دور المذهب الإباضي في التأثير والتأثر

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا المقال)


_______________________________________

قمتُ بنشر هذا المقال كمداخلة لموضوع بهذا العنوان نُشِر في ساحة الحوارات بموقع "شبكة أهل الحق والاستقامة".

 

إن دراسة موضوع التأثير والتأثر لهو في غاية الأهمية نظراً لما تحمله الكلمتان من مضامين، ولما يمكن أن تقوما به من دور في مجريات الحضارة الإنسانية.  وقبل أن أعرِّج على المضامين الأخرى لهاتين الكلمتين، أبدأ بمناقشة أصل الكلمتين من ناحية فلسفية.

المعنى الفلسفي للتأثير والتأثر

إن "التأثر" منشأه داخلي، وهو عبارة عن حالة من الشعور الإيجابي أو السلبي تسري في أعماق نفس المتأثِّر حول طرف آخر، وقد يعقُب هذا الشعور تغيُّر فكري أو سلوكي كتعبير عن تقبُّل  المتأثِّر بالمتأثَّر به (في حالة الشعور الإيجابي)، أو رفض المتأثِّر بالمتأثَّر به (في حالة الشعور السلبي).

ونلاحظ هنا أنه قد لا يكون للطرف الآخر (أي المتأثَّر به) أيَّ دور في إحداث ذلك الشعور، وقد لا يعبأ بأيِّ تغيير يحدث للمتأثِّر، سواءً كان ذلك التغيير إيجابياًّ أو سلبياًّ.  فمثلاً، قد يتأثر أحدُنا بجمال لون زهرة معينة، فتسري في نفسه تيارات جارفة من أنواع الشعور المختلفة (الإيجابية منها والسلبية) بحسب حالته النفسية والشعورية، والفرضيات التي انعقدت في ذاته حول ما يدور حوله.  وقد يعقب رؤية تلك الزهرة الجميلة تغيُّرٌ سلوكي يجعل المتأثِّر ينشرح صدره لمن يلقاه في ذلك اليوم، وقد يكون الأمر عكس ذلك وهو أن يحس بالأسى والحزن لما حبا الله به الكائنات الأخرى من جمال، ولما يفقده هو من ذلك الجمال، أو كأن يحس بالأسى مثلاً حين ينظر إلى أن منبع ذلك الجمال في تلك الزهرة هو نقاء حياتها مما يقترفه هو من شنائع وما يعتريه من مكدِّرات.

أما "التأثير" فإن منشأه خارجي، حيث أن هناك طرفاً أول يحاول "إرغام" طرفٍ ثانٍ بخلق بيئة "التأثر" التي ذكرناها سابقاً في داخل نفس الطرف الثاني.  وكما هو الحال بالنسبة للتأثُّر، فإن الطرف الثاني قد لا يعبأ بما يقوم به الطرف الأول، وخاصة إذا كانت الأساليب التي يتَّبعها الطرف الأول غير كافية لإحداث ذلك التغيُّر، أو كان الطرف الأول على درجة عالية من التحصُّن تجاه مثل تلك الأساليب.

أما لو استطاع الطرف الأول "التأثير" في الطرف الثاني فإن الطرف الثاني قد يُتبِع حالة الشعور التي تولَّدت عنده بتغييرٍ في فكره وسلوكه.  وأمثلة على التأثير هو ما يحدث في هذا العالم بصفة مستمرة، وخاصة في سلوكيات الناس من مِثْل الحديث أو الحركات أو حتى القوانين والضوابط التي يُصدرونها، فإن تلك الأمور تتولَّد عند أصحابها كمحاولة منهم للتأثير على الآخرين، لأسباب مختلفة، منها ما يحاول إيجاد قناعات جديدة في الطرف الآخر، ومنها ما يحاول تغيير قناعات موجودة، ومنها ما يحاول فقط تحسيس الطرف الآخر بوجود مولِّد "التأثير".

وعلى ضوء ما طرحتُه من بعض المعاني التي ربما قد تحتملهما كلمتا "التأثير" و "التأثر" فإننا نلحظ أن ما يُحدِثه "التأثر" في نفس صاحبه يبقى- في الغالب- إلى أمد، في حين نجد أن ما يُحدِثه "التأثير" يزول سريعاً بزوال الأساليب المستخدمة في إحداثه، إلا إن كان فعل "التأثير" في الطرف الثاني قوياًّ بحيث يبقى أثره هو الآخر لأمد.

وأضرب هنا مثالاً على ما يمكن أن يُحدِثه "التأثير" في نفس (أو ربما فكر وسلوكيات) الطرف الثاني، وذلك من خلال ما نشاهده بصفة يومية من أعمال العنف والوحشية التي تقوم بها جهات مختلفة تجاه جهات أخرى، فإن تأثير تلك الأعمال على حياة المستهدَفين منها يبقى أثره لسنوات أو ربما عقود وقد يتحوَّل إلى فكرٍ يُحمَل لأجيال، وبهذا المعنى يمكننا تفسير ظاهرة الإرهاب التي يتحدثون عنها في هذه الأيام، حيث أنه- حسب تصوُّري- من الخطأ تفسيرها بالتصرُّفات الوقتية التي تحدث بين حين وآخر، وإنما علينا تتبُّع منشأها، ومَن ثَمَّ معرفة الطرف الأول الذي كان سببا في إحداثها.

من المثال الذي سقتُه، والمتعلقِّ بظاهرة الإرهاب، ندرك بأنه قد تحدُث تغيُّرات (وربما تغيُّرات بالغة) في نفس وفكر وسلوكيات الطرف الثاني بسبب الأساليب التي يتَّبعها الطرف الأول، ولكن تلك التغيُّرات قد تكون على عكس المأمول بالنسبة للطرف الأول.  فالعاقل منا يرى أن أمريكا مثلاً لا تريد في شنِّها للحروب التي تدور رحاها حالياً أن يتحوَّل المسلمون كمحاربين لها، وإنما تحاول "ترويضهم"- إن صحَّ التعبير- على قبول أمريكا كدولة مثالية للحرية والديمقراطية.

ومن ناحية أخرى فإننا نلاحظ أن عملية "التأثر" ترتبط بحِدَّة المتأثَّر به، وبالمساحة الجغرافية والشعورية التي تتفاعل معها أحاسيس المتأثِّر.  كذلك بالنسبة لـ "التأثير" فإنه مرتبط بعدد ونوع وحدَّة وتراتب الأساليب التي ينتهجها الطرف الأول في عملية "التأثير". 

إن الطرح الفلسفي الذي قدَّمتُ به لهذا الموضوع هو ليس من قبيل الترف الفكري، وإنما ليوضح لنا بعض الجوانب التي علينا أن لا نغفل عنها ونحن نناقش تطبيق هذين المفهومين على أرض الواقع، وهو ما سأقوم به في الفقرات القادمة بإذن الله.


التأثير والتأثر على امتداد تاريخ الأمة الإسلامية

وقبل أن أتطرق إلى الموضوع المطروح، وهو دور المذهب الإباضي في عملية التأثير والتأثر، حريٌّ بي أن أعرِّج على الكيفية التي تعاملت بها الأمة الإسلامية مع هذا الموضوع ليَسْهُل علينا فهم دور المذهب الإباضي في ذلك.

إنه مما لا يخفى لذي بصيرة أن الشارع الحكيم قد سنَّ ضوابط تحكم عمليتي التأثير والتأثر، وبيَّن أن "التأثر" لا يأتي إلا بقناعات تنعقد في نفس المتأثِّر وأن تلك القناعات تُحدِث التغيُّرات المرجوة فيما بعد.  لهذا فإن الله سبحانه وتعالى بيَّن هذه القاعدة تبياناً لا ريبة فيه حين قال: { إن الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسِهم }.  كذلك فقد ضبط عملية التأثير بضوابط عدة، منها:

·  أن التأثر لا يأتي إلا من قناعة داخلية { إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم }.

·  أن الأساليب المتَّبعة فيه لا بُدَّ أن تكون أخلاقية { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }.

·  أن يتم استخدام الأساليب الناجحة { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } و { ولو كنتَ فظاًّ غليظ القلب لانفضوا من حولِك }.

·  أن التأثُّر مرهون بمشيئة الله سبحانه وتعالى { إنك لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ اللهَ يهدي من يشاء }.

وقد وعى صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذه الآداب والضوابط وطبقوها في حياتهم مما كان لها الأثر البالغ في إتيان ثمارها، حيث دخل الناس في دين الله أفواجاً لا بقوة القهر وإنما ببريق ما يصطبغ في نفوس أولئك العظام من معانٍ سامية تجعل مَن يختلط بهم ويتعامل معهم عن قرب لا يمتلك إلا أن يعترف بهم ويسير في ركبهم.  وقد سار مسيرة الصحابة العظام أجيالٌ متلاحقة من صناديد هذه الأمة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وانتماءاتهم، وكان لهم دورٌ واضحٌ جليٌّ في بقاء عَبَق هذا الدين يفوح فتتنسَّمه أنوفٌ طالما أزكمتها نفايات الحياة المنتنة.

غير أنه أيضاً قد طرأ تناسٍ للمعان السامية لمفهومي "التأثير" و "التأثر" التي أشرنا إلى بعضها سابقاً، فحوَّل الناس ذانك المفهومين ليصبحا أداةً فقط لتكثير الأتباع والانتقاص من الآخرين وللنَّيْل من حظوظ هذه الدنيا بما يتوافق مع الطموحات والنزوات.  ويمكننا أن نعمِّم هذه القاعدة على جميع ما يسمى بالمذاهب الإسلامية وعلى جميع ما طرأ على الأمة من تغيُّرات وأحداث، سواءً كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى علمية.  وكما أشرتُ سابقاً فإنه- ولله الحمد والمنة- فقد وُجِد أناس في كل مذهب وفي كل حقبة من تاريخ هذه الأمة مَن حمل المعاني السامية التي نزل بها الوحي الشريف وجسَّدها نبي الأمة الكريم- عليه أفضل الصلاة والسلام- أيما تجسيد.  ولولا تلك النخبة التي أبقاها الله لِتَمُدَّ هذه الأمة برافد النور البراق لأصبحت الأمة تغطُّ في دياجيرٍ من الظلم والتُّرَّهات وأصبحنا لا نختلف كثيراً عن غيرنا من أمم هذه الأرض.

التأثير والتأثر في نطاق المذهب الإباضي

وبعد هذه المقدمة الوجيزة عن علاقة مفهومي "التأثير" و "التأثر" بالأمة الإسلامية، أشرع في التعرُّض لموضوع هذا النقاش، وأبدأ بالقول بأن علاقة المذهب الإباضي بهذين المفهومين لا يختلف كثيراً عن علاقة غيره من مذاهب ومدارس هذه الأمة بهما.  هذا يعني أن أتباع المذهب الإباضي- في مجملهم- قد سخَّروا- أو حاولوا تسخير- مفهوم "التأثير" لتكثير الأتباع ولرسم صورة براقة عن علاقة المذهب بالمنبع الأصيل للإسلام لا تختلف كثيراً عن تلك الصورة التي كان- وما زال- يصبغها أتباع المذاهب الأخرى عن مذاهبهم.

وأحب أن أبدأ أولاً بموضوع "التأثير" لنتطرق فيما بعد إلى موضوع "التأثر" كتقييم لحملة "التأثير" التي قام بها أتباع المذهب الإباضي.  وحتى لا يُفهَم من حديثي أنني أتحامل على المذهب الإباضي- وأنا واحدٌ من أتباعه- فإنني أقول بأنَّ كل ما قلتُه وأقوله ينطبق- ربما حرفياًّ- على غيره من المذاهب الإسلامية، وما حديثي هنا عن المذهب الإباضي إلا لكون الموضوع المطروح يدور حول هذا المحور.

ذكرتُ من قبل بأن "التأثير" يرتبط بعدد ونوعية وحِدَّة وتراتب الأساليب التي يتَّبِعها الطرف الأول في محاولة تغييره للطرف الثاني.  وقد حاول الإباضية جهدَهم في تنويع أساليبهم لإقناع غيرهم بأن الفكر الذي يحمله الإباضية لا يختلف كثيراً- إن لم يكن مطابقاً- للفكر الإسلامي الصحيح الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم-.  وقد كان من تلك الأساليب ما هو عنيف وقاسٍ يحاول أن يجرِّد الطرف الآخر (أو الخصم) من كل مقومات الشرعية، ومنها ما كان "سِلْمياًّ" نوعاً ما يعترف بالطرف الآخر كحامل لفكرٍ وإن كان- حسب اعتقاد الطرف الأول- مغايراً له.

وقد كان من الأساليب العنيفة أو القاسية أو الجافة- أو ما شئت أن تسميها- ما يلي:

·  تسيير الجيوش كمحاولة لترسيخ دعائم الإمامات التي نشأت في اليمن وشمال أفريقيا (في القرون الأولى للإسلام) وبسط نفوذ تلك الإمامات على أكبر رقعة من الأرض.  ومما لا شكَّ فيه أن الغاية من تلك الحملات- على الأقل حسب رأي أتباع المذهب الإباضي- هو توسيع نفوذ الإمامة الشرعية وزيادة عدد مَن سينضوون تحت لوائها (طبعاً بالإكراه أولاً- حسب طبيعة كل حرب- وبالولاء لاحقاً)، وهذا يعني زيادة عدد أتباع المذهب الإباضي والذي يُعتَبَر- حسب تقدير أتباع المذهب الإباضي- امتداداً لما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- من عند ربه.

·  تسيير الجيوش في القرون المتأخرة إلى شرق أفريقيا والهند وغيرها من البلدان وذلك لنفس الغاية تقريباً، وإن كان يبدو أن زيادة رقعة الأرض التي تحكمها الإمامة الإباضية قد يكون ذا أولوية على تكثير الأتباع، حيث أن أتباع المذهب في تلك الفترة قد زاد كثيراً عما كان عليه في عهد الإمام جابر بن زيد- مؤسس المذهب الإباضي.

·  تسيير الجيوش من قِبَل بعض السلاطين الذين حكموا عمان في فترات مختلفة والذي كان هدفه بسط النفوذ على الأرض أكثر من تكثير أتباع المذهب وإن كان هذا الأخير قد تحقَّق ولو بشكل بسيط في البداية وزاد العدد بعد تعاقب الأجيال.

أما الأساليب السِّلْمية فإنها كثيرة ومتنوعة وإن كانت تتفاوت في حِدِّتها حسب قوة أصحاب المذهب السياسية والعلمية، وبحسب العلاقات والاتصالات التي كانت تجري بين أتباع هذا المذهب وأتباع المذاهب الأخرى.  نذكر من هذه الأساليب ما يلي:

·  المناظرات التي تذكرُها لنا كتب السيرة كمناظرة المحكِّمة لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكالمناظرات التي كانت تجري خلال مدة حكم الدولة الرستمية.  وإن كانت المحكِّمة قد وُجِدَت قبل تبلوُر ما يُعرف اليوم بالمذهب الإباضي، إلا أنها تعتبر إحدى اللبنات التي شيَّدت صرح هذا المذهب.

·  مراسلات بعض رموز المذهب الإباضي "للمخالفين" كرسالة عبد الله بن إباض لعبد الملك بن مروان.

·  التعبير عن الفكر الذي يحمله المذهب وذلك من خلال تقديم الدعم والتأييد والثناء لمن يسير في خطٍّ مشابه أو قريب من الخط الذي يسير عليه المذهب.  ومن أمثلة ذلك الوفد الذي التقى بعمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه-، وكالثناء المتواصل لبعض العلماء (وخاصة المعاصرين منهم من أمثال سيد قطب) للفكر الذي تبنَّوه في كتاباتهم ولمواقفهم المشهودة تجاه مخالفيهم.

·  المشاركة في بعض الوظائف للدول التي يتولى أمورها مخالفون للمذهب الإباضي (لا تحضرني هنا أمثلة).

·  السياحة في الأرض للدعوة إلى الفكر الإباضي وتغيير وجهة نظر الآخرين عن الإسلام.  ومن أمثلة ذلك ما قام به سلمة بن سعد حين ذهب إلى شمال أفريقيا وقضى فيها سنين عديدة يبحث عمَّن يمكن أن يحمل الفكر الإباضي في تلك المناطق.  كذلك ما قام به تجار الإباضية وعلماؤها في رحلاتهم المتوالية إلى أدغال أفريقيا وشرقها وإلى غيرها من المناطق.

·  إلقاء المحاضرات والدروس الموجَّهة للمخالفين والتي كانت قائمة بشكل ملحوظ في عصر الدولة الرستمية وربما في العصر الحاضر بصورة أوضح.

·  تأليف الكتب في مختلف فنون العلم والتي كانت في مجملها تتناول تلك الفنون من منظور إباضي وإن كانت تستقي الكثير من مادتها من مصادر غير إباضية.

·  الاحتكاك اليومي بالمخالفين ومحاولة القيام بعملية التأثير إما مشافهة كحوارات شخصية وإما عن طريق القدوة بما يشاهده المخالف من الإباضي وهو يقوم بأعمال تتعلق بالعبادات أو حتى بالأعمال الروتينية اليومية.

أثر تلك الأساليب

بعد أن قدَّمتُ ذلك التفصيل المجمل عن الأساليب التي اعتمد عليها أصحاب المذهب الإباضي- كما اعتمد عليها غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى- في محاولة "التأثير" على الآخرين، نحاول مناقشة أثر تلك الأساليب على الطرف الآخر، أي بمعنى آخر مناقشة مدى "تأثر" الطرف الآخر بتلك الأساليب- أو بالمذهب الإباضي وأتباعه بشكل أخص-.

كما قلتُ سلفاً فإن الأساليب العنيفة قد يتولَّد عنها تأثُّرٌ بالطرف الأول ولكن- في الغالب- يكون التأثُّر عكسياًّ.  من هنا يمكننا أن نلحظ أنه رغم أن الإمامات التي قامت في اليمن وشرق أفريقيا ورغم التوسُّع والامتداد الكبير الذي وصلت إليه الإمامة الإباضية في بعض الفترات، إلا أنه لم يكن هناك تأثُّرٌ يُذكَر من قِبَل المخالفين.  والسبب في ذلك هو أن الطرف الأول- أي الغازي- هو في نظر الطرف الثاني معتدٍ ولا يحمل للطرف الثاني ما يمكن أن يكون بديلاً مقنعاً للواقع الذي كان يعيشه.  وإن كان هذا الكلام قد ينطبق على الحملات العسكرية في العصور المتأخرة، غير أن ما قام به الإمام طالب الحق وقائده أبو حمزة الشاري- رضوان الله عليهما- من حملات كان يمكن أن تُؤتي ثماراً طيبة لو أتيح المجال بينهما وبين تبليغ دعوتهما للطرف الآخر.  لكن الأجواء الموبوءة التي كانت تسود الأرض في فترة تلك الحملات- سواءً كانت سياسية من قبيل بث الرُّعب والإرهاب من قِبَل الدولة الأموية أو من قبيل الانحراف الفكري والأخلاقي الذي بدأ ينتشر في الجزيرة العربية- قد حالت دون وصول تلك الرسالة إلى الطرف الثاني.

أما فيما يتعلق بحملات التوسُّع التي حدثت في القرون المتأخرة، سواءً كانت من قِبَل إمامات شرعية أو من قِبَل سلاطين فإنها لم تُؤْتِ ثمارها وذلك نظراً لاستخدام العنف كوسيلة لفرض النفوذ والسيطرة وخاصة في زمن حكم السلاطين.  وقد حدث ما كان متوقَّعاً بعد زوال نفوذ تلك الإمامات والسلطنات عن ديار الذين كانوا قد انضووا تحت لواء هذا المذهب، فقد تحوَّل معظمهم عن المذهب أو ربما تخلَّوا عن دينهم بالكامل.

أما عن الأساليب الأخرى كالمناظرات والمراسلات فإنها ما كانت لتُجدي شيئاً، حيث أنها أولاً موجهة لأشخاص أو فئات محدودة, وثانياً فهي- في الغالب- لا تعترف بوجود الطرف الآخر وإنما تحاول فرض فكر الطرف الأول بالقسر- وإن كان يتاح المجال للطرف الآخر للرد-.  والمناظرات- كما هو معروف- تستفز الطرف الآخر وتجعله أكثر تمسُّكاً بقيمه ومبادئه وأكثر إعراضاً عن قبول رأي المخالف له.  من هنا فإني أشك فيما يُنقَل في كتب السِّيَر من قيام بعض العلماء بمناظرة الآلاف من المخالفين ونجاحهم في إرجاعهم إلى "دين الله".

أما عن المحاضرات والدروس فإنها- وإن كانت أفضل حالٍ من المناظرات- إلا أنها أيضاً تحاول الانتقاص من الطرف الآخر وذلك من خلال المديح الذي يكيله المتحدِّث لنفسه وعبارات التذمُّر من الطرف الآخر التي في الغالب ما تتناثر عبر تلك المحاضرات والدروس.  كذلك فإنها نادراً ما تتيح للطرف الآخر فرصة التحاور البنَّاء وإنما تنتهج أسلوب التلقين.  ولا يخفى أيضاً أن أسلوب الإلقاء المتَّبَع عند المحاضرين- وبالأخص المشائخ منهم- لا يُشجِّع المستمع على التفاعل مع الموضوع فضلاً عن التأثر به، وهو الأسلوب الذي ما زال نلحظه من معظم المحاضرين في هذا الوقت إلا الندرة النادرة من الشباب الذين استطاعوا التحرُّر من تلك الرتابة المملَّة والعرض السطحي للموضوعات المطروحة.

وفيما يخص التأليفات الإباضية فإنها- في غالبيتها- لا تخدم عملية "التأثر"، حيث أنها تكون موجهة للإباضي فقط وتناقش المواضيع التي تحويها من وجهة نظر إباضية بحتة وإن كانت بالطبع تستقي من الكتاب والسُّنَّة كمصدرين لها.  كذلك فإنه بالرغم من أن معظم التأليفات الإباضية تنقل أقوالاً للمخالفين على اختلاف مشاربهم، إلا أن الطرح الذي تعتمده لا يشجِّع المخالف على تبنيه وذلك للفرضيات والقناعات التي- في الغالب- ما تتحكم في ميزان الاعتراف والرَّفض عند المخالف.

يبقى هنا أن أشير إلى أن الساحة الإباضية تكاد تخلو من المشاركات في العمل المؤسسي الذي  يمكن أن يستفيد منه الإباضي وغير الإباضي.  وقد تكون الإمامة هي من أبرز المؤسسات التي قامت على امتداد حقب الأمة، غير أنها كانت معنونة على أنها إمامة إباضية ولهذا فلم تكن ينضوي تحت جناحها إلى ما كان إباضياً.

ما يمكن القيام به

بعد هذا التطواف المتشعب في تاريخ وواقع المذهب الإباضي نعود إلى موضوع هذا النقاش ونتساءل في الأساليب التي يمكن أن يكون لها الأثر البالغ ليس في "التأثير" على الآخرين وإنما في خلق المناخ المناسب للآخرين ليقوموا هم أنفسهم بعملية "التأثر" بالمذهب الإباضي وأتباعه.  وهنا أوورد بعض التصوُّرات حول ما يمكن القيام به:

·  علينا أن ندرك أولاً أن مدى تأثر كل طرف بالطرف الآخر يعتمد على ما عند الطرف الآخر من المقوِّمات التي تبعث حالة من الشعور بالرضى والإعجاب أو بالسخط والاشمئزاز من الطرف الآخر.  من هنا فعلينا أن لا يكون خطابنا موجَّها لطرف آخر وإنما أن يكون خالصاً لوجه الله ويخدم دين الله بمجمله وأمة محمد- صلى الله عليه وسلم- بكافة أبعادها.  هذا يعني أنه عندما نطرح قضية معينة- سواءً كان ذلك مشافهة في محاضرة أو درس أو كان كتابة- فإننا نطرحها لا كمحاولة لإقناع الطرف الآخر بها وإنما نطرحها بما تتطلبه القضية نفسها من بحث وتَقَصٍّ.

·  علينا أن لا ننتقص من الطرف الآخر، سواءً كان ذلك بصورة عملية عن طريق النَّيل من الرموز الفكرية التي ينتمي إليها الطرف الآخر أو التراث الذي بحوزة الطرف الآخر، أو كان ذلك بصورة سلبية عن طريق تجاهل الطرف الآخر، وخاصة إن كان المقام يستدعي الاعتراف بما عند الطرف الآخر.

·  علينا أن نلجأ إلى أسلوب التحاور البناء، دون أن يكون هدفنا إقناع الطرف الآخر ومع الامتناع التام عن استخدام الأساليب المنفِّرة، وإنما أن يكون باستخدام الطرح العلمي الذي يعترف بالطرف الآخر ويبني على ما يقوم به من أدوار.

·  البدء في العمل المشترك الموجَّه إلى الأمة الإسلامية وليس إلى أتباع المذهب الإباضي.  ويؤسفني أن استخدم هنا كلمة "البدء" ولكنها الحقيقة حيث أن مشاركة الإباضية في حاضر الأمة الإسلامية- فضلاً عما يدور في العالم من أحداث- لا يكاد يُذكر.  وإن كانت للعصور السابقة خصوصيتها من ناحية المساحة الجغرافية والجماهيرية التي يمكن أن تنالها المشاركات، إلا أن حاضر الأمة الإسلامية- والعالم أجمع- ليتطلب من المشاركات المعاصرة أن تكون ذات خصائص وأبعاد مختلفة.  ويمكنني أن أذكر هنا بعض تلك الخصائص، ولعلَّ الاخوة المشاركين أن يضيفوا إليها ما انزوى عن ذهني في هذا الوقت:

o  يجب أن تكون المشاركة تخدم أكبر شريحة ممكنة من الناس وكلما توسَّعت الرقعة الجغرافية والبشرية التي تخدمها كلما كان لها أثرٌ أبلغ.

o  يجب أن تكون المشاركة ذات قيمة- حسب ميزان الناس في هذا الوقت-، فمثلاً المشاركة السياسية قد تكون في هذا الوقت ذات أهمية أكبر من المشاركة في الجوانب الصحية أو الاجتماعية.

o  أن لا تحمل في طياتها أسلوب "التبشير" الهادف إلى تغليف اللقمة بغلاف مسيحي يجعلك لا تستطيع الوصول إلى اللقمة دون أن تأكل معها المعان المسيحية المغلَّفة بها.  إن علينا أن نقدِّم مشاركاتنا للمسلمين خاصة وللعالم أجمع لا على أنها من صنع أيادٍ إباضية وإنما من قلوب مسلمة يعمرها الإيمان وتغمرها الرحمة.

o  أن نسعى دوماً لأن تكون أعمالنا- بجانب خلوصها لله سبحانه وتعالى- ذات جودة وفعالية تفوقان توقعات الآخرين.  بمثل هذه الأعمال سيكون انبهار الطرف الآخر بنا ومَن ثَمَّ تأثره بنا.

o  أن تكون أعمالنا ذات حجم كبير فإن الأعمال البسيطة لا تطفو على السطح وخاصة في هذه الأيام التي تعمل فيها الكثير من القوى، وبصورة حثيثة وفاعلة، لإبراز نفسها كمصدر فريد للتلقي.  مثلاً، لا يكفي لنا إن أردنا إنشاء محطة فضائية أن تكون مشابهة لأفضل المحطات الفضائية العالمية، وإنما لا بُدَّ لها من أن تسبقها بمراحل عديدة سواءً من ناحية الطرح أو الإخراج أو الاستهداف.

o  أن نسعى دوماً لأن تكون إنتاجاتنا رائدة في المجال الذي تدور حوله، وعندها نكون قدوة ليس فقط للطرف الآخر من أبناء جلدتنا وإنما للعالم أجمع.

 

هذا ما وفَّقني الله للحديث عنه وأسأل الله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به المسلمين وأن يرزق كاتبه وقارئه الأجر والثواب والهمَّة لنقله من حيِّز التنظير إلى حيِّز التطبيق إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.