القانون لا يحمي المغفلين

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا المقال)


_______________________________________

في عصرٍ كثرت فيه الذئاب، وقَلَّ فيه أهل المروءة، عليك أن تأخذ كل احتياطاتك من أن تقع في شِرْكٍ نُصِب لك.  وبالرغم من أن القوانين الأرضية تحاول جادة منعَ كوارث الاحتيال أن تقع، إلا أنَّ انعدام الضمائر وخلوَّ القلوب من الإيمان بالله والخوف منه، جعل أصحاب الأفئدة الخسيسة يحاولون اغتنام أيَّما فرصةٍ سنَحَت لهم للانقضاض على فريستهم، ثم مَحْوِ آثار الجريمة خوفاً من متابعة القانون.  وفي كثير من الأحيان، يتسلَّح هؤلاء بالقوانين نفسها لحماية أنفسهم وصنائعهم؛ لأن القوانين الوضعية- كما هو معلوم- لا تتعدى حدود التطبيق الظاهري لها.  أما السرائر والجزاء والعقاب على نوايا الناس فتلك خصيصة لا يمتلكها إلا الله سبحانه وتعالى.

وعبارة "القانون لا يحمي المغفلين" قد يراد بها مآرب كثيرة.  لكننا نناقش هنا السَّذاجة التي قد يتحلَّى بها بعض الناس من مبدأ حسن الخلق ونقاء السريرة.  وأعترف بأنني كثيراً ما مررتُ بحالات من هذا القبيل، وفي كل واحدة منها كنتُ أحاول إلقاء اللوم على غيري، وأطالبُ الطرف الآخر بأن يعترف بخطئه وهضمه لحقوقي.  ولكني بعد أن أراجع نفسي، أعود فأقول بأن القانون لا يحمي المغفلين.

كثيراً ما نذهب لشراء شيءٍ ثمين، كسيارة مثلاً، أو عقد صفقة معينة، كبناء منزل أو استئجار شقة.  وفي كل حالة يظهر لنا الطرف الآخر بالابتسامة العريضة والكلام المعسول والوجه البشوش، وعندها تهدأ أنفاسُنا، وتطيبُ قلوبُنا، ونرفع أيدينا شكراً لله على أن هيَّء لنا أصحاب القلوب الطيبة لقضاء حاجاتنا.

ويبدأ الشكُّ يزول والقلبُ يسكُن والجوارح ترتخي، ونسَلِّم أمرَنا لما سيقوله الطرف الآخر دون أن تلقى كلماتُه منفذاً للعقل ليتفحَّصَها ويحلِّلَها.  وقد يذهب الطرف الآخر- نظراً لخبرته الواسعة في التعامل مع هذا الصِّنف من الناس- فيرُشُّ رذاذاً بارداً مخدِّراً؛ من تقديم العروض المُغرية، والتنازل- فيما يتبدَّى لنا- عن حقوقه، وأن ما يفعله هو ليس طلباً للمادة، وإنما خيراً يريدُه لنا، ومنفعة لحياتنا.

وقد لا نصحوا إلا وقد أُبرِمَتْ الاتفاقيات، وعُقِدَت الصفقات، وانتهى الشراء والبيع.  وحتى في تلك الأثناء، فإننا ننسى أو نتناسى أن ثَمَّة أمرٍ مهم قد حدث، وأن علينا مراجعة النفس فيه وتحكيم العقل حياله.  وتمرُّ اللحظات، وتمضي الأيام، ولا نستيقظُ إلا بصدمة قوية، وضربة قاضية من جَرَّاء تلك الصفقة أو ذلك الإتفاق.

وعندها نُشمِّرُ عن سواعدنا ونسُلُّ سيوفَنا محاولين إرغام الطرف الآخر على الاعتراف بالخطيئة، وتصحيح التلف والتعويض عن الخسائر.  ولكن، هيهات؛ فعندما تُفتَح السِّجلات- إن وُجدَتْ وإلا فإنها في كثيرٍ من الأحيان تستعاض برباط الأخوة وحقوق الصُّحبة- نجد أنفسَنا أننا قد وافقنا على تلك الصفقات والاتفاقيات بمحض إرادتنا.

وهنا، من تظنون أن القانون سيحمي؟  هل سيحمي ذلك المغفل الساذج الذي وضع زمام الأمور كلِّها في يَدَيْ الطرف الآخر، والذي بدوره خطَّطَ وأبرَم ثم نَفَّذَ، أم الطرف الآخر نفسَه الذي كل الوثائق- إن وجُِدَت- تؤيدُه أو ليس من شيء مُوثَّقٍ يُدينُه؟

قد أبدو متشائماً كثيراً، وقد يُفهم من كلامي أنني لا أثق بأحد، والحقيقة عكس ذلك.  هناك أناسٌ من أهل المروءة، ولكنهم قِلَّة، وفي كثيرٍ من الأحيان قد لا نحتاج إلى أخذ تلك الاحتياطات لطبيعة من نتعامل معه، أو لحجم الموضوع الذي نريدُ تنفيذه.  ولكنني أقول بأنه حتى في مثل هذه الحالات، فإن أخذ كلِّ الاحتياطات أمرٌ ليس فيه مضرة إن خلى من منفعة، فسيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يقول: (( لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني )).

ولكن، ما هي الاحتياطات التي قد تنقذُنا من الوقوع في مآزق وخلافات ومُساءلات قانونية؟  الحقيقة أنها ليست هناك من وصفة ناجعةٍ لأن نجعل أنفسَنا في بَرِّ الأمان في كل مكان وزمان، ولكن هناك ثَمَّة نصائح إن أخذنا بها فقد نتفادى الوقوع في كثيرٍ من الإحراجات مستقبلاً.

أولاً:  حاول أن تعرف حجم الموضوع الذي تريد طرحَه

كثيرٌ من الناس تخطُر في أذهانهم الأفكار، وتستقبلَها اللسان، ثم تحملها القدمان إلى من ينفذها، دون أن يُعيرَ صاحبُها اهتماماً بأبعاد الفكرة وملابساتها.  وما ينتُج عن هذا التسرُّع هو طرحُ بعضَ جوانب الفكرة، والتي غالباً ما تكون القشور منها.  أما الجوهر ولُبُّ الفكرة فيُغفَلُ عنه، مما يكون مِحوَر الخلاف فيما بعد.

فهنا عليكَ أن تتناول الموضوع بالطرح والتحليل، محاولاً النظر إلى الموضوع من مناظير عدَّة.  ثم افترض الافتراضات، وضع الاحتمالات، وتصَّور ما يمكن أن يحدث لو خرجَتْ الفكرة من حيِّزِها الحالي وأخَذَتْ أبعاداً وأشكالاً أخرى.  نسمع كثيرا من الناس عندما يُعرَض عليه موضوع معين ويُطلَب منه التفاعل معه، أن يجيب بقوله: "دعني أفكر".  ورغم أن هذا ما نرمي إليه هنا، إلا أن التفكير بالنسبة لهؤلاء لن يتعدَّى عنوان الموضوع وفكرته العامة.

دعني أضربُ لك مثالاً.  يأتيكَ شخصٌ من معارفك (كلمة "معارفُكَ" هنا قد لا تعني بالضرورة أنك تعرف تفاصيل حياة الشخص، وإنما قد لا تعدو معرفة اسمه وزمالته في دراسة أو عمل)، ويقول لك بأنه بحاجة إلى مبلغ من المال.  ثم يبدأ الشخص يُصوِّر لك مدى احتياجه لذلك المبلغ.

هنا يتسرع البعض، ويندفعون إلى إعطاء الشخص ما طلب.  وكما نعلم فإنه (( من فرَّج عن مؤمن كُربةً من كُرَب الدنيا، فرَّج الله عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة ))- كما جاء في الحديث الشريف-، ولكن ينبغي أن تقول للسائل شيءٌ فيه تطييبٌ لخاطره دون أن يَفهَم منه أنه وعدٌ له بالحصول على المبلغ.  فمثلاً، لا تقل له: "ارجع لي بعد كذا وكذا" أو "دعني أرتِّب لك المبلغ وسأتصل بك"، ولكن كن صريحاً معه، وأخبره بأنك ستفكر في الأمر، وأنك إن وَجَدْتَ بأنك قادرٌ على إعانته، فلن تتردَّد.

بعد أن تتفارقا، أحضر دفتراً وقلماً وحلِّل الأمر من جميع جوانبه:

1-  هل المبلغ المطلوب متوفر عندك الآن، أم أنك ستحتاح إلى الاتصال بآخرين للحصول عليه؟  وفي هذه الحالة عليك أن تناقش ما يمكن أن يحدث لك من جَرَّاء إشراكِ أطراف أخرى في الحصول على المبلغ.

2-  هل ستحتاج إلى هذا المبلغ لأمرٍ آخر، أم أنه شيءٌ زائدٌ لن تحتاج إليه إلى حين سداده؟

3-  هل هناك من هو أحوج إلى هذا المبلغ من هذا الشخص، أو هل هناك ما هو أولى لصرف المبلغ فيه من إعطائه لهذا الشخص؟  وهنا، قد يتفاوت الناس في تقدير الحاجة.

بعد أن تتأكد من توفر المبلغ لديك، وأنك لن تحتاج إليه قبل سداده، وليس هناك مَن هو أو ما هو أولى بالمبلغ من هذا الشخص، بعد كل هذا ناقش ما يمكن أن يحدث لو أعطيتَ المبلغ للشخص.

4-  هل الشخص من الناس الذين يستحقون أن يُقرَضوا مبلغاً كهذا؟  وهنا، قد تحتاج للسؤال عن الشخص، ومعرفة خلفياته من أناس يعرفون عنه أكثر منك.  فمثلاً، قد يكون الشخص كثير الديون، والمبلغ الذي ستقرضه إياه قد لا تستطيع استرجاعه منه فيما بعد.  كذلك فقد يكون الشخص منحرفاً دينياًّ أو أخلاقياًّ، وقد لا تريد التعامل مع أمثال هؤلاء الناس.

5-  حاول أن تعرف مآل المال الذي ستقرضه للشخص.  فمثلاً، عليك أن تعرف ما إذا كان سيستخدم هذا المبلغ في معصية.  كذلك، قد يجدُر بك أن تعرف ما إذا كان دفع المبلغ لهذا الشخص قد يجُرُّ عليك ضرراً من قريبٍ أو بعيدٍ.  وأعترف بأنه قد يصعب عليك معرفة هذه الأشياء ،أو أنها قد تسبب لك إحراجاً من قِبَلِ المقترض نفسه أو من أناسٍ آخرين.

6-  والآن، بعد أن تعرف أنه ليس من بأسٍ في إقراض الشخص ذلك المبلغ، فكِّر فيما يمكن أن يحدث بعد إعطائه القرض.  عليك أن تتصور الجوانب السلبية التي قد تحدث من حين إعطائك المبلغ للشخص إلى حين استرجاعه أو ربما لما بعد استرجاعه.  كيف ستتصرف لو حدث للشخص مكروه- كموتٍ أو فقر أو ما شابه ذلك- قبل سداد الدَّين؟  هل ستتخلَّى عن المبلغ أم أنك ستطالب بسداد المبلغ؟  وإن كنتَ ستطالب بسداد المبلغ، فمَن ستطالب بدفع المبلغ لك؟  ماذا لو أتَتْ مدة السداد ولم يُسدِّد الشخصُ لك المبلغ؟  هل ستعطيه مهلة، أم ستقوم بمطالبة شرعية، أم ماذا ستفعل؟  ماذا لو أنكَرَ الشخص المبلغ؟  ماذا وماذا وماذا؟  حاول هنا أن تفكر في كل ما يمكن أن يحدُث، لأنك لو تصوَّرتَ هذه الأمور الآن فقد تُعفيك من كثيرٍ من المشاكل والإحراجات في المستقبل.

7-  وبعد كل ما سبق، فكِّر في كيفية توثيق القرض.  هل ستكتفي بإقرارٍ مكتوب من الشخص نفسه، أم تفضل صكاًّ شرعيا؟  كذلك، فكِّر فيما ستحويه وثيقة التوثيق.  هل يكفيك ذكر قيمة ومدة القرض، أم تريد أن تُضمِّنَها بنوداً تحوي الجوانب التي فكرتَ فيها في النقطة السابقة؟  حاول أن تقوم بصياغة وثيقة بنفسك، لأنك بهذا ستعفي نفسك كثيراً من الأحراج حال كتابة الوثيقة بحضور المقترض والآخرين الذين قد يحضروا مجلسَكُما.  وأقترح لك أيضاً أن تراجع تلك الوثيقة على نفسك مراراً، ثم تعرضَها على من تثق بنزاهته ومعرفته بأحكام الاقتراض.

والآن، ألا ترى كيف تكثر التساؤلات، وتتجمَّع الأفكار عندما نحاول أن نضع المواضيع في منصة النقاش، ونفكِّر في الموضوع من جميع جوانبه؟  وكما تلاحظ، فبالرغم من كثرة النقاط التي أثرتُها إلا أن هناك الكثير والكثير من النقاط التي قد تثار حول الموضوع الذي ناقشه المثالُ السابق.  ولهذا يمكنك أن تتصوَّر ما عليك فِعلُه حيال المواضيع الأكثر تشعُّباً وأهمية.  كذلك، فكما لاحظتَ أنك في وضع جيِّد لإصدار حُكمِك وإبداء رأيِك بعد النقاش من حالِك بعد طرح الموضوع عليك لأول وَهلَة.

ثانياً:  تعرَّف عن قربٍ على الأطراف التي لها علاقة بالموضوع

في كثير من القضايا تكون أنت الطرف الأول فيها، وشخص آخر بمثابة الطرف الآخر.  لكن هناك قضايا أخرى تكون أنتَ وآخرين في طرفٍ، ومجموعة أخرى في الطرف الآخر.  وفي كل حالة عليك أن تعرف تفاصيل حياة الآخرين الذين لهم علاقة بموضوعك، وقد لا تكون هذه مهمة سهلة.

ما نعنيه هنا بالتفاصيل هي ما يمكن أن تؤثِّر على مسار تنفيذ الاتفاق أو العقد الذي سيُبرَم بينك وباشتراك أطراف أخرى.  مثلاً، في حالة شراء سيارة مستعملة، عليك أن تعرف صِدق الطرف الآخر في تشخيص حالة السيارة، أم أنه يُزيِّن لك محاسنها ويحاول أن يتهرَّب من ذكر مساوئها.  كذلك، تعرَّف على الأسعار التي يطلبها، وقارنها بأسعار بائعي السيارات الآخرين.

أما في حالة بناء منزل، فعليك أن تعرف عن جودة البناء التي تنفِّذها المؤسسة التي ستبني لك وأسعار البناء التي تطلبها تلك المؤسسة.  كذلك، تعرَّف على سلوكيات ومعاملة أصحاب تلك المؤسسة حال تنفيذ البناء وأخلاقيات المؤسسة في الحصول على المبالغ.  أيضاً، اطلُب من المؤسسة أن تريكَ صِيغاً لعقود بناء سابقة، وتعرَّف على الأطراف التي نفذَّت لها المؤسسة تلك المباني.  بعد ذلك، اذهب إلى تلك المباني، وحاول أن ترى بنفسك جودة البناء.  كذلك، تعرَّف على رأي أصحاب تلك المباني في المؤسسة التي نفذَّت لهم البناء وسلوكياتها قبل وأثناء وبعد التنفيذ، وتعرَّف على مدة التنفيذ، ومدى تقيُّد المؤسسة بالشروط الواردة في العقد.  حاول كذلك التعرف على ما إذا كانت هناك دعاوى قضائية ضدَّ تلك المؤسسة، وتعرَّف على تفاصيل تلك الدعاوى.

أما فيما يخص الأطراف التي هم في جانبك، فيجب أن تكونوا على اتفاق تامٍّ بما ستقولونه وتَسألون عنه وتَطلبونه من الطرف الآخر.  وأُفضِّل أن تُعيِّنوا شخصاً مناسباً للتفاوض مع الطرف الآخر، والأوْلى أن يكون ذلك الشخص هو أنت، إلا إن كان هناك مَن هو أدرى منك في التحدُّث والتفاوض مع الطرف الآخر.

وعليكم أن تحذَروا الدخول في مشاجرات بينكم، لأن الطرف الآخر سيستغل ذلك الجوَّ لصالحه.  وعليكم- إن حدَثَ ذلك- أن تُنهُوا لقاءكم مع الطرف الآخر، وأخبروه بأنكم ستتصلون به لاحقاً للاجتماع به في جلسة أخرى.  وعليكم أن تتنبَّهوا هنا بعدم إعطاء الطرف الآخر وعداً بالاجتماع به مرة أخرى، أو أنكم موافقون على ما دار بينكم من حوارٍ.  وبعد أن تنصرفوا، اجتمِعوا فيما بينكم وسوُّوا أمورَكم مع بعضكم ثم اتفقوا على ما سيتبع من خطوات.

 

6/12/1998م