حوارات هادفة (2)

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع زوجتي

 

الإصدار الأول

1430 هـ  - 2009 م

 


(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا للإيمان، وأكرمنا بالإسلام، وشرَّفنا بالقرآن.  الحمد لله حمداً يليقُ بجلال وجهه وعظيم سلطانه.  وأصلي وأسلم على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن سار على نهجه، واستنَّ بسنته، ودعى بدعوته إلى يوم الدين.

رجعتُ ظهر هذا اليوم- كعادتي- من العمل بعد انتهاء الدوام، وكنتُ أحسُّ بالإنهاك والضيق من كثرة الأعمال؛ فقد مرَّ اليوم كله في اجتماعات، وإعدادٍ للتقارير النصف سنوية التي علينا أن نقوم بتسليمها.  وصلتُ إلى البيت في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر.  وكعادتي، طرقتُ الباب، وبعد هنيهة سمعتُ صوت زوجتي تقول بصوتٍ خافت: "مَن بالباب؟"  قلتُ لها:  "زوجك".  فتحت الباب، واستقبلتني- كعادتها- بابتسامتها التي تملأ ثغرَها، وببشاشة وجهها التي كانت دوماً تزيح عني ما آتي مُحمَّلاً به من ضيقٍ وكدرٍ وتعبٍ وضنى.  مدَّت إليَّ يدها، فمددتُ إليها يدي، فصافحتني وهي تقول: "السلام عليكم يا أبا عبد الله، حمداً لله على سلامتك".  فقلتُ لها: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف أنتِ يا أمَّ عبد الله؟"  قالت: "الحمدُ لله، أنا في سعادة ونعمة من الله".  أخَذَتْ حقيبتي، فدخلتُ البيت وأغلقتُ الباب.

توجَّهتُ إلى غرفة النوم، وخلعتُ ملابس الدوام، ولبستُ البيجامة.  بعدها توجَّهتُ إلى المطبخ، فوجدتُ أن زوجتي قد انتهت من إعداد مائدة الطعام، بأصنافه الشهية اللذيذة، التي قليلاً ما تتشابه في نوعها أو طعمها أو حسن ترتيبها.  كعادتها، كانت زوجتي تسائلني عن يومي، وكيف قضيته، وما هي التطورات الجديدة في العمل.  أخبرتها بما جرى لي في ذلك اليوم، واستمر الحديث بيننا طيلة فترة تناول الغداء.  سألتها عن أحوالها هي، وكيف قضت يومَها، فأجابتني بأن يومها- بحمد الله- كان خيراً من أمْسِها.

بعد أن انتهينا من تناول الغداء، أعنتُها على حملِ الصحون وأواني الطعام، ثم بدأتُ بغسلها.  أما هي فقد بدأت بتنظيف مائدة الطعام، وبعد أن فرغت، قرُبت بجانبي، وبدأت في غسل الأواني معي.  وبعد أن انتهينا من غسل الأواني، أخَذَتْ المنشفة، ومدَّت يدها بها إليَّ.  جفَّفْتُ يديَّ، ثم أعدُتها إليها، فجفَّفَتْ هي الأخرى يديها، ثم أعادت المنشفة إلى مكانها.  بعد ذلك، اتجهنا صوب غرفة النوم لأخذ قسط من الراحة إلى أن يحين وقت صلاة العصر.

عندما نمتُ على السرير ونامت هي بجانبي، أقبَلَتْ إليَّ بابتسامتها الجميلة، وقالت لي: "أريد أن أخبرك بأمرٍ سيسرُّك إن شاء الله".  قلتُ لها: "خيراً بإذن الله؟"  قالت: "عندما غادرتَ البيت هذا الصباح أحسستُ بآلام في ظهري، فذهبتُ إلى المستشفى، وقابلتُ الطبيبة، فطلَبَتْ مني أن أُجري بعض الفحوصات، ثم بعد أن ظهرت نتيجة الفحوصات، استقبلتني الطبيبة لتهنئني بأني حامل".

كدتُ أقفز من مكاني عندما سمعتُ الخبر، فقلتُ لها بصوتٍ يمتزج بالبهجة والسرور: "أصحيحٌ ما تقولين؟"  قالت لي: "نعم، لقد أكَّدَتْ لي الطبيبة ذلك".  قلت لها: "الحمد لله رب العالمين".  وبدأتُ أدعو الله لها بأن يُسهِّل عليها الحمل والوضع والرضاع والتربية، ثم قلتُ لها: "إن هذا أمرٌ يحتاج إلى حديثٍ طويل، وأحسُّ الآن بالإنهاك، ولذا فإننا سنؤجل الحديث إلى المساء بإذن الله".  ردَّتْ عليَّ بصوتٍ ممزوجٍ بالفرحة وكلمات تخرج من ثغرٍ مبتسمٍ ووجهٍ كأنه بدر التمام: "حسناً، سنؤجل الحديث".

وضعتُ رأسي على الوسادة، وأغمضتُ عينيَّ، ولم أفِقْ إلا على نحيبِ زوجتي.  قفزتُ من سريري، والتفتُّ نحوها.  قلتُ لها: "خيراً إن شاء الله؟  ماذا بك؟  ماذا أصابك؟  هل أنتِ مريضة؟"  قالت لي بصوتٍ متقطع، يخالطه البكاء، وقد غطَّت وجهها بغطاء رأسها، وهي تمسح الدموع من عينيها ووجنتيها: "أنا بخيرٍ والحمد لله، ولكنني خائفة".  ظننتُ أنها تفكر في يوم الولادة، وهي خائفة من ذلك اليوم، لما تسمع به من الآلام الشديدة والمعاناة المريرة التي تمرُّ بها النساء الحوامل، وخصوصاً في ذلك اليوم.  رددْتُ عليها مازحاً، وأنا أريد أن أسلِّي عنها: "هوِّني عليك، فإنه ما زال أمامك بضعة أشهر حتى ذلك اليوم".

زاد نحيبُها، وردَّت عليَّ بصوتٍ فيه نبرة الألم والحُرقة، وقالت: "إن الأمر ليس كما تصوَّرتَ، فإنني لستُ خائفة مما سأعانيه من مشقة الحمل ومكابدة آلام الوضع، فإنه، وإن كان شاقاًّ عسيراً، فإنني على ثقةٍ بأن الله سيُسهِّل عليَّ الأمر، وأنه لن يتركني لنفسي، وإنما سيزيل عني- بإذن الله- تلك المتاعب والآلام".  قلتُ لها: "إذاً ما سببُ بكائك؟"  قالت: "إنني أفكر فيما بعد الولادة".

ظننتُ مرة أخرى أنها تفكر في وضعنا المالي، وأنه قد يكون سبباً في شقائها وشقاء الطفل، نظراً لأن الراتب الذي أتقاضاه بالكاد يَسُدُّ احتياجات البيت وبعض النفقات الأخرى، التي هي من باب الواجب الشرعي عليَّ أو على زوجتي.  ظننتُ أنها تفكر أن طفلنا سينشأ ولن يجد عنده ما هو موجودٌ عند أقرانه من الأطفال من أنواع اللعب وصنوف الملابس.  قلتُ لها: "لا عليكِ، فإن الله سيدبِّر لنا أمورنا بعد الولادة، وسيُهيِّئ لنا المال الذي سنحتاجه لشراء أفضل أنواع الألعاب وأجود أنواع الثياب، ولن يُحسَّ طفلنا- بإذن الله- بأيِّ فارقٍ بينه وبين الأطفال الآخرين الذين سيلعب معهم أو يصاحبهم في المدرسة".

زاد بكاؤها مرة أخرى فعرفتُ أن ما قلتُه لم يكن السبب في بكائها، وإنما هي تفكر في أمرٍ آخر، فقلتُ لها: "يبدو أنك تفكرين في أمرٍ ليس على بالي"، فردَّتْ عليَّ بسرعة وصوتها يتقطع من كثرة نحيبها، فقالت: "عهدي بك أنك من العقلاء، ومن الذين يخافون الله سبحانه وتعالى".

استغربتُ من هذا الكلام، فقلتُ لها: "إني أحاول أن أكون هكذا يا امرأة، فما الذي غيَّر نظرتك عني؟"  فقالت لي: "إذاً، إذا كنتَ كذلك، فأريدك أن تعلم أني خائفة من مصير ابني"، فقلت لها مندهشاً: "ويحك يا امرأة، ما زال الطفل جنيناً، والأعمار بيد الله، فلماذا تتشاءمين هكذا؟"

ردت عليَّ مرة أخرى وقالت: "إن الأمر ليس كما تفكر أو تظن.  إن إنجابي لطفلٍ في جمال يوسف- عليه السلام-، وفي حلم المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، وفي فصاحة هارون- عليه السلام-، ثم أن يقبض الله روحه بعد إنجابه لأهون عليَّ من الأمر الذي أفكر فيه".

فقلت لها: "أستغفر الله، ما هذا الكلام يا امرأة؟  أراك اليوم في حالة من التشاؤم واليأس.  ما الذي حلَّ بك؟  لقد عهدتُّكِ امرأة حليمة، واقعية، راضية بقضاء الله وقدره في جميع أمورِك، وتحمدين الله في جميع أحوالك، فما الذي أسمعه منكِ اليوم؟"

ردت عليَّ، وصوتها ما زال يخالطه البكاء، وتصدر كلماتها خافتة متقطعة، وقالت: "إنني أفكر في مصير الأمانة العظمى التي شاء الله أن يُحمِّلنا إياها.  إنك تعلم أن الحمل والولادة ما هي إلا تهيئة للأبوين ليحملا عبء الأمانة الكبرى التي أُلقِيَتْ على عاتقهما".

أحسستُ بأن الكلام قد بدأ يأخذ منحىً آخر، وأن المرأة في خاطرها أمرٌ تريد أن تُفصِح عنه وتُجلِّيه لي، فقلتُ لها: "أفصحي يا أم عبد الله، فإني ما زلتُ لم أستوعب ما تقصدين".

قالت: "إنك تعلم أن الله- سبحانه وتعالى- ما جعل سنة الزواج فقط لأجل أن يقضي الزوج وطره من زوجته، ويسدُّ بها شهوته، ولكن الأمر أبعد من ذلك بكثير وأخطر من ذلك بمراحل، فإن الله- سبحانه وتعالى- أراد للأسرة أن تكون البذرة التي من خلالها يتواصل النسل، وبسببها يحصل صلاح المجتمع أو فساده، وهذا ما يقلقني كثيراً؛ فإنني أخاف أن لا أستطيع أن أربي طفلي حسب ما أراد الله- سبحانه وتعالى- فنكون قد أنبتنا بذرة شرٍّ والعياذ بالله، ونكون سبباً في إفساد المجتمع لا سمح الله".

بدأتُ أفهم ما تعنيه زوجتي وبدأتُ أشعر أنا أيضاً بهول الأمانة التي شاء الله- سبحانه- أن يُحمِّلنا إياها، فما مجئ المولود إلا ابتلاء للزوجين وتمحيصٍ لإيمانهما، ومجيؤه- كما قالت زوجتي- إما أن يكون سبباً لسعادتنا نحن وسعادة المجتمع، وإما أن يكون عكس ذلك، والعياذ بالله.

حاولتُ أن أُلطِّف عليها وأهوِّن عليها ما تجده من ثقل هذا الحِمْل الذي شرفنا الله بحمله وكرمنا بأن جعلنا راعين له، فرددتُ عليها وقلتُ: "صدقتِ يا أم عبد الله، فإن الأمر كما قلتِ وأشد، وإنه لحقٌّ لمثلِكِ ومثلي أن تنتابه الهموم ويعتريه القلق والخوف من التقصير في حمل هذه الأمانة، ولكن أحبُّ أن أخبرَك بأمرٍ علَّه يُسلِّيكِ ويسليني أنا أيضاً".

أقبلت عليَّ بوجهها، وكادت أن تُفصِح عن ابتسامة لولا أنها كانت ما زالت تجد في نفسها حرقة مما تحسُّ به، وقالت لي بسرعة، وهي تظن أني قد وجدتُ لها مخرجاً مما ينتابها من شعور مرير مما سيؤول إليه أمر أسرتنا بعد بضعة أشهر، قالت لي: "ما هو؟  تكلم، ما هو؟"

قلت لها: "إنك تعلمين أن الله سبحانه وتعالى قد أكرمنا بالإسلام، وزيَّن قلوبنا بالإيمان، ورزقنا حبه وحبِّ نبيه- صلى الله عليه وسلم-، وبعث في قلوبنا داعيَ الخير لنقوم بأمر الدعوة إلى دينه والعمل لكل ما يحبه ويرتضيه سبحانه".

ردَّت عليَّ بصوتٍ متثاقل، وكأنني خيَّبتُ ظنها فيما كانت تظنُّ أن يكون متنفَّساً من آلامها ومخرجاً من كربتها، فقالت: "أدري ذلك، ولكن ما علاقة هذا بما قلتُه أنا لك؟"

قلتُ لها: "إنك تعلمين أيضاً أن هذا الكون كله مسخر بأمر الله، وأنه لا يحدث فيه شيءٌ خارج عن إرادته وبعيداً عن حكمته وحسن تدبيره".

قالت: "ونِعْمَ بالله".

قلت: "إن الله ما أوجدنا في هذا الزمان بالذات إلا لحكمة يعلمها- سبحانه وتعالى-، وما جمع بيني وبينِكِ إلا لأمرٍ يريده- سبحانه-، وما رزقنا- سبحانه- هذا المولود إلا لسبب يعلمه رب العزة- عزَّ وجلَّ-.  وإذا كنا نحسن الظن به- سبحانه-، ونفوض أمورنا إليه، وندرك تمام الإدراك أن الله- سبحانه وتعالى- لا يريد بنا إلا خيراً وأنه قد اختصَّنا بالإسلام والإيمان والتقوى، فإن الله- سبحانه وتعالى- لن يتركنا لأنفسنا، ولن يترك الأمر لطاقاتنا وقدراتنا، ولكن الله- سبحانه-، وأنا على يقين بذلك، سيبقى معنا وسيدبر لنا أمورنا، وسيُلهمنا رشدنا، وسيعيننا على حمل هذه الأمانة على أكمل وجه بإذنه سبحانه".

قالت، وقد استبشرت خيراً بما قلتُه لها، ولكن فيما يبدو كانت ما زالت في نفسها أمورٌ لم تتجلى: "إنني أثق في قدرة الله- سبحانه وتعالى- ومشيئته وحكمته، وإنني على يقين كذلك بأن الله- سبحانه- لن يتركنا، وأنه سيوفر لنا السبل والوسائل التي ستعيننا على القيام بهذا الواجب على أكمل وجه، ولكن ما يقلقني هو الواقع المرير الذي نعيش فيه، ولا أعني بذلك وضعنا المالي، وإنما أعني بذلك الحالة التي وصل إليها مجتمعنا؛ فإنك تعلم أنه لن يكون بإمكاننا أن نضع طفلنا في حجرة مغلقة وننشؤه فيها على ما يُرضي الله- سبحانه وتعالى-، ولكن سيأتي يوم من الأيام فيخرج فيه طفلنا إلى المجتمع، وسيختلط فيه بأقرانه من الأطفال، وسيشاهد ما يجري في هذا المجتمع، وعندها سيكون عرضة للتأثُّر بما يقع في هذا المجتمع من أمورٍ هي بعيدة كل البعد عما يحبه الله- سبحانه وتعالى- ويرضاه".

قلتُ لها: "يا أم عبد الله، لقد تحدَّثْتِ عن أمرٍ جَلَل، ومن المؤسف حقاًّ أن تغيب هذه الحقيقة عن كثير من الآباء والأمهات.  إن معظم أولياء الأمور يَرَوْنَ أنه لا مفر من هذا الواقع، ولذلك فهم يدفعون بأولادهم للاختلاط بأطفال المجتمع دون رقابة أو حصانة.  إن على كل أمًّ أن تكون حريصة على أطفالها فلا ترميهم في الشارع، دون أن تعرف أين يذهبون ومع مَن يختلطون.  وعليها كذلك أن تجلس معهم إذا عادوا إلى البيت فتسألهم أين ذهبوا وماذا فعلوا، وعندها تستطيع أن توضِّح لأبنائها السلوكيات الخاطئة التي لاحظها أبناؤها أو ربما تلك التي قاموا هم بها".

قاطعتني زوجتي قائلة: "لقد لاحظتُ يا أبا عبد الله بعض الأمهات تقيم الدنيا ولا تُقعِدُها إن رأت ولدها قد عاد إلى البيت وقد اتَّسَخَتْ بعض ثيابه، ولكنها لا تهتم بمَن يخالط، ومع مَن يسير.  وفي نظري فإن السبب في ذلك هو قلة علم الأمهات بهذه التكاليف، وكثرة انشغالهن، أو بالأحرى إشغال وإلهاء أنفسهن، بأمورٍ بعيدة عن الواجبات الحقيقية التي عليهن ممارستها".

قلتُ لها: "صحيح ما تقولين يا أم عبد الله، فواقع نساء المسلمين مؤلمٌ جداًّ، فهُنَّ يقضين جُلَّ أوقاتهن في تنظيف البيت وترتيبه، وفي طهي الطعام وغسيل الملابس وكيِّها، وفي محادثة الجارات والصويحبات، ولا يكون لأطفالهن نصيبٌ من وقتهن.  بل إنني لاحظتُ- وللأسف الشديد- من النساء من تدفع أبناءها للخروج من المنزل أو البقاء أمام التلفاز، لا لشيءٍ هادف وإنما لتصرفهم عن مضايقتها، وليتفرَّغ لها الوقت لتقضية أعمالها".

ردَّت عليَّ زوجتي قائلة: "إنني أعتقدُ أن هذه المسألة في غاية الخطورة، وإذا كنا لن نستطيع أن نتحكم في المحيط الذي سيعيش فيه طفلنا، فعلينا- على الأقل- أن نتخيَّر له البيئة الصالحة داخل البيت.  وقد ذكرتَ يا أبا عبد الله التلفاز، وإني متخوفِّة جداًّ من هذا الجهاز الخطير، فقد شاهدتُ أطفالاً في بعض البيوت يقضون ليلهم ونهارهم وهم يجلسون أمام شاشة التلفاز، ويتنقلون من قناة لأخرى دون رقيب أو حسيب.  وأرى يا أبا عبد الله أن نحاول ضبط هذه المسألة قبل مجئ طفلنا، وإني أقترح أن نرمي هذا الجهاز من بيتنا لنتقي شرَّه وبواره".

قلتُ لها: "يا أم عبد الله، إنك بهذا تتصرَّفين كما تتصرَّف بقية النساء عندما تدفع أولادها لمشاهدة التلفاز؛ فهذا الجهاز أداة بناء وهدم، وإقصاؤنا له يعني أننا عاجزون عن القيام بمسؤوليتنا حياله".

قاطعتني زوجتي قائلة: "وكيف يمكننا أن نُبقي ذلك الشيطان وما فيه من آفات متلاطمة، وفي نفس الوقت نكون متأكدين من أنه لن يؤثر سلباً على طفلنا؟"

قلتُ لها: "أعلم أنها مهمة شاقة، ولكن ما يمكننا القيام به هو تخيُّر القنوات التي لا نرى لطفلنا بأساً من مشاهدة برامجها.  كذلك، فعلينا تتبُّع تلك القنوات ومشاركة طفلنا في مشاهدة البرامج التي تُبَثُّ فيها، وعندما نرى مشهداً لا يناسب المبادئ والقِيَم التي نريد أن ننشئ طفلنا عليها، فعندها علينا أن نقوم بواجبنا بتوضيح ما في ذلك المشهد من مخالفات، ويكون طبعاً بأسلوب يتناسب مع سنِّ طفلنا.  كذلك، فعلينا أن نوجِد لطفلنا بدائل أخرى يستطيع من خلالها قضاء أوقاته وتصريف طاقاته، من مثل اللعب وأشرطة الفيديو وبرامج الكمبيوتر النافعة".

قالت زوجتي وهي تبدو مستبشرة: "تعلم يا أبا عبد الله، لو وفقنا الله لتطبيق ما ذكرتَ لاستطعنا بإذن الله أن نتلافى الكثير من الأخطاء التربوية التي يقع فيها الآباء والأمهات.  ولكن ما يقلقني هو أن تلك الأمور تحتاج إلى متابعة مستمرة، وفي نفس الوقت تحتاج إلى معرفة ودراية، وإنك تعلم أنه ليس لدينا العلم الكافي لتمييز النافع من الضار، وأيضاً ليس عندنا من الفهم ما يعيننا على تتبُّع مراحل عمر طفلنا وتخيُّر المناسب لكل مرحلة من الأساليب والوسائل، فكيف يمكننا أن نعوِّض عن هذا النقص؟"

قلتُ لها: "أبشري يا أم عبد الله، فإن هناك الكثير من الوسائل التي يمكن أن تعيننا على تعلُّم أساليب التربية، وتعطينا الفهم الذي سنحتاج إليه للتعامل مع طفلنا بطريقة صحيحة.  فأنتِ تعلمين أن هناك الكثير من الكتب والمقالات والأشرطة السمعية والمرئية التي بمقدورنا اقتنائها، وهناك أيضاً من الدورات المتخصِّصة في تربية الأولاد وفي أساليب التعامل معهم".

قاطعتني زوجتي بسرعة، قائلة: "وأين هذه الدورات؟  إننا بحاجة لأن نبدأ من الآن لتجهيز أنفسنا.  كذلك، فقد تُنبِّهنا تلك الدورات عن أمورٍ علينا فعلها أو تركها والطفل ما زال جنيناً، فأرجوك يا أبا عبد الله أن تبحث لنا عن مثل هذه الدورات، وأن ترتب لنا للالتحاق بها".

قلتُ لها مبتسماً: "أنتِ دوماً هكذا، عجولة في فعل الخير، بطيئة عن فعل الشر، ولذلك فأنتِ تحظَيْنَ بهداية الله وتوفيقه.  وأريد أن أزُفَّ إليكِ خبراً سيسُرُّكِ بإذن الله، ألا وهو إقامة دورة تخصُّصية في تربية الأطفال من النطفة إلى المراهقة، وسيقدِّمها تربويُّون متخصِّصون في هذا المضمار، وبإذن الله سأتصل في المساء بالمركز المنسِّق لهذه الدورة لتسجيل أسمائنا فيها".

ردَّت عليَّ زوجتي قائلة: "الحمد لله رب العالمين على هذه النعمة الطيبة، فإن هذا من توفيق الله سبحانه وإكرامه لنا، وما مجئ هذه الدورة التي ذكرتها في هذا الوقت إلا لحكمة منه سبحانه، وعلينا أن نغتنمها، ولكن علينا أيضاً أن لا نقتصر على هذه الدورة فقط فإن الأمر- كما تعلم- متشعِّب جداًّ، فعلينا أن نتعرف على ما يمكننا إطعامه لطفلنا من الطعام والشراب الحلال، فنتخيَّر منها ما سيكون بإذن الله سبباً لتنشئته صحيح البدن سليماً معافى.  وعلينا أيضاً أن نهيئ أنفسنا ونغير من تعاملنا مع بعضنا البعض، بحيث نجعله من الآن جواًّ إيمانياًّ، حتى وإن كان ما زال الطفل جنيناً في بطني.  فعلينا أن نهتم بذكر الله وتلاوة القرآن، والاستعانة بالصبر والصلاة، كما أمرنا- سبحانه وتعالى-، وأن نستفيد من أوقاتنا في مطالعة الكتب وأن نضع لأنفسنا برنامجاً نتحاور فيه حول ما نقرأه من تلك الكتب أو ما نسمعه من المحاضرات والدروس، أو ما سنستفيده من الدورات التي سنحضرها.  وعلينا أيضاً أن نهيئ البيت لاستقبال الطفل؛ فنحاول أن لا نقتني أيَّة لعبة، وإنما نتخيَّر منها ما يمكن أن يُنشِّئ في طفلنا القِيَم والمبادئ التي جاء بها ديننا، وهذه أمور يغفل عنها كثير من الآباء والأمهات، فيظنون أن الأطفال- وخصوصاً في الأشهر الأولى- لا يفهمون الفارق بين هذه اللعبة وتلك وإنما هي مجرد مجسمات يحركونها، وحقيقة الأمر أن الطفل يتعلم من كل ما يشاهده، ويتأثر كثيراً بالجو الذي يكون في المنزل؛ فإذا كان البيت لا يُسمع فيه إلا الصراخ والشتائم والسباب، ولا يُذكَر فيه الله ورسوله إلا قليلاً فإن الطفل لا محالة سينشأ على ما يسمع، وإن كان الطفل لا يسمع إلا التلاوات القرآنية والكلام الطيب النابع عن إيمان عميق من الأبوين، فإن ذلك سيكون سبباً- بإذن الله- في زرع بذرة الخير في نفس ذلك الطفل.  كذلك، فعلينا أن نخطط من الآن في تحصين طفلنا مما سيشاهده أو يسمعه في المجتمع؛ فعلينا أن نتخيَّر له الصحبة الصالحة، وأن نتخيَّر الأشخاص الذين يمكنهم أن يختلطوا بطفلنا.  وإنك تعلم أن هذا الأمر ليس بالهيِّن، فإن هناك من العادات والتقاليد البائدة التي تحتم على الإنسان الاختلاط بأناس قد لا يستطيع هو الائتمان على دينه منهم، فما بالك بالأطفال؟"

قلتُ لها: "صدقتِ يا أمَّ عبد الله؛ فإن هناك أموراً كثيرة علينا نحن الكبار أن نعيها ونفهمها لنستطيع أن نحصِّن أنفسنا مما يدور حولنا ومما نسمعه ونشاهده في مجتمعنا، فكيف يمكن للصغير العاجز أن يدفع عن نفسه ضراًّ أو يجلب إليه نفعاً، وكما ذكرتِ من قبل، فعلى الأبوين أن لا يرميا بطفلهما ليكون فريسة لذئاب المجتمع ومطية لمن شاء أن يتخذها وسيلة لتحقيق مآربه وطموحاته من خلال ما ينفثه في قلب الأطفال وعقولهم من سموم وأفكار هدامة.  ولذلك، فعلينا أن ندرس المجتمع وما يدور فيه، لنستطيع أن نحصِّن أنفسنا ونحصِّن أطفالنا.  وإذا أدركنا أن المتمسكين بهَدْي هذا الدين هم قلة في زماننا هذا مقارنة بالكثرة الساحقة التي هي ليست على هدى من الله، أو تلك التي خلطت بين الصلاح الظاهري والغواية الباطنة والعياذ بالله، فإن هذا يُحتِّم علينا أن نضاعف من جهودنا، وأن لا نكتفي فقط بالحرص على تنشئة طفلنا على الصلاح والتقوى، وإن كان هذا في حد ذاته مهمة ليست باليسيرة إلا على من أعانه الله- سبحانه وتعالى- ووفقه إليها وهداه إلى الأخذ بأسبابها، فما بالنا ونحن نحاول إصلاح المجتمع وإيجاد بيئة خير لتدفع عنا وعن أطفالنا الضر، وتهيئ لهم وسائل الخير والرشاد بإذن الله".

ردَّت عليَّ زوجتي: "تعلم يا أبا عبد الله، بأن ما تتحدَّث عنه هو أمرٌ عظيم، وأنه سيحتاج منا إلى صبر ومصابرة وحكمة ودراية وفهم للواقع والمستجدات، ولكن ما يطمئنني ثقتي بأن الله- سبحانه وتعالى- سيكون معنا وأن لن يتخلى عنا بإذن الله، وهذا ما يسلينا كما سلَّى المؤمنين من قبلنا".

قلتُ لها: "يا أم عبد الله، وأريد أن ألفت انتباهك إلى أمورٍ أخرى علَّنا نتحاشاها قبل مجئ طفلنا الأول".

فقالت لي: "تكلم يا أبا عبد الله".

قلتُ لها: "إنه بمجئ طفلنا الأول ستزداد المهام الملقاة على عاتقنا، وإنكِ تعلمين أن توفير الطعام والشراب والكساء للطفل لا يساوي شيئاً بجانب التكاليف الأخرى التي على الأبوين أن يقوما بها تجاه طفلهما، فمؤانسة الطفل في معظم أوقاته لهو من الأمور المهمة جداًّ، فإنه كما يملُّ الكبار يملُّ الصغار.  لذلك، فعلينا أن نقضي أوقاتاً ممتعة ومفيدة معهم.  هذا يعني أن نُعدَّ لهذا الغرض برامج هادفة، نستفيد نحن منها، ونفيد أطفالنا".

قالت لي: "بلا شك أن هذا الأمر في غاية الأهمية؛ فإن وجود الأبوين بجانب أطفالهما يبعث في نفوس الأطفال الانشراح والطمأنينة، ويجعلهم ينظرون إلى الأبوين على أنهما المثال والقدوة، ولذلك ينبغي للأبوين أن يتفحصا جميع أقوالهما وأفعالهما لألاّ يكون فيها ما يمكن أن يؤثر سلباً على الطفل".

قلتُ لها: "وفي هذا السياق فإن هناك ظاهرة يقع فيها كثيرٌ من الآباء والأمهات، وهي ظاهرة الانفعال والعنف، فالطفل بطبيعته في داخله طاقة هائلة يحتاج إلى تصريفها، وهو في نفس الوقت قليل الحيلة، قليل العلم والفهم، ولذلك فقد يقوم بتصرفات، أو يقول كلاماً لا يُعجِب الأبوين، فينفعل أحدهما أو كلاهما فيردَّ على الطفل بأسلوب قد يؤثر عليه سلباً من الناحية النفسية.  فإذا رفع الأب أو الأم صوتهما على الطفل، والطفل لا يدري ما الذنب الذي ارتكبه، فإنه سيحاول أن يفسر الأمور حسب فهمه البسيط.  فإذا تكرر هذا الفعل من أحد الأبوين أو كليهما فقد تبدأ تنغرس في ذهن الطفل معتقدات خاطئة إما حول الأبوين وإما حول الأمور التي يقوم هو بفعلها.  لذلك، فينبغي أن يتعامل الأبوان مع أطفالهما بالحكمة؛ فلا ينفعلا عندما يشاهدان الطفل وهو يقوم بأمرٍ يعتقدان في خطئه، وإنما عليهما أن يجلسا معه جلسة مودة وإخاء، ويعاملانه وكأنه صديق عزيز وليس طفلاً صغيراً، فمثل هذا التصرُّف سيُشعِر الطفل بمكانته عند أبويه، ويجعله يتقبل الكلام الذي يصدر من الأبوين بنفس راضية".

فقالت لي: "وأريد أن أضيف أمراً آخر إلى هذه المسألة، وهي إحراج الأطفال أمام الآخرين، فقد رأيتُ حالاتٍ كثيرة عندما كنتُ أزور بعض النساء، حيث يأتي أطفالهن ويتصرفون بطريقة لا تعجبهنَّ، كأن يأخذ الطفل قطعة حلوى، أو يدلق كأس الماء، أو يصعد على الطاولة، أو يقوم بأفعال أخرى تثير حفيظة الأم، فتنفجر الأم في وجهه، وتُعلي صوتها عليه، وربما تأخذها عزة النفس، فتضرب طفلها.  إن مثل هذا التصرُّف يُضعِف من شخصية الطفل، ويجعلها مهزوزة أمام الآخرين".

قلتُ لها: "إن التأثير على شخصية الطفل سلباً قد لا يحتاج إلى الضرب؛ فقد رأيتُ من الآباء من يحاول الطفل أن يتكلم في حضورهم، فيُحرجون الطفل بكلام، كأن يطلبون منه السكوت أو التأدُّب في حضرة الرجال، أو يردون على كلامه بأنه غير صحيح أو كذب.  كل هذه الأفعال تهزُّ من شخصية الطفل وتجعله انطوائياًّ، وتؤثر عليه سلباً عندما يكبر بحيث لا يجرؤ على المشاركة في التجمعات، فنجده لا يُحسن المشاركة في الصف أو الجماعات الطلابية، وإذا حضر مجلساً وطُلِب منه أن يبدي رأيه فإنه يعتذر، وهذا ينبئ عن ضعف في شخصيته، وخوفٍ داخليٍّ متمكن فيه يخاف فيه من الإحراج، والذي كان منشؤه ما كان يوقعه الأبوان له وهو في سنه المبكرة".

قالت لي: "وقد رأيتُ بعض الأطفال الصغار لا يبرحون الالتصاق بأمهم، وربما الجلوس على أفخاذهن، وإن قامت الأم عن الطفل، فإن الطفل يصرخ.  وفي اعتقادي أن منشأ هذا هو كثرة المراقبة والمتابعة للطفل منذ أيامه الأولى؛ فالأم تبقى محتظنة للطفل ولا تدعه يفلت من يديها، وقد يرى الطفل الرضيع لعبة أو أيَّ شيء آخر فيحبو إليه، ولكن الأم لا تتركه يفعل ذلك، فيجعل الطفل لا يحب الحركة، ويخاف من ابتعاد الأم عنه، وهذا في اعتقاد الأم هو أمرٌ حسن حيث أنها تحافظ عليه، ولكنه في نفس الوقت يؤذي الطفل، ويؤثر على شخصيته كثيراً".

قلتُ لها: "الحقيقة أن هناك أموراً كثيرة لا بُدَّ من مراعاتها، فما إن يولَد الطفل، فإن أيَّ تصرف من قبل الأبوين قد يؤثر على شخصيته وحياته فيما بعد.  وأريد أن أتحدَّث عن موضوع آخر في غاية الأهمية؛ وهو العدل بين الأطفال، فنحن بإذن الله سيرزقنا الله- سبحانه وتعالى- الطفل الأول، فنفرح به وسيكونَ الطفل المدلل، وسنحاول أن نوفِّر له كل ما نعتقد أنه صالحٌ ومفيدٌ له، وهذا أمرٌ لا بأس فيه ما دمنا سنتخيَّر ما سنوفره لطفلنا، وما دمنا سنتحكم في أقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا معه.  لكن الأمر المهم الذي أريد أن أتحدث عنه يبدأ عندما تُرزق الأسرة بالطفل الثاني ثم الثالث، وهكذا.  وهنا يحدث نوع من الارتباك في طريقة تربية الأطفال؛ فالأبوان يكونان قد تعوَّدا على محبة طفلهما الأول، ويكون قد رسخ في ذهن الطفل أن حياته مرتبطة بحياتهما، فتجده لا يريد أن يفارقهما، وتجد الأبوان يحنِّان عليه الشيء الكثير.  وعندما ترزق الأسرة بالطفل الثاني، يبدأ الأبوان في تحويل اهتمامهما إلى الطفل الثاني، وهنا يبدأ الطفل الأول يحس بتناقص اهتمام الأبوين به، ويراهما يهتمان بأخيه الصغير أكثر من اهتمامهما به هو، ولذا فإنه سيحاول صرف اهتمامهما إليه من خلال أفعال وأقوال يقوم بها الطفل، والتي عادة ما تُزعِج الأبوين، فيتصرفان حياله تصرُّفاً لم يتعود عليه من قبل، فتبدأ تنشأ في نفسه عداوة تجاه الطفل الصغير الذي في اعتقاده أن هذا الصغير قد انتزع حنوَّ أبويه منه، ويبدأ الطفل الأول في محاولة الانتقام من الطفل الصغير، وتبدأ المعركة بين الأبوين والطفل الأول، فالأبوان ينظران إلى تصرفات الطفل الأول على أنها غريبة وغير معهودة، وأنها لا تليق بمثله، وأنها قد أصبحت لا تتماشى مع ما علماه من آداب وأخلاق وسلوكيات من قبل، فيتصرفان معه بشدة وعشوائية، فيرى الطفل هذا التصرُّف غير المألوف من والديه فيزداد غيضاً وحقداً على أخيه الصغير، وتبقى الأسرة في عراك مستمر".

قالت لي أم عبد الله: "والله يا أبا عبد الله، إنني ما فكرتُ في هذا الأمر بمثل ما أوضحتَه الآن، وإني أعتقد أن هذه المسألة في غاية الأهمية؛ إذ هي يمكن أن تُدمِّر شخصية الطفل التي كانت من قبل راسخة ثابتة، ويمكن أيضاً أن تقلب المبادئ والمفاهيم التي انغرست في ذهنه.  وأظن أن تصرُّف الأبوين حيال طفلهما الجديد ينبغي أن يكون بصورة لا توقظ أية كراهية أو عداوة ضده من قِبَل إخوته الكبار.  وكما قلتَ، فإن هذا الأمر ليس بالسهل، فإنه يحتاج من الأبوين أن يضبطا مشاعرها، وأن يزيد حنوُّهما على طفلهما الأكبر لكي لا يحس بالغيرة والكراهية للطفل الصغير".

فقلتُ لها: "وبطبيعة الحال، تبدأ الأمور في التعقيد أكثر كلما ازداد عدد الأطفال في الأسرة، وخاصة عندما يبدأ بعض الأطفال في دخول سنِّ المراهقة، بينما هناك من الأطفال الصغار من يحتاجون إلى رعاية واهتمام كبيرين، ويصبح الأبوين في حيرة كبيرة، لا يدريان كيف يتصرفا مع ابنهما المراهق بطريقة تُكسبه الاحترام والوِدِّ، وفي نفس الوقت لا تهمل الأطفال الصغار".

فقالت لي: "إنني أعتقد أن أكثر المشاكل التي تنشأ بين الأبوين والأطفال يكون عادة منشؤها تصرفات الأطفال الكبار".

فقلتُ لها: "هذا صحيح؛ لأن الطفل الكبير يرى أنه كلما زاد طفل جديد في الأسرة قلَّ اهتمام الأبوين به هو، وانصرف الاهتمام بإخوانه الصغار.  وعندما يتقدم سن الطفل الكبير فإنه لا يقوم بالانتقام بهذا التصرُّف الخاطئ- في نظره- من قِبَل الأبوين بطريقة مباشرة، ولكنه يلجأ في بعض الأحيان إلى تبني أخلاق أو عادات شائنة، لكنها في نظره يمكن أن تكون انتقاماً رادعاً لأبويه، فربما يبدأ في الكذب، وقد يلجأ إلى السرقة، ثم العنف الجسدي- وخاصة في غياب الأبوين-، فيحاول أن ينتقم من إخوانه الصغار إما بالضرب أو بإيقاعهم في أمورٍ تؤذيهم جسدياًّ أو تُغضِب والديه عليهم.  وربما يتأزم حال الأطفال الكبار- وخاصة المراهقين منهم- فيلجؤون إلى التدخين أو المخدرات أو فعل الفواحش كاللواط أو العادة السرية، وكلها بسبب ضعف العلاقة بين الأبوين والأطفال، والتي ينشأ عنها أيضاً ضعف التوجيه وعدم اكتراث الأطفال بما يسمعانه من الوالدين من توجيهات ونصائح".

فقالت لي: "يا أبا عبد الله، كنتُ قبل هذا الحديث في غاية الانشراح والسرور بقرب مجئ طفلنا الأول الذي كنتُ أعتقد أنه سيكون سبب سعادتنا في هذه الحياة وفي الآخرة- بإذن الله-، ولكنني عندما سمعتُ منك هذا الكلام أصبحتُ خائفة جداًّ؛ فإن أيَّ خطأ في تصرفاتنا قد يؤثر علينا نحن من نواحي نفسية، وقد يدمِّر حياة أطفالنا، وعندها قد يشبُّ أطفالنا عالة على المجتمع ليس لهم أية قيمة، وربما- بسبب تصرفاتنا معهم- سيرتكبون من المعاصي والآثام ما سيكون سبباً في شقائهم في الآخرة".

فقلتُ لها: "إني أعتقد يا أم عبد الله أنه خيرٌ لنا أن نتبيَّن هذه الأمور ونتناقش فيها قبل أن تحدث، فلعلنا نستطيع أن نتخذ حيالها بعض التدابير، فهذا خيرٌ لنا من أن نغضَّ الطرف عنها ونتناسى الأمر إلى أن نرى تلك التصرفات تقع أمامنا فلا ندري كيف نتصرف حيالها بطريقة صحيحة، وقد يؤدي بنا الحال إلى الانفعال والتصرف بطريقة خاطئة قد تؤثر علينا وعلى أطفالنا".

قالت لي: "هذا كلام منطقي وأظنُّ أن علينا أن نُذكِّر بعضنا البعض به، وأقترح أن نخصص كل يوم جلسة نتناقش فيها أيَّ تصرُّف من أطفالنا، حتى وإن كان من طفلنا الرضيع؛ فلو رأيناه مثلاً يبتسم أو يحرك يده أو يقوم بفعل معين أو ينطق بكلمة فإن علينا أن نذكر ذلك ونناقشه بيننا، فربما تأتي أنت بفائدة حوله، وربما أتذكر أنا فائدة أخرى، فنستفيد من تحليلنا لما شاهدناه أو سمعناه من أطفالنا.  كذلك، فلو رأينا تصرفات من أمهات أو آباء- سيئة كانت أو حسنة- فنطرحها أيضاً للمناقشة.  وإذا استطعنا الالتزام بمثل هذا اللقاء اليومي فإنه بلا شك سنستفيد كثيراً، ونكون بإذن الله قادرين على تخطِّي العديد من العقبات والتحديات التي عادة ما يتعرض لها الأبوان".

قلتُ له: "هذا الاقتراح في غاية الأهمية، وعلينا أن نحاول أن نبدأ به منذ اليوم".

قالت لي: "وأنا موافقة".

قلتُ لها: "وحيث أن وقت صلاة العصر قد قارب، فإني أريد أن أذكر أمراً آخر يقلقني ويشغل بالي كثيراً، وأعتقد أن الأمهات يقعن في هذا الأمر أكثر من الآباء".

قالت: "وما هو؟"

قلتُ لها: "إنك تعلمين أنك امرأة مطيعة لربك، مهتمة بأمور دينك، حريصة على الاستزادة من العلم والمعرفة من خلال القراءة والاستماع إلى المحاضرات.  وما أتخوف منه هو أنه عندما نرزق بطفلنا الأول، فإنه- بلا شك- سيأخذ من وقتِكِ الشيء الكثير، وأخاف أن يكون ذلك على حساب الأمور التي تذاكرناها قبل قليل".

فقالت لي: "جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله على تذكيري بهذا الأمر، فإنه أمرٌ بالغ الأهمية، وإني أشاطرك الرأي أن تربية الأطفال تستنزف غالبية وقت الأم، وربما قد يؤثر ذلك- كما ذكرتَ- على أدائها للفرائض والواجبات والحقوق، وقد تفرِّط في حقوق ربها وحقوق زوجها وحقوق أقاربها".

قلتُ لها: "وهذا- كما تعلمين- أمرٌ خطيرٌ جداًّ؛ فإنه، حتى وإن كانت نية الأم حسنة في تنشئة الطفل على الاستقامة والصلاح، فقد تفرط بفعلها هذا في حقوق الآخرين فتكسب من المعاصي والآثام ما يوقعها في سخط الله- سبحانه وتعالى- وغضبه، وهنا لن يكون لجهود الأم في تربية الطفل أيِّ أثر.  إن ما دعاني لهذا القول هو ما ألاحظه من انشغال بعض الأمهات بالأطفال وإعداد الطعام للأسرة، وبالمقابل، إهمالهن لحقوق ربهن وأزواجهن.  وقد سمعتُ بعض الأزواج يتشكَّوْنَ من أن زوجاتهم أصبحن لا يكترثن بهم كثيراً، وإنما جلُّ اهتمامهنَّ هو بأطفالهن، فتجدها في الليل قائمة ساهرة على الطفل، والزوج يتقلب في الفراش ولا يجد زوجته بجانبه.  كذلك، فعندما تقوم الزوجة بأداء الصلاة فإنها تصلي وقلبها يفكر في الطفل، فلا تعي من الصلاة شيئاً.  وبالإضافة إلى ذلك، فإنها قد تضيِّع واجبات أخرى كقراءة القرآن وأداء النوافل والطاعات والاستزادة من العلم.  ورغم ذلك، فغالبية النساء لا يُدرِكْن ما يَقَعْن فيه من تفريط في تلك الحقوق، ولا يدرين أن تربية أطفالهن قد صارت على حساب دينهن، وعلى حساب حقوق ربهن وأسرتهن".

 

قالت زوجتي، وبواعث السرور والانشراح بادية على وجهها: "أحسنتَ يا زوجي الحبيب في إيضاح هذه الأمور لي، وفي تبصيري بأمورٍ كانت غائبة عن بالي".

قاطعتها قائلا: "إن الفضل يعود أولاً وآخراً إلى الله- سبحانه وتعالى- الذي ألف بين قلوبنا بطاعته، وجمع بين أفئدتنا بحبه وتقواه، واختارنا لأن نكون ممن يحبهم ويرتضيهم.  وأحب أن أطمئنك بأنك وإن كنتِ تحملين ذلك الجنين في رحِمِكِ فإنني أحمله في قلبي وأضع له مكاناً خاصاًّ بجوار منزلتك الرفيعة التي تتبوئينها في مهجتي، وإنا- بإذن الله- سنسير على طاعة الله وهداه لكي نستحق أن نحظى برعايته وتوفيقه وهدايته، وعلينا دوماً أن لا نأمن مكر الشيطان ودسائسه، فإنه- كما تعلمين- يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإنه لن يتركنا نسير في هذا الطريق كما نحب ونرضى، وسيحاول أن يبث في طريقنا الأشواك، ويوغر بين قلوبنا العداوات والبغضاء، ولكننا نتذكر دوماً بأن الله- سبحانه وتعالى- معنا، وأنه لن يضيعنا ".

ردَّت عليَّ زوجتي قائلة: "الحمد لله على هذه النعمة العظيمة، فإن مجرد سماع هذا الكلام منكَ يجعلني أنسى كل همومي، فأنت- بحمد الله وتوفيقه- قد رزقني إياك مواليَ فكنتَ لي عوناً على طاعته، وأسأله- سبحانه- بأن يجعلك ذخراً لي وسبباً للعيش في هناء وسكينة في ظل طاعته، وأن يعيننا على هذه المهمة العظيمة، إنه- سبحانه- على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وسامحني إن أثرتُ شجونك وضيعتُ عليك نومك".

رددتُ عليها مبتسماً- وأنا أمزح معها-: "وماذا أعمل وقد ابتلاني الله بمثلِكِ، ولكن هي نعمة عظيمة لا يقارن بها النوم، فالمرأة الصالحة خير متاع الدنيا- كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وإني أُشهِد الله بأنك المرأة الصالحة التي تسوقني دوماً إلى الخير وإلى طاعة الله، والتي بسببها انبعث في أرجاء هذا البيت الإيمان والحب والألفة، فأسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يديمها علينا نعمة ما بقينا في هذه الحياة، وأن يجعلنا رفيقان في دار السعادة بإذن الله، وأظن أن وقت أذان العصر قد قارب، ولذا فسأقوم الآن لأستعد للصلاة، وسيكون بيننا بإذن الله أحاديث قادمة.  أسأل الله أن يديمها علينا حياة أنس وألفة في ظل طاعته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه".