بين الحقيقة والدعاية

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه المسرحية)


_______________________________________

 (يظهر في هذا المشهد الأب وهو يجلس مع زوجته وابنته وهم يتناولون القهوة)

 

الأب:

(يناول ابنته فنجان القهوة) الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام.

البنت:

لقد قرأتُ اليوم في أحد الكتب أن الإسلام من أجَلِّ النعم التي أنعم الله بها علينا.  ولذلك، فعلينا أن نشكر الله على هذه النعمة.  وللأسف، فإن كثيراً من الناس ينظرون إلى الإسلام على أنه إحدى العادات الحميدة التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا.

الأم:

أظن أن هذا الفهم نشأ بسبب إهمال الآباء والأمهات من تذكير أبنائهم بهذه النعمة.

الأب:

أوافقك يا مريم على قولك هذا، ولكن يعتمد أيضاً على نوع البيئة التي ينشأ فيها الإنسان؛ فكم من أبٍ أتعب نفسه في تنشأة أولاده على تعاليم الإسلام، ثم يرى أولاده وقد شبُّوا وأفكارُهم بعيدة عن تعاليم الإسلام، وسلوكياتهم لا تكاد تمتُّ إلى الدين بصِلة.

الأم:

أظن أن الظروف التي تحيط بنا في مجتمعنا الآن تنطبق على ما قلتَه؛ فكلُّ شيءٍ له دوره في تخريب الفطرة الإسلامية السويَّة، وخاصة ما تبثُّه شاشات التلفاز والخيَّالات من برامج هابطة وأفكار منحرفة.

البنت:

إني أعتقد أن للآباء والأمهات دورٌ كبيرٌ في تحلُّل أولادهم وفسادهم.

الأب:

قد يكون ما قلتيه يا عصماء صحيحاً، ولكن لو فعلتِ أنتِ شيئاً لا يرضاه الله، فهل تلوميني أنا أو تلومي أمك على أننا السبب في إعطائك الفرصة لفعل ذلك الشيء السيء؟

البنت:

(بنبرة توحي عن خوفٍ وقلق) أبي.  إنني لم أفعل شيئاً يخالف تعاليم الإسلام، ولو فعلتُ شيئاً لطلبتُ منكما أن تصححا لي خطأي.

الأب:

هذا شيءٌ جميل منكِ يا ابنتي، ولكن الذي أخافه هو إعراضُك عن تقبُّل النصيحة، وإصرارُك على خطئك.

البنت:

أبي.  لقد علَّمتني أن أكون مع الحق دائماً، وأن لا أخشى في الله لومة لائم.

الأم:

ما أطيبَ كلامك يا عصماء.

الأب:

إنني معجبٌ بكلامك يا عصماء، ولكن أريد إثباته.

البنت:

جرِّبني يا أبي، وستجدني بإذن الله على ما ربَّيتني عليه.

الأب:

قلتِ بأنكِ تريدين تجربة؟  حسناً.  (يدخل يده في جيبه ثم يخرج ورقة ويفتحها ويناولها لابنته) ما رأيُكِ في هذه الورقة؟

البنت:

(تأخذ الورقة من أبيها، ثم ترد بتلعثم) ما هذه؟  إنني لم أرَ هذه الورقة من قبل.

الأب:

لقد وجدتُّها ملقاة على سريرك.

الأم:

ماذا بها يا عصماء؟

البنت:

(بسرعة) لا شيء يا أماه، فربما التقطتُها خطأً عندما انفتحت حقيبتي هذا الصباح وتناثر ما بها من أغراض.  (تحاول تمزيق الورقة)

الأب:

(بسرعة) لا يا عصماء.  لا تمزقيها.  لقد قلتِ بأنك التقطيها خطأً؟

البنت:

نعم.

الأب:

ولكن! (يأخذ الورقة من يد ابنته) ألم تقرئي ما كُتِب فيها؟  (يقرأ)  "بسم الله الرحمن الرحيم.  إلى حبيبتي عصماء.  إنني في شوقٍ لرؤيتك .. إنني أريد أن أراكِ اليوم عند مكاننا المعتاد، وشكراً.  المُتَيَّم بحبك/ خليل".

البنت:

(تبدأ في البكاء) هذا تلفيق وافتراء.

الأم:

أهكذا أنتِ يا عصماء؟  لقد ربَّيتُكِ على أخلاق الإسلام.  هل تعرفين مَن نحن يا عصماء؟  إن أباكِ هو شيخ هذه البلاد، وأنتِ .. أنتِ يا عصماء بنت شيخ البلد.

الأب:

(للأم) دعيها يا مريم.  (للبنت) لقد تحدَّثنا قبل قليل عن الصراحة والمناصحة، وأن لا نقول إلا الحق.

البنت:

(تبكي) هذه هي الحقيقة.

الأب:

أستحلِفُكِ بالله إلا أخبرتيني عن الحقيقة يا عصماء.

البنت:

(تبكي) أيُّ حقيقة؟  أبي، سأخبركَ عن كل شيء، ولكن دعني حتى أكمل كل ما عندي.

الأب:

(يصغي)

البنت:

إنك تعلم يا أبي أن الله لم يجعل الحياة أكلاً وشرباً فقط، فأنا عمري الآن ثلاثين عاماً، والبنات اللواتي في سِنِّي معظمهنَّ تزوِّجن وأنجبن.  إنكَ يا أبي كلما يأتي أحدٌ لخطبتي يرجع بعد أن يسمع إجابتك المعتادة: "مهرُ ابنتي عشرون ألف ريال".  لم هذا يا أبي؟  ألم تسمع بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( مِن حُسْنِ نكاح المرأة قلة مهرها ))؟  إنني صرتُ منذ سنين وأنا أعيش نفس الأحوال: الخُطَّاب يأتون ويرجعون صفر اليدين.

تحمَّلتُ، حتى إذا كنتُ ذات يومٍ عند مزرعتنا مرَّ عليًّ شابٌّ اعتاد أن يسلِّم عليَّ فألقى لي بورقة.  لقد كنتُ بين الخوف والفضولية؛ الخوف من أن يراني أحدٌ ومعي هذه الورقة، ولو أني ما كنتُ أعرف فحواها، وفضولية لمعرفة ما في الورقة.  عندها، وسوس لي الشيطان، والتقطتُ الورقة وفتحتُها، وكان مكتوباً فيها: "يا عصماء.  إنني أريدك زوجة لي، ولكني لا أستطيع دفع عشرين ألف ريال.  إنَّ أباكِ إن أصرَّ على رفضه تزويجك إلا بعشرين ألف ريال، فستبقَيْنَ على ما أنتِ عليه طيلة حياتك.  إني أريد أن أقابلك وأكلمك.  لا تخجلي، فإن ما نفعله ليس بحرام.  إننا نعيش في "ظلام"، وغيرنا في البلدان الأخرى، وهم مثلنا مسلمون، يعيشون في حالٍ كلها تفتُّح؛ المرأة بجانب الرجل في المدرسة والعمل.  إنني لا أريد أن أطيل عليكِ وإن لم تصدِّقي ما أقوله لكِ، فافتحي التلفاز.  أريد منكِ جواباً غداً!!".

في أول وهلة أدركتُ أن هذا هو الشيء الذي لا يرضاه الله ورسوله، ورميتُ بالورقة.  لكن الشيطان وسوس لي مرة أخرى، وبدأتُ أفكر فيما كتبه لي ذلك الشاب، وأفكر في حالنا، وذهب بي تفكيري إلى أنكَ لم تشترِ لنا تلفازاً حتى لا نرى "النور" الذي يعيشه الآخرون.

وبعد أن تكررت هذه الرسائل من ذلك الشاب، بدأتُ أقتنع بكلامه، وأحسستُ فعلاً بأننا نعيش في "ظلام" وأن غيرنا في الدول الأخرى يعيشون في "نور".  بعدها، صرتُ أبادله الرسائل، ثم بعد ذلك بدأنا نلتقي سراًّ، وبدأتُ أقنع صديقاتي بما أحسُّ به وأخذنا دور التستُّر، أو ما يصح أن يسمى بدور "النفاق"، فلا نعارض أحداً في شيءٍ مما يقوله، ولكن نسايره في قوله.  وفي الجانب الآخر، نبثُّ أفكارنا لمن نأمَن من أنه لن يكشف أمرنا.  هذه هي الحقيقة يا أبي.

الأب:

(يبكي) لا حول ولا قوة إلا بالله.  إنني أعترف بخطأي، فقد كنتُ طماعاً لا أبالي إلا في المال، ولكن خطؤك أنتِ يا عصماء أكبر.  إنكِ كنتِ تعرفين بأنني جشع، وأن ما أفعله يخالف تعاليم الإسلام، ومع ذلك لم تنبهيني ولم تنصحيني.

البنت:

لقد كان في تفكيري- وعلى حسب ما أملاه الشيطان عليَّ- أن ما تفعلَه ويفعله كثيرٌ من الناس من الجشع وحب المال إنما هو إحدى تعاليم الإسلام التي توارثوها.  والآن عرفتُ أن الإسلام برئٌ من ذلك كله.  سامحني يا أبي، ولكن هل تظن أن لفعلتي غفران؟

الأب:

ابنتي.  إن الله واسع المغفرة، وما دمنا عرفنا طريق الصواب، فإن علينا أن نعاهد الله على أن نسير في هذا الطريق.  ولكي أبدأ في هذا، وكتكفيرٍ عن خطيئتي فسأزوجك بإذن الله لأول خطيب يأتيك وبالمهر الذي تطلبينه.

البنت.

أبي.  جزاك الله خيراً على ما فعلت، ولكن أطلب منك طلباً واحداً وهو أن تزوجني لصاحب هذه الرسالة، لأنه هو الذي غيَّر فكري ونشر أفكاره في أوساط مجتمعنا، وإني أريد أن أبذل جهدي لتغيير فكره لما يرضي الله ورسوله، ونعمل سوياًّ بإذن الله على نشر فكر الإسلام الصحيح، وتصحيح ما أفسدناه في المجتمع، فهل ترضى يا أبي؟

الأب:

أنتِ العروس، ولكِ أن تختاري زوجك، والله يوفقكِ فيما أردتِ.

البنت:

(تنهض وتقبل أباها وأمها) جزاكما الله خيراً على حسن تربيتكما لي، وبارك الله فينا جميعا.