الشاة المُتحرِّرة والذئب الجائع

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه القصة)


_______________________________________

يُحكى أنه كان هناك راعٍ يرعى الغنم، وكان الراعي يخرج كلَّ يوم في الصباح الباكر بالغنم يبحث عن مكان يجد فيه الكلأ والماء، لكي يعطي الغنم حقَّها من الأكل والشراب.  وكان الراعي قد اشترط على الأغنام أن تتبعه في كل مكان يذهب بها إليه، وأن تثق به لأنها أغنامه ولا يريد بها سوءًا.  وقد اشترط على الأغنام أيضًا أن لا تتفرَّق عن بعضها في مأكلٍ أو مشربٍ، مخافة أن يأتيها الذئب فيفترسها.  وافقت كل الأغنام على هذه الشروط، فكانت دوماً ملتئمة مع بعضها البعض.

وذات يومٍ قالت إحدى الشياه لزميلاتها: "لماذا نحن نتبع هذا الراعي كل يوم؟  لماذا لا يذهب كل واحدٍ منا إلى مكان، وننظر في مرتع أو غدير أفضل من هذا الذي نذهب إليه؟ وإننا إن وجدنا ما نريد، فسنعيشُ حياةً أفضل من هذه الحياة التي نعيشها".  ردَّت عليها إحدى الشياه: "ألم تسمعي شرط الراعي علينا بأن لا نبتعد عن بعض، مخافة أن يأتينا الذئب فيأكلنا، ونحن لا حول لنا ولا قوَّة بغير الراعي".  ردَّت عليها الشاة: "إننا لن نذهب بعيدًا، وأيضًا فإننا لم نرَ في حياتنا ذئبًا، فلماذا هذا الجبن؟  وعلى العموم, إن رفضتُنَّ رأيي فسأذهب بنفسي، وسأكسر أنا هذه القيود".

لم توافق الشياه على رأيها، فخرجت من القطيع خطوة خطوة، مخافة أن يراها الراعي فيردَّها، ولم تعلم بأنَّ الراعي كان يسمع نجواها مع زميلاتها، وكان يراقبها وهي تخرج من القطيع، ولكنه أراد أن يُثبِت للأغنام الأخرى أنَّ ما يقوله حق.

ابتعدت الشاة قليلاً  قليلاً، وكانت أشعة الشمس الساطعة تسقط على الأرض فتُكوِّن السراب الذي يتراءى للعين من بعيد أنه ماءًا.  أبصرت الشاة ذلك السراب، وظنَّت أنه ماءًا، وركِبَها الغرور، وقالت في نفسها: "لقد تخلَّصتُ من قيود ذلك الراعي، والآن إلى الحياة الرغيدة".

اندفعت الشاة نحو الماء، والسراب يبتعد كلما قربت إليه، ويخيل إليها أنها تقرب إليه شيئًا فشيئًا.  وبعد أن أعياها الجري توقَّفت تحت ظلِّ شجرةٍ تستريح، ونظرت إلى السراب فخُيِّل إليها أنه لم يبق إلا شيءٌ بسيط حتى تصل إليه، والتفتت وراءها، فرأت على مَدِّ البصرِ قطيع الغنم ينظر ماذا عسى أن يصير من أمرها.

وبينما هي جالسة تحت ظلِّ الشجرة، منهكة من التعب، تنظر إلى السراب، وهو يتصوَّر في عينيها ماءًا زلالا, إذا بذئب يثب أمامها ويقول: "مرحباً بالمتحررة من قيد الراعي، ومرحباً بكِ أكثر لو كنتِ جئت بأخوات لكِ لتعشن حياة الرفاهية".  فقالت له الشاة والسرور بادٍ على وجهها: "من أنت؟  وهل تعرفني حتى ترحب بي؟"

قال: "كيف لا أعرفكن- معشر الشياه-، وإني كنتُ في شوق إلى رؤيتكن".  قالت الشاه: "ولكن، لم تخبرني من أنت".  قال لها في زهوٍ وغرور: "ألم تشمعي من راعيك بمنقذ الهاربين، وموفر الحياة الرغيدة للذين لم تعجبهم حياة الراعي.  أنا الذئب يا عزيزتي!" فقامت الشاة مذعورة في خوف وقالت: "أنت الذئب؟  ومن أين جئت؟  وكيف تدَّعي بأنك ستوفر لي الحياة الرغيدة؟"

سكتَ الذئب قليلاً، وثم قال: "أما هل أنا الذئب حقًا، فنعم، وأما من أين جئت، فإنني أعيش قريبًا من هنا، أترقَّب أيَّ واحدة منكن تفلت عن القطيع، وتعصي أمر الراعي.  أما قولكِ كيف أدَّعي أنني سأوفِّر لكِ الحياة الرغيدة، فإني صادقٌ في قولي, ففي بطني هذا جنات من أعشابٍ ومياه لم تر مثلها عينكِ".

صرخت الشاة قائلة، وهي تبكي: "إنك محتالٌ يا لعين، أنهيتَ بي إلى الموت!"  فجابها الذئب وهو يضحك: "لم أنهي بكِ إلى الموت، ولكن أنتِ فعلتِ بنفسكِ هكذا عندما انفلتِ عن أوامر الراعي، وعن نصائح زميلاتكِ".

وفي لمح البصر، عوى الذئب عويةً اهتزَّت لها الجبال، ثم انقض على الشاة فافترسها.  كانت الشياه تراقب ما يجري بين الذئب والشاه، فحزِنَّ كثيراً لما حدث لأختهن، وحلَفْنَ أن لا يغادرن الجماعة أبدًا، وأن لا يعصين قول الراعي، وتذكَّرْنَ قول الراعي لهن: "في الجماعة رحمة وفي الفرقة عذاب".

 

15/4/1986م