أمهرها القرآن

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه المسرحية)


_______________________________________

المشهد الأول

(تفتح الستارة، ويدخل شيخ في الخمسينات من عمره، وقد بدأ الشيب اجتياح رأسه ولحيته الطويلة.  يجلس الشيخ على البساط ويتناول مصحفاً ويبدأ قراءة آيات من القرآن.  يدخل عليه شابٌّ في العشرينات من عمره، وبيده صحن تمر ودلة قهوة وبعض الفناجين، ويضعها جميعها على البساط بعد أن سلَّم على والده)

 

الابن:

السلام عليكم.

الأب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الابن:

لقد أحضرتُ القهوة يا أبي، فهلمَّ معي نتناول فنجاناً منها، فإني أحسُّ بالضيق والملل.

الأب:

ولم الملل والضجر يا ولدي، وأنت ما مرَّ على وصولك من السفر إلا بضعة أيام؟

الابن:

أبي.  إني أفكر فيما نحن عليه من سوء حال، وأفكر في حالي، وقد آن لي أن أتزوج.  ولكن عندما أبدأ في التفكير في هذا الأمر، تذكرتُ غلاء المهور، وتساءلتُ: مَن سيزوجني ونحن على هذه الحال من الفقر؟

الأب:

أستغفر الله يا ولدي.  وهل نحن فقراء، وقد منَّ الله علينا بك؟  يا ولدي ليس الفقر قلة المال، ولكن الفقر من الدين هو الفقر الحقيقي.  والحمد لله إنني أكسب يومياًّ أجراً مناسباً يكفينا لسدِّ لقمة العيش، وأقوم بتعليم الأطفال كتاب الله احتساباً للأجر عند الله.  وأنت يا ولدي ستنهي دراسة الشريعة في هذه السنة.  وأحمد الله أننا من أسرة يسمع فيها ذكر الله ليل نهار، ولا يخلُ ذكره في صدور أصحابها.

الابن:

الحمد لله على كل هذا يا أبتي، ولو أن الناس عرفوا قيمة ما نحن عليه وفيه من نعمة الإسلام ولذة الإيمان، إذاً لرضوا بأن يزوجونني بما أحفظ من القرآن، كما كان يفعل ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

الأب:

يا ولدي.  هناك أناس أطياب، دخل الإيمان في قلوبهم، وقد منَّ الله عليهم ببنات، وهم حريصون على أن يجدوا لبناتهم الشباب الصالحين الذين يأتمنونهم على دين بناتهم قبل دنياهنَّ.

الابن:

وهل سنجلس القرفصاء انتظاراً لقدوم من يبحث عن زوجٍ لابنته؟  لو كان لدينا مالٌ لبحثنا نحن عن البنت التي نتزوجها.  ألم أقل لك يا أبي بأن هذا زمان الطمع والمال، وليس زمان الإسلام والقرآن؟

الأب:

لا تقل هذا يا ولدي.  إن الآلاف التي يطلبها الأب مهراً لابنته، هي في الحقيقة ربح تجارة أو سلعة وُهِب إياها.  إنها حقيقة صفقات تجارية تُعقَد بين شخص أعمى بريقُ الريالات عينيه، فلم يرَ الآية التي تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.  ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا .  صدق الله العظيم.  يا ولدي، ليست المشكلة مشكلة واحدة، وإنما مشكلتان: الأولى: غلاء المهر، ونحن نعلم أن من حُسنِ نكاح المرأة قلة مهرها.  والمشكلة الثانية والأدهى هي مشكلة اقتسام المهر بين فكَّي الأب، وما فاض من شدقيه يتجرعه الأقارب، دون أن ترى البنت شيئاً من مهرها سوى بعض الحلي الذي لا يساوي إلا الشيء اليسير.

الابن:

أبي.  إن هذا الأمر يكاد أن يقتلني، فليس الأمر أمر شخصٍ واحد وكفى، وإنما هي مشكلة مجتمع بأكمله.  لقد تكلَّمتُ مع بعض الآباء حول مشكلة توزيع المهر، وقلت له: إن المهر هو حق البنت المزوجة، وليس للأب أن يأخذ منه شيئاً، إلا إن رضيَت البنت بذلك، وأن هذا الأمر ليس بدْعاً- كما يزعم الآباء- وإنما هو قانون ونص شرعي تعلمناه من القرآن.  وقد ردَّ عليَّ أحدهم: "وهل تظنُّ أن الأب الذي تعب على ابنته خمسة عشر سنة أو يزيد سيعطيها لشخص لا يكاد يعرفه ثم لا يأخذ عليه شيءٌ مقابل ذلك، وهو الذي تعب على تربيتها حتى صارت إلى هذا السن؟".  وقد أخبرته بأن الأب لو أعطى كامل المهر لابنته، امتثالاً لأمر الله، وقال لابنته: "هذا مهرُكِ كاملاً وتصرَّفي فيه كيفما شئت، لأبتِ نفسُ البنت أن تَحْرِم أباها وأقاربها من مهرها، ولما تركت لنفسها إلا اليسير، وبذلك يكسب الأب مالاً حلالاً، وأجراً لحسن تربيته لابنته واتباعه أوامر ربه.

الأب:

يا ابني: إن الناس في وقتنا هذا يتبنَّوْنَ القرآن إن كان لمصلحتهم، ولا يعترفون به إن كان ضدهم، ولو أردتَ أن تُفهِم الناس شيئاً من أصول الإسلام ومما يخالف ما الناس عليه من عادات خاطئة لردوا عليك بأن هذا من قول الشباب، ولبلغ بهم الأمر أن يقولوا:  ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ أو يقولوا:  ﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا .  يا ابني: ليس لنا من الأمر إلا نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الابن:

لا حول ولا قوة إلا بالله، ونعم بالله.

 

(يجلس الولد، ويقوم بصب فنجان من القهوة لوالده، وتغلق الستارة)

 

المشهد الثاني

(تفتح الستارة، ويظهر الابن ووالده نائمين, ويظهر شخصٌ ملثم يدخل في جنح الظلام، ويضع كيساً قرب رأس الابن دون أن يحس الابن به.  يخرج الملثم مسرعاً، وفجأة يستيقظ الابن على صوت الخارج، ويتلمس حوله وتسقط يده على كيس ثقيل)

 

الابن:

أبي!  أبي!  قم، وانظر ما وجدت.

الأب:

لا حول ولا قوة إلا بالله.  ماذا بك يا ولدي؟

الابن:

لقد سمعتُ صوتاً، وبعد أن قمتُ فجأة تحسستُ حولي فوجدتُ هذا الكيس.

الأب:

كيس؟!!  وماذا به؟

الابن:

لا أدري.  يبدو أنه ثقل.  سأشعل المصباح لنرى ما بداخله.

(يقوم الابن فيشعل المصباح ثم يعود إلى الكيس فيفتحه)

الابن:

ماذا؟

الأب:

ماذا وجدت؟

الابن:

حصى!

الأب:

حصى؟!!  إنك تحلم!

الاب:

لا يا أبي، إنه حصى، ولكن انظر.

(يُخرِج الابن من الكيس ورقة ويناولها أباه)

الأب:

(يفتح الورقة ويقرأ)

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ

من عبد الله إلى عبد الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخي في الله، عليك أن تُخْلي ما في هذا الكيس من حصى، ثم تضع فيه من الحصى بعدد السور التي تحفظها، ثم تخرج إلى السوق، وتنادي: "من يزوجني بما في هذا الكيس؟"، ولا تخبر أحداً بما فيه، فلربما منَّ الله عليك بمن يزوجك بما تحفظ من القرآن.

جزاك الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الابن:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.  صدقتَ يا أبي عندما قلت بأن هناك من الناس مَن لم تغرُّهم شهوة المال وحب الطمع.  لكنني أخشى أن تكون هذه أضحوكة.

الأب:

لا تفسر المواقف على هواك، وقد ذُكِر لك في أول الرسالة أن ﴿ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ .  وماذا يضيرك إن فعلتَ ما كُتِب في الرسالة، فربما يكون صحيحاً، وأنت والحمد لله تحفظ كامل القرآن، أي مائة وأربعة عشر سورة.

الابن:

ولكن، لماذا يا ترى يريدني أن أخرج إلى السوق وأنادي بين الباعة والناس؟  أتراه يريد أن يهزأ منا لفقرنا وسوء حالتنا المادية، ويوهم الناس أن ما نملكه من القرآن ليس البضاعة التي يحب الناس اقتناؤها في هذا الزمان؟

الأب:

ربما يكون كلامك صحيحاً، ولكن بالمقابل قد يريد هذا الشخص مقصداً آخر، فلا تَدَع الشكوك تسيطر عليك، وتوكل على الله.

الابن:

في الغد سأذهب بإذن الله ومعي هذا الكيس، وأفعل ما كُتِب في الرسالة، وأرجو أن تسامحني يا أبي إن لحقنا شيءٌ من الشتم أو السخرية، فهذا شيءٌ غريب، وتجربة لم تُفعل من قَبْل، ولا أدري ما مغزاها.

الأب:

إنني سأكون معك، أراقب ما يجري، وأدفع عنك إن أراد أحدٌ بك الأذى.

الابن:

نم أنت يا أبي، وسأقوم أنا بقيام الثلث الأخير من الليل، وأقرأ القرآن، وأتبتل إلى الله أن يوفقنا ولا يخزينا.

الأب:

سأقوم الليل معك، فإني في شوقٍ إلى أن تدمع عيناي من خشية الله، وإلى قراءة القرآن وصلاة الليل.

الابن:

إذا على بركة الله.

 

(يقوم الاثنان ويتوضآن ثم يبدأ الابن في قراءة القرآن، بينما يشرع الأب في الصلاة، وتغلق الستارة)

 

المشهد الثالث

(تفتح الستارة على منظرٍ للسوق والباعة والزبائن تجوب السوق، بينما يظهر الابن حاملاً في يده الكيس وهو ينادي: "من يزوجني بما في هذا الكيس"، ويرد عليه بعض الناس)

 

أحد الباعة:

ماذا في الكيس؟

الابن:

توكل على الله واعقد نية تزويجي، وسأخبرك بإذن الله بما في هذا الكيس.

التاجر:

(يخاطب الباعة والناس بأسلوب ساخر) يبدو عليه الثقل.  ربما وجد كنزاً فملأ الكيس منه.  (للابن) يا رجل، إن ما في هذا الكيس ولو كان ذهباً لما وفَّى بمهر ابنتي!  هل تستطيع دفع عشرين ألف ريال؟

تاجر آخر:

أما أنا فلن أزوجه إلا بخمسةٍ وعشرين ألف!!

الابن:

يا ناس، اتقوا الله فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإن الله نهى أن يسخر قومٌ من قوم.

أحد المارة:

أخبرنا بما في الكيس.  ولكن ألستَ أنت الفقير ابن الفقير؟  فمن أين لك بأرخص المهور؟

الابن:

يا ناس، ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا .

رجل آخر:

وما دخل هذا بما في الكيس؟

الابن:

(بسرعة) إن ما في هذا الكيس ...

 

(فجأة يظهر من بين الجمع شيخ تبدو عليه سيماء الثراء والنعمة، ويقول مقاطعاً الابن)

الشيخ:

أنا أزوجك!

الابن:

أنت؟

الشيخ:

نعم.

الابن:

(في دهشة) وهل تعرف ما في هذا الكيس؟

الشيخ:

قبل كل شيء، هل تحفظ شيئاً من أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الزواج؟

الابن:

نعم.  هناك حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- القائل:  (( إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض )).  صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

الشيخ:

صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم.  أخبرني ماذا في ذلك الكيس.

الابن:

(متردِّداً) حصى!  الكيس مملوء بالحصى!

الشيخ:

أعطني الكيس.

(يناول الابن الكيس للشيخ، ثم يفتحه الشيخ، ويبدأ في عدِّ الحصى، والناس تنظر وتراقب دون أن تفهم شيئاً)

الشيخ:

(بعد أن فرغ من عدِّ الحصى) إن في الكيس مائة وأربعة عشر حصاة!

الابن:

نعم.

الشيخ:

هل معنى هذا أنك تحفظ القرآن كله؟

الابن:

نعم.

الشيخ:

(منادياً) اشهدوا عليَّ أيتها الجماعة الحاضرون أني قد زوجت هذا الفتى من ابنتي بما يحفظ من القرآن!

الابن:

(مستغرباً) أأنت إذاً صاحب الرسالة والكيس؟

الشيخ:

نعم.

الابن:

ولكنك، لا تعرف عني شيئاً.

الشيخ:

إنني أعرف عنك أنك تحفظ ثلاثين جزءاً من القرآن.

الابن:

وكفى؟

الشيخ:

وأنك من أسرة يغمرها نور الإيمان.

الابن:

ولكننا فقراء، ليس عندنا إلا قوت يومنا!

الشيخ:

أنتم فقراء المال، ولكنكم أغنياء الدين.

أحد الحاضرين:

أتزوج هذا الصعلوك ونحن أبناء الثراء وأرباب الأموال؟

الشيخ:

إن الله قد أنعم عليَّ بمثل ما تملكونه، ولكني أريد أن يعطيني ما يملك.  إني أريد القرآن.

الرجل:

ولكن هذا ليس ما يطلبه الناس، وما يُتَباهى به في هذه الأيام.

الشيخ:

كفى أن أكون راضياً بما طلبتُ، وأن ما طلبتُ هو الحق.

رجل آخر:

يا عمي، إنني أحق بابنتك من هذا الغريب، فأنا ابن عمها، ولقد طلبتُ يدها منك مرات فرفضتَ تزويجي.

الشيخ:

يا ابني، أنت ابن عمها، هذا صحيح.  ولكن لست بالذي سيسعدها ويأخذ بيدها إلى الصواب إن ضلَّت.

رجل ثانٍ:

إن هذا الذي تفعله أيها الشيخ بدعة اختلقتها لتعيب علينا عاداتنا، وتسخر مما نحن فيه من نعيم وثراء.

الشيخ:

أما قولك أن ما أفعله هو بدعة، فليس صحيحاً؛ فقد فعله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قبل أربعة عشر قرن.  وأما قولك أني أريد أن أعيب عليكم عاداتكم، فأيضاً ليس بصحيح.  إنني أريد أن أغيِّر عاداتكم من مجرى الجشع وحب الدنيا إلى القناعة وحب الآخرة.  وأما ما عندكم من نعيم وثراء فإنما هو زينة الدنيا وبهجتها، ولستُ أبالي في شيءٍ فانٍ، إنما يهمني أن أكون على طريق الصواب الذي أستطيع به أن أتبيَّن محاسن العادات من سيئها.

أحد الحاضرين:

(منادياً) يا شيخ، إن الوالي يطلب منك أن تذهب للقائه.

الشيخ:

لن أبرح المكان حتى يقام العرس، وتزفُّ العروس إلى عريسها.

الرجل:

إنه يأمرك أن توقف هذا حتى يراك، فهو يريد أن يخطب ابنتك لابنه، وسيجعلك نائباً له إن وافقت.

الشيخ:

قل للوالي إن الشيخ قد ضاق بالدنيا ذرعاً وأراد اللجوء إلى الله، وأن ابنته هي في عصمة زوجٍ تزوجها على كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم.

الرجل:

أهذا ما عندك من قول؟

الشيخ:

هذا ما عندي، وأخبر الوالي بذلك.  (للناس) أيها الناس، مَن أراد أن يحضر حفل زفاف ابنتي لهذا الشاب، فسيكون العرس في هذه الليلة.

الابن:

أشكر لك صنيعك هذا يا سيدي.  (يُقبِّل رأس الشيخ) إنني ما كنتُ أحسب أنْ بقي في الدنيا أناسٌ لم تغرُّهم شهوة المال وحب الدنيا.

الشيخ:

يا ابني، هذا من فضل الله وامتنانه علينا.  اذهب وهذا ألف ريال جهز به بيتك، واشترِ ما أحببتَ من هدايا لزوجِك، وبارك الله لك فيها وبارك الله لها فيك، ورزقكما الذرية الصالحة.

الابن:

يا عمي: إنني ذاهب لأخبر أبي.  السلام عليكم.

الشيخ:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

(يركض الابن مسرعاً نحو أبيه، بينما تغلق الستار)