هذا جزاء من أحبَّ الكلب

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه القصة)


_______________________________________

إننا نعرف أن الكلاب حيوانات غالباً ما تكون وفيَّة وأليفة، وتحرس البيت والحمى، وكثيرًا ما نسمع قصصًا عن وفائها وإخلاصها لصاحبها.  والكلاب في بلادنا- وما أكثرها- لها قصصًا من نوع آخر، وسأروي لكم قصة حدثت، وكثيرًا ما تحدث.

والقصة هي عن رجل وامرأة كانا يعيشان آمنَيْ،ن يتداولان الحب بينهما والإخلاص.  وقد لاحظت الزوجة أن كثيرًا من الناس صاروا يشترون كلابًا لتساعدهم في أعمالهم، ولتسليهم في أقات الفراغ، ولذلك أُعجبت المرأة بهذه الكلاب، وتمنَّت لو تحصل على كلب يساعدها في أعمالها، ويُسلِّيها في بعض أوقاتها.

طلبت المرأة من زوجها أن يشتري لها كلبًا يعينها على أعمال البيت، فوعدها خيراً، ولكنه لم يشأ أن يتعجل في الأمر، فاستشار بعضاً من أصدقائه الذين لا يشكُّ في صلاح رأيهم، واستنارة فكرهم.  أخبره هؤلاء بأن جلب الكلاب إلى البيوت أمرٌ في غاية الخطورة، وأنه قد حدثت أمورٌ كثيرة لأناس جلبوا إلى بيوتهم مثل تلك الكلاب.

لم يدرِ الزوج ما يفعل، فهو من ناحية يحب زوجه ولا يريد أن يردَّ لها طلبا، بل إنه لا يجرؤ على ذلك.  ومن ناحية أخرى، فإنه بات متخوِّفاً من أن يؤدي جلب الكلب إلى البيت إلى مثل ما حدث عند الآخرين.  فاتح الرجل زوجته بما ألَمَّ به من حيرة، وما أصابه من قلقٍ وتخوُّف، وقال لها: "ما رأيُكِ لو نأجل هذا الأمر قليلاً إلى أن نستشير من ذوي الحصافة والرأي؟"

ما إن سمعت المرأة كلام زوجها، حتى انفجرت في وجهه صارخة، وهي تقول: "إني أعرف أنك لا تحبني، وقد كنتُ أشكُّ في هذا، واليوم تبيَّن لي صدق مشاعري".  وهنا بدأت المرأة في البكاء، ثم تابعت كلامها: "إن كنتَ لا تريدني أن أعيش معك فطلقني".  ذُعِر الرجل من هذه الكلمة، فحاول أن يهدئ من روعها، وقال لها: "وهل صدَّقتِ ما قلتُه لك؟  لقد كنتُ فقط أمزح معك، وسأحضر لك كلباً في أقرب وقت".

وفعلاً، أحظر الزوج الكلب, وكان أسود اللون، مُغبَرَّ الشعر، تبدوا عليه سيماء الجوع، فأخذته المرأة ونظَّفته وأطعمته.  أخذ الكلب يتعلَّم الكثير، ويساعد المرأة في أعمالها، حتى أنها لم تجد شيئًا تعمله سوى التطيُّب والتجمُّل.

وذات يوم, وبينما كانت في الحمَّام تستحم, إذ دخل عليها الكلب الحمَّام، ووقف أمامها وهي عارية، فخجلت منه المرأة، ونهرته، وأمرته أن يخرج حالاً.  ولكن بعد لحظات قالت في نفسها: "إنَّ هذا الكلب حيوان لا يفهم شيئًا، وما كان ينبغي لي أن أنهره".  أحسَّت المرأة بالخطأ في نهره، وقرَّرت أن تزيد له في الطَّعام، وأن تعامله برفق، وأن لا تنهره أبدًا.

أخذ الكلب يدخل على المرأة حالما يسمعها تستحم، ويناولها الصابون والأدوات الأخرى، وبدأ يتعلم كيف يغسل لها جسمها.  سُرَّت المرأة بهذا الصنيع، وصارت ترى نفسها كالملكة والعبيد يخدمونها.  وتكرَّرت الأحداث وتطورت، حتى تعلم الكلب أن ينام مع المرأة في غياب زوجها، ولم تعلم أن الشيء إذا زاد عن حدِّه انقلب ضدَّه.

أحسَّت المرأة أن وجود زوجها يضايقها، فأمرت حبيبها (الكلب) أن ينقضَّ على الزوج حال دخوله الباب.  لم يتردد الكلب في تنفيذ أمرها، فانقضَّ على الزوج، وأنشب أظفاره في جسده، وبدأ يمزقه إرباً، والزوج يستغيث بزوجته، والزوجة خائفة مما تشاهد، ولا تدري كيف تتصرَّف.

وبعد أن فارق الزوج الحياة، وبدى جسدُه ممزَّع الأوصال، خافت المرأة مما حدث، ولم تدرِ ما تفعله، فأشار إليها الكلب بأن يرموا جثة زوجها في المزبلة.  لكن المرأة رفضت ذلك التصرُّف، لخوفها من أن يجرَّ ذلك إلى عواقب أسوأ.

بقيت المرأة في حيرة شديدة، وبدأت ذكرياتها مع زوجها تعود إلى مخيلتها ولا تزيدها إلا أسىً وحسرة على فقدانه.  ورغم أن المرأة أيقنت أن جلب الكلب إلى البيت كان السبب في كل ما جرى، لكنها لم تجرؤ على فعل شيء حياله لخوفها من أن تكون عاقبتها كعاقبة زوجها.

 وبعد حيرة دامت لساعات، هداها شيطانها إلى حيلة تُقنِع من خلالها جيرانها.  بدأت المرأة في الصراخ، فجاء الجيران يحثُّون الخطى لنجدتها.  وما كان يدخل الواحد منهم يدخل البيت حتى يكاد أن يُغشى عليه لهول ما يرى.  واستمرت المرأة في الصراخ والبكاء، والجيران يتجمهرون ولا يدرون ما جرى.

حاول بعض الجيران تهدئتها ومعرفة ما حدث، فأخبرتهم بصوتٍ يغلب عليه البكاء بأن أناسًا لا تعرفهم قد اعتلوا سقف البيت، ثم دخلوا عليهم غرفتهم، وهجموا على زوجها، وبعد مدافعات من زوجها لم يستطع الصمود أمامهم، فقتلوه، ثم حاولوا الاعتداء عليها، لكنهم لم يستطيعوا لما رأوا من بسالة الكلب في الدفاع عن زوجها وعنها.

نظر الجيران إلى بعضهم البعض، وكأنهم يشكُّون في صدق مقولة المرأة، ونظر بعضهم إلى الكلب، وتذكروا ما سمعوه عن الكلاب من قصص مشابهة.  ومع أنَّ أنياب الكلب ما زالت في أعينهم، إلاَّ أنهم آثروا أن يتناسوا الموقف، وقالوا لبعضهم: "إنَّ من المستحيل أن يقتل ذلك الكلب الوفي راعيه, وربما كان يدافع عنه فأصابه بأنيابه".

وبعد موت زوجها، لم تستطع الزوجة النوم، فذكريات الحياة الهانئة التي كانت تعيشها مع زوجها كانت تُطلُّ عليها بين الفينة والأخرى، ومشاهد جسد زوجها الممزق، وما به من لحم ممزَّع ودماء نازفة كانت لا تفارق خيالها.  وبدأت المرأة تندم على ما جرى، وبدت مشاعرها تجاه الكلب تخبو يوماً بيوم، لكنها لم تزل في خوفٍ من أن تعاقبه، أو حتى تطلب منه مغادرة المنزل.

مرَّت الأيام، والزوجة ما زالت تغوص في حزنٍ عميق، والكلب يدخل عليها كل يوم، ويحاول أن يأتيها بما ينسيها تلك الهموم، ولكنها في كل مرة كانت تشكره، ثم تطلب منه أن يتركها لوحدها.  وذات يومٍ استجمعت المرأة قواها، واتخذت قرارها، فطلبت من الكلب أن يغادر البيت، وأن لا يعود إليها مرة أخرى.

غادر الكلب البيت، ولكن المرأة عاشت حياتها في تعاسة.  أما الجيران، فإنهم قد أيقنوا صدق شكوكهم من أن يكون الكلب هو السبب فيما جرى.  كذلك، فقد أثارت هذه الحادثة بعض ذوي الفطنة والبصيرة، فأخذوا ينادون بخطورة الكلاب، وأنه يجب أن تقصى من أرضنا، ولكن لا حياة لمن تنادي.

مضت ثمانية أشهر بعد موت الزوج، ولاحظ الجيران أنَّ المرأة حامل، وفرحوا لِمَا رأُوا، وتمنوا لو أنَّ الزوج حيٌّ ليرى وَلَدَه، ولم يعلموا أنَّ الطبيب قد كشف على الزوج قبل وفاته فوجده لا ينجب.  كانت المرأة تعرف ذلك، ولكنها لم تخبر أحدًا، وظنَّت أنَّ الناس لن يعرفوا.

وحين حان يوم الولادة، تجمَّع الناس ليروا الولد الوحيد لجارهم المتوفى.  وبعد الولادة كانت الكارثة! لم تلد المرأة ولدًا ولا بنتًا، ولكنها ولدت كلبًا.  وسرعان ما جالت بخواطرهم الإدانات, فقائل: الكلب هو السبب, وقائل: المرأة هي السبب!  وأخيرًا استقرَّ رأيهم أنَّ الكلب حيوان لا يفهم ولا يمكن أن يعمل تلك الفعلة!  ولكنهم بعد أن مسحوا الدم عن الكلب، وجدوا مكتوبًا على جبهته: "هذا جزاء من أحبَّ الكلب".

 

11/5/1986م