إنما الأعمال بالنيات

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه المسرحية)


_______________________________________

 (يظهر في هذا المشهد شخصين جالسين في سيارة)

 

سلطان:

أهلاً بك يا أحمد.

أحمد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

سلطان:

إني أراك غير معجب بتحيتي لك.

أحمد:

إني أفضل تحية الإسلام.

سلطان:

الكل تحية وكفى، فما الداعي من عدم رضاك؟  مرة نقول لك: "السلام عليكم"، ومرة: "أهلاً"، ومرة: "هاي"، ومرة: "بنجور"، وهلم جرا.

أحمد:

الكل تحية، هذا صحيح.  لكن "السلام عليكم" ليست مثل باقي التحيات.  إنك تكسب الأجر العظيم لقولك هاتين الكلمتين، وتثير معنى الأخوة والطمأنينة في نفس الـمُسَلَّم عليه.  أما قولك "أهلا" فلا معنى لها أبدًا، وإنما هي بديلٌ خسيس لشيءٍ ثمين؛ وهو تحية الإسلام.  ألم تقرأ قول الله عزَّ وجلَّ: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }، وقوله: { سلام عليكم، طبتم }.

سلطان:

إني أعتذر عن هذا.  قم بنا إلى مكان نريح فيه أنفسنا، فإني أحسُّ بضيق.

أحمد:

أيَّ مكان تقترح؟

سلطان:

ما رأيك أن نذهب للسينما؟  لقد شاهدتُ اليوم في الإعلان الخاص بالأفلام أن هناك فيلمًا هنديًّا ممتازًا.

أحمد:

يصعب عليَّ أن أعارض اقتراحك، ولكني لم أذهب إلى السينما منذ ولدت.

سلطان:

ستكون اليوم أول مفاجأة لك، وسأدفع عنك تذكرة الدخول.

أحمد:

إن تذكرة الدخول ليست بالشيء المعضل.  إن المشكلة أني لا أفقه شيئًا من هذه الأفلام، فأنا لم أتعوَّد على مشاهدتها.

سلطان:

سأتولى أنا شرحها لك، وسأخبرك عن أبطالها وعماذا تدور القصة.

أحمد:

ومتى سيبدأ الفيلم؟

سلطان:

الساعة الثامنة.

أحمد:

ومتى سينتهي؟

سلطان:

الساعة العاشرة.

أحمد:

هذا يعني أننا لن نصلي العشاء في الجماعة.

سلطان:

سنصلي العشاء حال خروجنا من الفيلم.

أحمد:

ونؤخر الصلاة إلى الساعة العاشرة؟

سلطان:

معظم الناس يصلون بعد انتهاء الفيلم أو السهرة.

أحمد:

كيف لي أن أضيِّع صلاة الجماعة، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى نصف الليل".

سلطان:

إني أعدُك بأن أصلى معك جماعة حال خروجنا من السينما.

أحمد:

ولماذا كل هذا الإلحاح على السينما؟

سلطان:

لقد سمعتُ بأن هذا الفيلم لن يُعرَض إلا اليوم.

أحمد:

وماذا ستجني من مشاهدتك لهذا الفيلم؟

سلطان:

إني أزداد بهذه الأفلام معرفة وأصبح مثقفًا.

أحمد:

قل لي كم سورة من القرآن تقرأ يوميًّا؟

سلطان:

وماذا يهمُّك من هذا؟

أحمد:

مجرد معرفة.  أجبني بصراحة يا سلطان.

سلطان:

إن كنتَ تريد الصراحة، فإني لا أقرأ من القرآن إلا الفاتحة وإحدى أقصر السُّور وقت الصلاة، إن أديتها.

أحمد:

الفاتحة فقط؟

سلطان:

نعم، وبعض قصار السُّوَر!!

أحمد:

وتريد أن تكون مثقفًا؟

سلطان:

إنك تعرف أنه ليس كل شيء في القرآن.

أحمد:

وهل قرأته حتى تفهم ما فيه.  وإن كنتَ تريد كل شيء، فخذ بعض الشيء من القرآن.  ألم تعلم بأن رب العزة- سبحانه- يقول: { ما فرَّطنا في القرآن من شيء }؟  ألم تعلم أن القرآن هو الذي أعجز عن فهمه العلماء والبلغاء والمفكرين؟

سلطان:

الحقيقة، أني أحسُّ في بعض الأحيان بالإحراج عندما أهُمُّ بقراءة القرآن؛ فلو شاهدني أحد أصدقائي لقال عني بأني "متطرِّف".

أحمد:

إن هذه الكلمة وغيرها من الكلمات ما هي إلا لجامًا من ملاجيم الشيطان أعطينا إياها لنغُلَّ بها ألسنتنا ونربط بها أيدينا وأرجلنا، حتى نظل مكتَّفين عن الجري وراء الحقيقة التي أدركها الكفار فحسدونا عليها وأرادوا أن ينتزعوها منا بعد أن يُفَرِّغوا عقولنا وأفئدتنا منها.

سلطان:

وما هي هذه الحقيقة التي تتكلم عنها؟

أحمد:

إنها الإسلام.  إنهم يعرفون أن الإسلام حق، ومحمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- حق، والقرآن حق، ولكنهم حسدونا عليها، فعملوا جاهدين على انتزاعها منا.  أضرب لك مثلاً على ما أقول.  قلتَ سابقًا أنك تريد أن تكون مثقفًا من خلال مشاهدتك للأفلام، ولم تسأل نفسك عن نوع الثقافة التي ستحصل عليها من تلك الأفلام وهل تتعارض مع ديننا الإسلامي الحنيف.  إني أستطيع أن أجيء معك لمشاهدة أيِّ فيلم، ولكن ستكون مقاصدي مختلفة عن مقاصدك.  أولاً: قصدك الاستمتاع بالفيلم وكسب معرفة، كما تقول، وقصدي سيكون تتبُّع النقاط التي تتعارض مع مبادئ ديننا.  ثانيًا: على حسب نيتك هذه فإنك تعتبر في نظر الإسلام مضيِّعًا للوقت، وربما تُكتَب عليك سيئات بذلك.  أما لنيتي الصادقة في طاعة الله- سبحانه وتعالى- وخدمة دينه، فإنه بإذن الله ستُكتَب لي حسنات.  إنك تلاحظ أن الإقدام على عمل ما قد يكون سببًا لنيل الأجر والثواب من الله- عزَّ وجلَّ- لبعض الناس، وفي الوقت نفسه قد يكون وبالاً ووزرًا على آخرين.

سلطان:

هل تعني أن ذهابي للسينما قد يُكتَب به أجر؟

أحمد:

نعم، بشرط أن تكون نيتك خالصة لله، ولخدمة دين الله.

سلطان:

وهل يمكن أن نخدم الإسلام حتى في مواطن الفساد؟

أحمد:

نعم، فمثلاً لو أردتُ أن أقنِعَك أن الفيلم الذي شاهدتَه في يوم ما فيه من الأمور التي تتعارض مع مبادئ الإسلام للزم عليَّ أن أعطيك أدلة وبراهين على صدق ما أقول، ولن يتأتى لي ذلك إلا بمشاهدة الفيلم.

سلطان:

وهل ستذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم ما وأنت تعلم بأنك ستضيِّع الصلاة، حتى وإن كانت نيتك خدمة الإسلام؟

أحمد:

إن كان ذهابك للسينما يجعلك تضيِّع فرضًا من فروض الله، فلا بارك الله في ذلك.  ولو لم يتسنَّ لك التوفيق بين أداء الصلاة ومشاهدة الفيلم، فيمكنك أن تقرأ عن الفيلم أو تسأل شخصًا شاهده أو أن تشاهده في وقتٍ آخر غير وقت الصلاة.

سلطان:

كدتُ أن أقتنع بما تقول، ولكن هل من تفسير عندك عن تلك الجموع التي تذهب لمشاهدة السينما؟  هل يمكنك أن تحكم عليها كلها بالخطيئة والإثم؟

أحمد:

أما الحكم بالخطيئة والإثم على شخص، فذلك يكون بحسب ظاهر فعل الشخص، وبحسب أحكام الدين؛ فإذا كان ظاهر فعل الشخص يتعارض مع مبادئ الإسلام، فإنه يمكن الحكم عليه بأنه قد وقع في معصية.  أما تفكيرك بأن قيام الكثرة بفعلٍ معين يدلُّ على صحة ذلك الفعل، فهذا لا أساس له في شرع الله.  إنه يجب عليك أن تنظر إلى الفعل نفسه؛ فإن كان مباحًا فمن يفعله لا يؤثمون، وإن كان محظورًا فمن يفعله فهم معرَّضون للإثم، إلا إن كانت نياتهم تبرِّر الإتيان بذلك الشيء.  فالسينما، مثلاً، هي من الأشياء التي جُلِبت علينا من أناس قصدهم هدم الإسلام وتحويل وجهة المسلمين من عمل الخير إلى عمل الشر.

سلطان:

وإذا كان ذلك هو السبب، فلماذا يعرضون تلك الأفلام في بلدانهم؟

أحمد:

قبل كل شيء، ألا ترى أن من الأفضل أن تعمل الشيء ليحذوا حذْوَك الآخرون؟  إنك إن أمَرْتَ شخصًا بفعل شيء ما دون أن تبدأ بفعله بنفسك فقلَّما تجد استجابة منه.  وأما فعلهم فلا يدلُّ على حسن ما يفعلون، فإنهم يفعلون في بلدانهم من الموبقات والمنكرات الظاهرة والباطنة ما لا يخفى على عاقل.

سلطان:

يا أخي أحمد، من الآن فصاعدًا فسأفكر في كل شيءٍ أريد فعله؛ هل يُرضي الله أم لا؟  وبإذن الله لن أفعل إلا ما يُرضي الله، وإني أستغفر الله على ما مضى.

أحمد:

أسأل الله أن يتقبل منا جميعًا.  والآن أين تريدنا أن نذهب؟

سلطان:

دعنا نذهب إلى المسجد، نقرأ شيئًا من القرآن إلى أن يحين وقت الصلاة.

أحمد:

بارك الله فيك.  هيا بنا.

سلطان:

هيا.