَ تفعله أو ما كنتُ آمرك أنا به.  إن المهم هو ما سنفعله، لأن الله- سبحانه وتعالى- يقبل توبة المذنب، ويكفِّر السيئات، ويعفو عن الخطايا.  ولا يهمنا إن كنا قد قصرنا في السابق أو أذنبنا، إنما المهم أن نتجه من الآن إلى الله، ونُقْبِل عليه بروح غير تلك الروح التي كنا عليها.  إننا نريد أن نعيش سوياًّ، سعداء شرفاء كرماء.  نريد أن نعيش في هذه الحياة متميزين، متألقين، لا نكتفي بأن نسير كما يسير الناس، وأن نرعى في جنبات هذه الأرض كما ترعى البهائم.  إننا نريد أن نكون طائعين لله، متمسكين بهداه، سائرين على منهجه، أينما كنا وحيثما ارتحلنا.

قلت لها:  حقاًّ، إنَّ ما تقولينه كلام جيِّد ومنطقي.  ولكن أنَّى لي أنا أن أعرف ما أريد؟  وأنَّى لكِ أنت أن تعرفي ما تريدين؟

فأجابتني بسرعة:  إن الأمر يسير.  إننا لا نحتاج إلى جُهْد وعناء لنعرف ما نريد أن نصل إليه.  ألا تذكر أن الله- سبحانه وتعالى- قد زودنا بمنهج رباني هو القرآن الكريم فيه كل ما نحتاج إليه؟

قلت لها:  أجل، لقد نسيتُ ذلك.  ولكن، كيف لنا أن نستخلص من القرآن الكريم ما يصلح لسعادتنا؟

قالت:  هداك الله يا صاحبي، إن كتاب الله فيه سعادة الناس في الدارين بإذن الله، ولا يحتاج منا أن ننتقي منه أموراً ونترك أموراً أخرى، فإن كل ما فيه خيرٌ لنا، وما علينا إلا أن نأتي بكتاب الله ونتمسك به، ونزاوله في حياتنا، وعندئذ سنرى ثمرات ذلك المنهج باديةً في حياتنا، متجسدةً في أفعالنا.

قلت لها: ولكن كيف لنا أن نفهم كتاب الله؟  فكما تعرفين، فأنا أقرأ كتاب الله صباح مساء، ولكنني أمُرُّ على الآيات ولا أدري ماذا تعني؟

قالت:  وهذا ما يقلقني أنا أيضاً، فإن الطريقة التي تتَّبِعُها أنتَ حالياً ليست بالطريقة التي تعيننا على فهم كتاب الله سبحانه وتعالى.  إن مجرد القراءة والتلاوة لكتاب الله فيها أجر كبير، ولكنها لا توضِّح للإنسان المنهج الصحيح الذي عليه السَّيْر فيه.

قلت لها:  وأعاود سؤالي لك مرة أخرى.  كيف لي أن أفهم كتاب الله؟

قالت:  إن عليك أن لا تتصور أن الأمر بتلك السهولة.  إنه لو كان فهم كتاب الله- سبحانه وتعالى- والعمل به وجعله منهاج حياة بالسهولة التي تتصورها، لما اختاره الله- سبحانه وتعالى- ليكون منهج حياة لخير أمة أخرجت للناس.  إن عليك أن تتعب، عليك أن تشقى، عليك أن تضنى، عليك أن تسهر.

قلت لها بأسلوب فيه تهكُّم:  هل رجعنا مرة أخرى إلى الشقاء والعناء والبلاء؟  لقد كنتِ تَعِيبِينَ عليَّ ذلك، والآن تريدينَ مني أن أرجع إليه؟!

قالت:  ولكنه عناء غير العناء الذي قصدُته قبل ذلك.  لقد كنتَ حقيقة تشقى وتكد وتتعب وتكدح، ولكن بعيدا عن منهج الله.  إن ما أريدُه منك الآن هو أن تعمل أضعاف ما كنتَ تعمله في الماضي، وأن تسهر ليل نهار، وأن تحرص كل الحرص على أن لا تفرِّط من وقتك ولو لحظة واحدة.  ولكن الآن ليس في اللهو واللعب، ولا في كسب المال، ولا في ملاطفة الأزواج، ولا في التمتع بملذات هذه الحياة، ولكن في أن تَنْكَبَّ على كتاب الله، تدرسه، ترجع إليه، تفهم معانيه، وتحاول أن تفكر في كيف يمكنك أن تطبق كل ذلك في حياتك.  إنك عندها ستشعر بالارتياح، سيزول عنك الهم والتعب.  إن الجهد الذي ستبذله في فهمك لكتاب الله- سبحانه وتعالى- سيعود عليك بالسعادة والهناء، وهو غير الجهد الذي كنتَ تقضيه في ملذات هذه الحياة.

قلت لها:  وأين دورُك أنت من كل هذا؟  قد قلتِ:  "نريد أن نتصالح، نريد أن نعمل سوياًّ"، والآن تريدين أن ترمي كل المسؤولية عليَّ أنا.

قالت:  إنني لن أكون بعيدة عنك، إنني صاحبتك، إنني بين جنبيك، أنا معك أينما ذهبتَ، أُطَمْئِنُكَ، أبارك لك خطواتك، أشجعك، أقف معك، وأدعو الله- سبحانه وتعالى- أن يحميك وأن يحرسك.

قلت لها:  هذا كلام جميل، ولكن إذا قمتُ أنا بما تقترحينه أنت الآن فهل سيضمن لنا السعادة؟

قالت:  وهل تشك في هذا؟  إني عهدْتُك مسلما مؤمنا قويَّ الثقة بالله- سبحانه وتعالى-.  ألا تعلم أن الله- سبحانه وتعالى- لن يُضيعِّك؟  ألا تعلم أن الله- سبحانه وتعالى- سيُمهِّد لك السُّبُل؟  إن الله- سبحانه وتعالى- يريد من عبده فقط أن يبادر، وإذا بالله سبحانه وتعالى يفتح له الأبواب، ويُيَسِّر له السُّبُل، ويمهد له الطرق.  إن الطريق الذي ستسلكه طريق شاق وطويل، ولكنه سهلٌ على مَن سهَّله الله عليه.  إنك لو اعتمدت على نفسك فلن تبرح مكانك.  إنك لن تستطيع أن تفعل شيئاً إلا بتوفيق من الله- سبحانه وتعالى- وتيسيره لك، وعنايته التي ستكلؤك أينما ذهبتَ.

قلت لها:  إذن فهل يكفيني أن أنكبَّ فقط على كتاب الله لأدرسه، أم أنَّ عليَّ أن أفعل أمورا أخرى؟

قالت:  إن الأصل الذي عليك أن تسير عليه هو أن تفهم كتاب الله، أن تعي كتاب الله كما أُنزِل على رسول- الله صلى الله عليه وسلم-، والسُّبُل- بحمد لله- ميسرة الآن؛ فكُتُب التفسير موجودة، والعلماء والمشايخ موجودون.  ما عليك إلا أن تثابر، وتخطو خطواتك الأولى للشروع في هذا العمل.

ومما لا ريب فيه، فإنه من أجل أن تفهم كتاب الله- سبحانه وتعالى- فهماً حقيقياًّ، فإن عليك أيضا أن تفهم العلوم الأخرى فهماً حقيقيا؛ فعليك أن تفهم سنة نبيك محمد- صلى الله عليه وسلم-، وعليك أن تدرس سيرته- صلى الله عليه وسلم-، وعليك أن تعي بدقة وعناية اللغة التي اختصها الله- سبحانه وتعالى- لينزل القرآن بلسانها وهي اللغة العربية.  ثم إن عليك أن تعي أمور الفقه والشريعة، وما يتعلق بالتاريخ والسِّيَر، وما يهم الشعوب والأجناس والأقوام.

قلت لها مندهشا:  هذا يعني أن عليَّ أن أكون عالما في علومٍ كثيرة؟

قالت:  أجل.  إن عليك أن تنكب على هذه العلوم، تقرأُها، تتبحَّرُ فيها، تسأل عما يخفى عنك منها، تتدارسها مع مَن هو أعلم فيها منك، ستذكر منها ما نسيت، وتراجع منها ما قرأت، وتلخِّص منها ما فهمت.  إن رسالتك شاقة مضنية، ولكنها سهلة يسيرة إذا توكلت على الله- سبحانه وتعالى- واعتمدت عليه.

قلت لها- وأنا أحس بنشوة-:  هذا يعني أنني سوف أصبح عالما في علوم شتى؟

قالت: نعم، ولكن هذا ليس فخرا، وإنما بمجرد أن تخطو خطواتك الأولى في هذا المشوار، ستبدأ مسؤولياتك تكبرُ، ومهامك تكثُر.

قلت لها:  ألا يكفي هذا؟  أتريدين أن تُحمِّلينني أمورا أخرى؟

قالت:  إن ما سردتُه لك هو البداية!  إن ما سردتُه لك لا يساوي شيئا مع ما عليك أن تقوم به.  إن عليك أن تحملَ هَمَّ تبليغ رسالة الله- سبحانه وتعالى-.

قاطعتها بسرعة وأنا أصرخ:  وكيف ذلك؟  إنني لا أستطيع.  إنني شخص واحد.  إنني ضعيف.  إني لا أمتلك القدرة على فعل كل ذلك.

قالت:  بلى، إنك تستطيع.  بلى، إنك تقدر.  بلى، إنك قادر على أن تحمل هذه الرسالة؛ فإن من حمَّلك هذه الرسالة يعلم طبيعتك، ويعلم ما إذا كنتَ تستطيع ذلك أم لا، وقد حمَّلَك إياها، وهو يعلم أنك تقدر أن تحملها بإذن الله.  عليك أن لا تهتم بهذا الآن، وإنما عليك أن تبادر وستجد أن الله- سبحانه وتعالى- سيُيَسِّر عليك كل شيء.  إن المهام التي تتصورها الآن جبالا، ستراها- بإذن الله- أنهارا من السعادة، وسهولا خضراء من المحبة والنضارة والإشراق.  إنك ستنسى كل ما قد يصادفك من جهد ومشقة، عندما ترى أن الله- سبحانه وتعالى- قد بسط عليك كل هذا الخير، وهدى بك أقواما حُرِموا من هذا النور.  إنك عندئذ ستَهُبَّ بنفسك مسرعا، تخطو بخطوات حثيثة، تحاول أن تزيد من إنتاجك، تزيد من عملك، تزيد من علمك؛ لأنك رأيتَ الثمار تجنيها وارفة طرية، وهي تأتيك رغَداً من كل مكان.

قلت لها:  إنك ما إن تَضعِين عليَّ ثقلا وحملا، حتى تهوِّني عليَّ ذلك الثقل.  إنني لا أريد أن أفرط في هذا الخير، ولكنني- في حقيقة الأمر- في وَجَل من أنني قد لا أستطيع حمل هذا الهم بنفسي، فهلا تبحثين لي عن من يعينني عليه؟

قالت:  هوِّن عليك، وهل تظن أن الله- سبحانه وتعالى- قد كلفك بهذا الأمر وحدك؟  إن الله قد بعث محمدا- صلى الله عليه وسلم- داعيا للناس أجمعين وهاديا إلى صراط رب العالمين.  إنك لستَ وحدك في هذا الطريق.  إن معك الألوف، بل الملايين.  إنك ستجد في طريقك من يناصرك، من يؤيدك، من يرفع عنك الحِمل، من يَدُلُّكَ على فعل الخير، من يسابقك إلى فعل الطاعات.  عندها ستحمد الله بأن جعلك لا تستأثر وحدك بذلك الخير، وأنه لم يجعلك فردا في هذا الطريق كي لا تملَّ.  إنك سترى من إخوانك مَن هم خيرٌ منك، ومَن قد ساروا في هذا الدرب قبلك، وقطعوا في هذا المشوار خطوات أكثر منك، وحققوا نجاحات أفضل مما حقَّقتها أنت.  كذلك فستجد وراءك من يحاول اللحاق بك وبغيرك.  إنك لن تكون وحدك في هذا الدرب.  إنك ستجد نفسك في موكب عظيم من الأخيار الأطهار الذين اصطفاهم الله- سبحانه وتعالى- ليكونوا خيرة خلقه.

رددتُ عليها وكلي سعادة وفرحة فيما أسمع:  يا لكِ من نفس خبيثة، كيف لكِ بكل هذا؟  ظننتكِ لا تعرفين شيئا؟  ظننتكِ قابعة داخلي مستكينة، لأنك لا تُحْسِنين الحديث، ولأنكِ لا تعرفين شيئا، والآن أسمعك تخاطبيني بمنطق الحكماء؟

فردت عليَّ بابتسامة وقالت:  الحمد لله الذي علمني هذا.  إني أحاول أن أصف لك أن ما عندي وما عندك ليس منة مني ولا منك، وليس بجهد مني ولا منك، وإنما هو بتوفيق من الله- سبحانه وتعالى-.  إنه الله- سبحانه وتعالى- الذي يريدك أن تعيش في القمم ولا تبقى قابعاً في أوحال الدنيا، لاهثاً وراء ملذاتها وشهواتها.

قلت لها متلعثما:  وهل ستتركينني؟  أم ستصاحبينني في هذا المشوار؟؟

قالت:  قلت لك من قبل بأننا سنسير في هذا الدرب سويا بإذن الله، وسيكون بيننا لقاءات ولقاءات نتسامر فيها، ويشد كل واحد منا أزْرَ الثاني؛ إن أثقَلكَ الحِمْلُ أُلَطِّفْ عليك، وإن أحسستَ بالبؤس واليأس حاولتُ أن أرفع من معنوياتك، وإن آلمك صدودُ الناس وعدم استجابتهم لما تدعوهم إليه هوَّنتُ عليك، وذكَّرتُك بأنك تعمل لله- سبحانه وتعالى-، وأنه ليس من مهمتك أن تناقش النتائج، ولا أن تشكِّك فيما يحصل لك، وإنما عليك أن تعي بأن النتائج بيد الله- سبحانه وتعالى- وأنه- سبحانه- سيُظْهِر تلك النتائج وسيُقِرُّ أعيننا بها إنْ عاجلا في حياتنا أو آجلا بعد مماتنا، وأنه- سبحانه وتعالى- قد تكَفَّل بأن يُثيبَك على أعمالك، سواء في هذه الدنيا أو بعد مماتك.  وستجد يا صاحبي يوم القيامة- بإذن الله- جبالا من حسنات بسبب ما ستقوم به في هذه الدنيا من تحقيقٍ لمنهجه- سبحانه وتعالى- ومن سيرٍ في طريقه، والعمل بما يأمر به وما ينهى عنه.

قلتُ لها وأنا أحس بغبطة لا توصف:  الحمد لله الذي رزقني الله إياك وجعلك دالةً على فعل الخير ومحفزةً على فعل الطاعات وأسأله- سبحانه وتعالى- أن تكونين النفس المطمئنة التي وصفها- سبحانه- في كتابه بقوله:  { يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي }.

عندها رأيتُ نفسي منشرحة مسرورة وإذا بها تضمني إليها بحنان ومحبة، أحسستُ بدفئه يسري في جوارحي كلها.

وهنا أحببتُ أن أداعبها، علَّها تغفر لي ما أغلظتُ عليها من كلام في بداية حديثي معها، فقلت لها:  والآن دعيني وشأني فقد أنهكني طول الحديث، وأريد أن أأخذ قسطاً من الراحة.

فردَّت عليَّ بصوتٍ متجهِّم:  لقد مضى زمان الراحة، فهيا قم وتوضأ واختم ليلتك هذه بذكر الله وتلاوة كتابه، علَّه سبحانه أن يبارك فينا جميعا.

حمدتُ الله على أن رزقني نفساً تسوقني إلى فعل الطاعات وعمل الصالحات، فشكرتها، ثم قمتُ وتوضأتُ، وبعدها بدأتُ في تلاوة كتاب الله.

 

 

 

جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.  أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

1 محرم 1429 هـ

9 يناير 2008 م