الكلمة

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا المقال)


_______________________________________

كلنا يدرك ما تحمله الكلمة المكتوبة من أثر إيجابي أو سلبي في نفس القارئ.  لكن، هل وقفنا يوماً وتساءلنا:  أين يكمن سرُّ التأثير؟  هل هو في ما تحمله الكلمة نفسها من معنى، أم في الدور الذي تلعبه الكلمة في النص الذي وُجِدَت فيه؟  هل التأثير في شكل الكلمة، أم في إيقاعها الصوتي في ذهن القارئ؟  هل التأثير في لون الخط أو نوعه أو حجمه، أم في عدد حروف الكلمة، أم في مخارج تلك الحروف؟  هل التأثير أصليٌّ وُلِد بميلاد الكلمة، أم هو طارئ تعارف الناس على أن تحمل تلك الكلمة معنىً خاصاًّ يؤثر في السامع بطريقة معينة؟  وهل التأثير راجعٌ إلى الحالة النفسية أو الصحية أو الثقافية أو الفكرية أو الاجتماعية أو غيرها من الحالات التي يكون عليها القارئ أو المستمع، أم أن التأثير راجعٌ إلى الحالة التي كان عليها الكاتب أو المُلقي لتلك الكلمة؟  وهل يعود تأثير الكلمة لما يترتب على نطق كل حرف من حروف الكلمة من تغييرات فسيولوجية في جسم القارئ أو المستمع، أم أن التأثير يعود للذبذبات والتموجات الصوتية والكهرومغناطيسية التي تنتج حال النطق بالكلمة، والتي قد تؤثر على تغيرات في حدة وتمازج الطاقة الكونية المختلفة المحيطة بالناطق للكلمة مما تؤدي بدورها إلى إحداث تغيرات في الطاقة الكامنة في جسم الناطق بالكلمة؟

إنني أكاد أجزم أن لكل عنصر من عناصر التأثير التي ذكرتها دورٌ فيما يمكن أن تلعبه الكلمة في القارئ أو السامع.  وتتفاوت درجة التأثير زيادةً ونقصاناً في عدد العناصر التي قد تجتمع في الكلمة في آنٍ واحد، وفي حدة أوضعف كل عنصر عند قراءة أو سماع الكلمة.  ورغم أن كاتب الكلمة أو الناطق بها لا يمتلك القدرة في التحكم بجميع العناصر التي ذكرناها، إلا أن هناك من الناس من يستطيعون سبك كلماتهم بطريقة تجعل عناصر التأثير التي ذكرناها في أوج فاعليتها، وتمهد للقارئ أو المستمع لتَلَقِّي الكلمة، وهو في أفضل حالات التَلَقِّي.  وكما أن المُخرِج السينمائي يستخدم أدوات متاحة لجميع الناس من أضواء ومؤثرات صوتية وديكور، إلا أنه يستخدم كل أداة بمقدار معين ولفترات مدروسة، وهو بذلك يُفَخِّم مقدار ما تحمله تلك الأدوات من قدرات للتأثير في المشاهد. كذلك، فإن الكاتب المحترف أو المُلقي البارع هو مَن يستطيع إعطاء كل كلمة القدر المناسب من كل عنصر من عناصر التأثير الذي يمكنه أن ينتج أكبر مقدار من التأثير.

وإذا كانت التأثيرات الصوتية التي يمكن أن يقذفها المتحدِّث في أذن المستمع قد تعطي المتحدِّث فرصة أكبر للتأثير من الكاتب الذي لا يستطيع أن يتحكم في طريقة نطق القارئ للكلمة، إلا أن للكاتب فرصة أكبر في التأثير من المتحدث وذلك لكون المتحدث يفتقد القدرة في التحكم في الحالات التي يكون عليها المستمع وهو أمرٌ لا يتعرض له الكاتب، حيث أنه- في معظم الأحيان- تُقرأ كلماته في أوقات تساعد قارءها على الاستفادة مما يقرأ. كذلك، فإن غالب المتحدثين لا يرددون الكلمات الصادرة من أفواههم، بخلاف القارئ الذي يمكن أن يعيد ما يقرأ مراراً وتكراراً إلى أن يستوعب ما يقرأه.  ومما لا شك فيه أن التسجيلات الصوتية قد تُعوِّض عن بعض هذه النواقص بما تتيحه للمستمع من القدرة على اختيار الوقت المناسب للاستماع ومن ترديد ما يسمعه.  غير أن التسجيلات الصوتية- حالها كحال المادة المكتوبة- تفتقد عنصراً مهماً من عناصر التأثير التي يتمتع بها المتحدث؛ ألا وهي الرسائل الضمنية المتبادلة بين المتحدث والمستمع، والمتبلورة في قسمات الوجه، وحركات الأعضاء الخارجية، وسلوكيات الشخص أثناء الحديث أو التلقي.

الخلاصة من كل هذا هو أن الكلمة- سواءً المكتوبة أو المنطوقة- ورغم صغر حجمها وضعف بنائها، إلا أنه يمكنها أن تكون ذات تأثير قوي وفعال في حياة المعنيين بها مباشرة من متحدثين وكاتبين وقراء ومستمعين، وأيضاً في حياة الآخرين الذين سيتأثرون حتماً بالتغيرات التي ستطرأ في حياة المتأثرين بالكلمة مباشرة.  كذلك، فكلنا يدرك- والشواهد على ذلك من التاريخ معروفة- ما يمكن أن تفعله الكلمة في حياة الأمم والشعوب؛ فكم من حضارةٍ قامت وأخرى توارت بفعل كلمةٍ واحدةٍ، وكم من شعبٍ ذلَّ وباد وشعبٍ عزّ وساد بكلمةٍ قالها أو قيلت في حقه.  وصدق الله الحكيم العليم حين قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْثُتَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾([1])، وصدق رسوله الكريم حين يقول: (( إنَّ الرَّجُلَ ليتكلمُ بالكلمةِ مِنْ رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجاتٍ، وإنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنَّم ))([2]).  لهذا، فعليك يا أخي القارئ أن تتنبه في المرات القادمة إلى الكلمات التي تكتبها أوتلك التي تتفوَّه بها.  كذلك، فلا تحقِرَّن الوقت الذي تقضيه في انتقاء وسبك كلماتك لتخرج جواهر منتقاة تُزيِّن بها جِيدَ فيك وعواتق إبداعاتك.

6/1/2003م

 



([1])     الآيات 24-26 من سورة إبراهيم.

([2])     رواه البخاري، حديث رقم (6478).