الطريق والإنسان

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الخاطرة)


_______________________________________

كنتُ يومًا راجعًا من المسجد بعد صلاة الفجر، وجاءني خاطرٌ جعلني أفكر في الطريق الذي أسير فيه، وما به من التواءات وانحناءات.  وبدأتُ أقارن بين طبيعة الطريق وحياة الإنسان، فهداني المولى- سبحانه- إلى هذه النقاط:

·  يبدأ الطريق- حسب عرف الناس- من نقطة معينة، رغم أنه في الواقع ما هو إلا امتداد لطريق آخر.  أيضًا،  فإن الطريق قد ينتهي- حسب عرف الناس- في نقطة أخرى، رغم أنه قد يتصل بطريق آخر.  كذلك،  فإن حياة غالب الناس تبدأ من يوم ميلادهم، وتنتهي بموتهم.  غير أن هناك من الناس من تبدأ حياتهم وهم في عالم الغيب؛ حيث أن مكانة آبائهم العلمية أو الاجتماعية قد تجعل الناس يتشوقون لهذا القادم الذي سيكون امتدادًا لذلك العالـِم أو تلك الشخصية.  أيضًا،  فإن هناك من الناس من لا يموتون رغم دفن أجسادهم في الأرض.  إنهم العلماء والعظماء الذين أنتجوا في حياتهم معالم تمتد بعدهم أجيالًا متلاحقة.  وقد يأتي من أبنائهم أو طلابهم أو المتأثرين بفكرهم من يسير على نهجهم ويُشعل أنوار فكرهم.  وعلى هذا، فإن أولئك العلماء والعظماء هم حقيقةً يعيشون بيننا ويؤثِّرون فينا وفيمن يأتي بعدنا، رغم أنهم لا يتأثرون بنا، ويكسبون من الأجور والحسنات ما يفوق ما يكسبه الأحياء من أقراننا.

·  تبدأ معالم الطريق في التشكُّل من خلال ما تتركه أقدام الناس والدواب أو عجلات العربات من آثار على الأرض التي توجد عليها الطريق، وكلما زاد عدد المارة على تلك الأرض، وكلما كانت الآثار أكبر وأصحاب الآثار أثقل وزنًا، كلما تشكلت معالم الطريق بسرعةٍ أكبر.  كذلك،  فإن معالم حياة الإنسان تبدأ في التجلِّي بما يتركه الإنسان من بصمات في حياة الآخرين.  وكلما كانت تلك البصمات أعمق وأكثر رتابة، وكلما علا مستوى المنتفعين من تلك البصمات،  كلما ذاع صيتُ الإنسان أكثر وبطريقةٍ أسرع.

·  بعض الطرق الصخرية أو الطينية لا تتجلى معالمها إلا بعد زمن طويل وبعد ارتيادها من قِبَل أعداد كبيرة من المارة.  كذلك،  فإن هناك من الناس من لا يشتهرون إلا بعد كمٍّ هائل من الإنجازات.

·  إن أيَّ تراخٍ في تردُّد المارة على الطريق قد يمحو تدريجيًّا معالم الطريق.  كذلك،  فإن أيَّ تراخٍ في بذل العطاء وتوالي إنجازات المرء قد يؤدي إلى نسيانه بين الناس وانقشاع شهرته بينهم.

·  بعض الطرق تعتريها تقلبات الطقس من رياح وفيضانات وزلازل.  وتتغير معالم مثل هذه الطرق بسرعة كبيرة وتحتاج في كثير من الأحيان إلى إعادة إعمار وزيادة في الوطء لتبقى معالمها واضحة جلية.  كذلك،  فإن هناك من الناس من يعيشون في بيئات تتقاذفها أعاصير الفكر وتزلزل كيانها ما يستجدُّ في العالم من وقائع وأحداث.  مثل هؤلاء الناس يتأثرون كثيرًا بما يحدث حولهم، وتراهم في تذبذب واضح، وقد تؤدي بهم تلك الأحداث إلى اختفاء معالمهم بين الناس.  يحتاج هؤلاء إلى جهد كبير في إعادة إعمار أنفسهم، وإلى زرع الثقة من جديد في نفوس المنتفعين بفكرهم وإنتاجهم.

·  بعض الطرق تُشَقُّ وتُمَهَّد باستخدام طرق علمية ومعداتٍ حديثة.  مثل هذه الطرق تُشَقُّ في وقت قصير وتبقى صالحة للاستخدام لزمن طويل دون الحاجة إلى صيانة تُذكَر أو إعادة بناء.  مثل هذه الطرق تكون أكثر تكلفة وتحتاج إلى دراسة وتخطيط قبل وأثناء وبعد إنشائها.  لكن هذه الطرق تكون أكثر مقاومة لتقلبات الطقس وأعم منفعة لشريحة كبيرة من الناس والدواب والمعدات.  مثل هذه النوعيات من الطرق تقابلها نوعيات متميزة من الناس استطاعت أن تخطط لحياتها لتصل إلى مرحلة الإنتاج في وقت قصير.  كذلك،  فإن إنتاجية هذه الفئة من الناس أدوم نفعًا وأعم فائدة، غير أنها كلَّفت أصحابها الكثير من المال والوقت والجهد، وذلك لاستخدامهم لأحدث ما توصل إليه العلم من ابتكارات وتقنيات.  وهذه الفئة من الناس أكثر صلابة من غيرها نظرًا للكيفية والأسس التي شكلت حياتها بها.

·  في بعض الأحيان قد تقذف الرياح أو تجرف الأمطار في الطريق عوائق وأشواكًا لو تركت لأعاقت المارة وأثَّرت على جمال الطريق.  وفي معظم الأحوال يقوم المارة أنفسهم بإزالة تلك العوائق ليعود للطريق رونقه، ويواصل الناس ارتياده.  يقابل مثل هذه العوائق في حياة الناس ما يقذفه البعض في أذهان الآخرين من أباطيل وأراجيف حول حياة وإنجازات بعض العلماء والعظماء.  غير أن كثيرًا ما تنطمس تلك المزاعم ويخبو أُوارها عندما يتصدى لها مَن أدركوا الكنوز الثمينة والجواهر الفريدة التي تتألف من أرجاء حياة أؤلئك العلماء والعظماء.

·  تُزَيَّن بعض الطرق بالأنوار الساطعة، وتُجَمَّل بتشكيلات رائعة من الورود والأشجار، ويتسابق العظماء ليعنونوها بأسمائهم وشعاراتهم، وتتسابق الشركات والمؤسسات لزيادة إنتاجياتها عن طريق وضع الإعلانات والدعايات على امتداد تلك الطرق.  كل ذلك لا يقلل من شأن تلك الطرق، ولا يزيد الناس إلاشغفًا في المرور عليها.  يقابل مثل هذه الطرق أؤلئك العظماء من العلماء والمشاهير الذين أدرك الناس دورهم في بناء الحضارة الإنسانية، وقدَّروا مكانتهم في هذا الوجود، فتسابقوا للارتباط بهم؛ إما بنشر فكرهم أو بإقامة مؤسسات تُعرِّف الأجيال بعلومهم وإبداعاتهم.  كذلك،  فقد وَجَد بعض الناس النفعيين من شيوع صيت أولئك العظام ما حفَّزهم على استغلال أسمائهم وإنتاجاتهم لجني مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.  تصرفات مثل هؤلاء النفعيين لا تزيد أؤلئك العظماء إلا شهرةً ومحبةً بين الناس، ولا تزيد علومهم وفكرهم إلا إثراءً وإبقاءً.