تنمية مهارة الإبداع

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا الموضوع)


_______________________________________

يقول الله سبحانه وتعالى:  { وأما بنعمة ربك فحدِّث }.  لقد منَّ الله سبحانه وتعالى علينا بنعم جليلة لا يعلم عددها وعظمتها إلا هو سبحانه.  وقد طالبنا- سبحانه- بأن نشكره على هذه النِّعَم، وشُكرُه ليس بالثناء عليه باللسان فحسب، ولكن بتفعيل تلك النِّعَم واستخدامها في الأطُر التي حدَّدها لنا سبحانه.

والعقل هو من أجَلِّ هذه النِّعَم على الإطلاق، فبه ميَّز الله عز وجلَّ هذا الكائن العجيب عما سواه من كائنات، وبه يرتقي الإنسان من حضيض البهائم الغُفْل إلى مصافِّ الملائكة المقرَّبين.  والعقل طاقة هائلة لا يُستغلُّ منها سوى 2٪ من قدرتها، وعدم استغلالها سيصيب العقل بالترهُّل.  وقد أثبت الباحثون أنه تَرِدُ على الإنسان ما يزيد عن 5000 فكرة في اليوم، تتلاشى معظمها نظراً لعدم إعارتها الاهتمام المطلوب من تدوينها وبلورتها.  كذلك، فإن الله- سبحانه وتعالى- قد هيأ لك أيها الإنسان إثنتي عشرة فرصة في كل يوم وليلة من مثل تلك التي تأتَّت لبعض العلماء والعظماء والمشهورين الذين غيرَّوا مجرى الأحداث في العالم بأسره.  وأنت لا تحتاج للتعرف على تلك الفرص وكيفية الاستفادة منها إلا بتعلُّم الطرق العلمية الصحيحة التي ستعينك على ذلك.

وإذا أمعنتَ النظر حولك لوجدتَ الملايين من حملة الشهادات، ولكن كم منهم أثَّر في مجريات الأحداث في هذا العالم؟  حاول أن لا تكون واحداً من تلك الملايين وذلك بأن لا تقنع بالأعمال البسيطة التي تعوَّد الناس عليها – رغم حاجتنا إليها – لأن مثل تلك الأعمال ستُقنِع عقلك الباطن بأنك لستَ أهلاً لما هو أجَلّ وأعظم من تلك الأعمال.  كذلك، فمثل تلك الأعمال ستُميت فيك الهمة العالية وروح التجديد.  وإذا حضرتك همَّتُك فعليك أن توجِّها نحو العالمية في فكرها وإنتاجها- أي ما سيخدم الأُمة بأسرها.


كيف تُشجِّع إتيان الأفكار؟

o    حاول أن تبُقي نفسك- وفي جميع أحوالك- في حالة نفسية سعيدة متفائلة وتجنَّب ما يمكن أن يجلب إليك الحزن والضيق والتشاؤم، فإنها مدمِّرة لجسدك، مضعفة لعقلك، مبدِّدة لأفكارك.

o    تشير الدراسات إلى أن لحظات الاسترخاء – بما فيها لحظات ما قبل النوم وأنت مستلقٍ في السرير واللحظات التي تعقب انتباهك من نومك مباشرة – هي أكثر اللحظات التي يمكن أن ترِد فيها عليك أفكارٌ مفيدة.  فإذا جاءتك فكرة وأنت في واحدةٍ من تلك اللحظات، فلا تحاول أن تُفوِّتها– كأن تغالب نفسك مثلاً بالنوم– وإنما عليك الانغماس التام في طرح الفكرة من جميع جوانبها، وإني أعدُك بأنك ستحس بسعادة كبيرة وخاصة بعد فراغك من ذلك الطور وعودتك إلى حياتك المعتادة.

o    أوجد ما ينشِّط هذه الأفكار وذلك بإثارة أحاسيسك الداخلية وإتاحة الفرصة لنفسك لتخرج من زمانها ومكانها الحاليَّين، والسباحة في محيط الخيال اللامحدود.  وقد تتفاوت نفسيات الناس والوسائل التي تثير فيهم تلك الأحاسيس وعليك أن تُجرِّب مختلف الطرق لتكتشف الوسيلة المناسبة لإثارة أحاسيسك.  ومن الوسائل التي كثيراً ما تبعث في نفوس الناس الانشراح وتكشف فيهم مكامن الإبداع والخيال هي الترتيب الأنيق للمنزل أو المكتب، أو الرائحة الزكية، أو الوجبة المفضلة، أو الصُّوَر التذكارية، أو قراءة أعمال سابقة لك أو لغيرِك.  لهذا فعليك أن تهيئ لنفسك البيئة المناسبة التي ستكون مناخاً مناسباً لجلب الأفكار المفيدة إليك وجواًّ مهيئاً لاقتناص تلك الأفكار وتنميتها.

o    عوِّد نفسك على التغلب على الروتين.  فمثلاً، إذا كنتَ تعوَّدت الإفطار في المنزل مبكِّراً، فافطر في بعض الأيام في ساعة متأخرة من الصباح أو فوِّت وجبة الإفطار بالكامل ولاحظ ما سيتغير فيك وحولك.  أيضاً، لو تعوَّدت الذهاب إلى العمل بسيارتك، فخذ سيارة أجرة أو اتصل بأحد زملائك أو اذهب إلى العمل ماشياً.

o    اجلس في المسجد بعد إحدى الصلوات منفرداً ودع لخيالك يسبح.  حاول أن تجلس في زاوية بمفردك وأنت مغمضٌ عينيك تسبح بخيالك في ما يَرِدُ إلى ذهنك من أفكار.  إذا كنتَ تخشى أن يقطع خلوتك بعضُ من يتردَّدون على المسجد ممن تعرفهم ويعرفونك، فاذهب إلى مسجد آخر لا يعرفك فيه أحد.

o    أُخرج إلى المنتزهات الجميلة والبحيرات والأنهار والشواطئ- وبمفردك إن أمكن.  فمثل هذه الأماكن- التي تتسم غالباً بالجمال والهدوء– تعتبر بيئة خصبة لجلب الأفكار نظراً لصفاء الذهن وانشراح النفس والبعد عن صخب الحياة اليومية وما فيها من تراتُب.

o    اذهب إلى الأسواق والمحلات- بمفردك- وخاصةً تلك التي لم تذهب إليها من قبل.  وليس من الضروري أن تكون لك حاجة تشتريها وإنما هي فرصةٌ لجعل عينيك تقعان على المئات- بل ربما الآلاف- من الأصناف والمواد المختلفة التي ربما تشاهدها لأول مرة.  فكِّر في طريقة ترتيبها في المحل وقارن بين بعضها البعض في الجودة والأسعار والأحجام.  حاول أن تتصوَّر الأطوار التي مرَّ عليها كلُّ صنفٍ قبل أن يصل إليك.  فكِّر فيما ستحتاجه أنتَ من أموال وأيدٍ عاملة ومبانٍ ومعداَّتٍ فيما لو أردتَ صنع تلك المواد بنفسك.  حاول أن لا تتعجل في سيرك في المحل لكي تعطي لذهنك المجال للإتيان بالأفكار المنطقية وغير المنطقية.

o    اذهب إلى أحد المطاعم وتناول وجبة بمفردك وبدون عجلة.  حاول أن تنتقي وجبة لم تأكلها من قبل وخاصة تلك التي تبدو غريبة عليك.  حاول مرة أن تطلب وجبة مرتفعة الثمن واطلب في مرة أخرى وجبة بسيطة ورخيصة الثمن.  فكِّر فيما لو تغيَّر نمط حياتك فأصبحت لا تأكل إلا الوجبات الباهظة الثمن أو الوجبات الرخيصة البسيطة كتلك التي جربتها.  فكِّر في علاقة نوع الوجبة وثمنها بطبائع الناس وطبقاتهم ومراكزهم.  أجِل بفكرك في بلدان العالم وحاول أن تتصوَّر نسبة الذين لا يأكلون إلا الوجبات الغالية وأولئك الذين قنعوا– أو إن شئت أُكرِهوا– على أكل الوجبات البسيطة الزهيدة.

o    أُخرج بسيارتك بمفردك إلى مدينة أُخرى لزيارة صديق مثلاً، أو حتى لغير غرض.  وإن لم تُرِد ذلك فتجوَّل بسيارتك في شوارع بلدتك وخاصة تلك التي لم تذهب إليها من قبل.  في أثناء قيادتك لسيارتك، لا تستخدم مسجِّل السيارة وإنما حاول أن تعطي لنفسك حريتها في الضحك واللعب والتمثيل والمتعة.  قم بتمثيل أدوار لشخصيات معروفة وتكلم بلهجتها.  تصوَّر نفسك خطيباً أو محاضراً أو محامياً أو عالماً أو ممثِّلاً.  اختر لنفسك موضوعاً وقم في التحدث فيه وكأنك محاضر أو خطيب.  أنصحك أن تصطحب معك في رحلتك مسجِّلاً، وأن تقوم بتسجيل المحاضرة أو الدرس الذي تلقيه، فإنك ستكتشف أن لديك طاقاتٍ هائلة لم تعرفها من قبل.  وأريد التنبيه هنا إلى أن الانشغال بالحديث أو التفكير في بعض المسائل– وخاصة تلك التي قد تكون لها أثراً سلبياًّ على نفسك– قد يسبِّب لك ارتباكاً في قيادتك للسيارة وربما يعرِّضك أو يعرِّض غيرك لمشاكل سير.  إن أحسستَ بشيءٍ من هذا، فتوقف عما ذكرت لك من تقمُّص شخصيات أو محاولة إثارة أفكارك ومشاعرك وعليك التركيز في قيادة السيارة إلى أن تصل إلى بُغيتك سالماً معافى بإذن الله.

o    جدِّد من ملبسك ومأكلك ومسكنك وسلوكك.  ما أقصده هنا هو أن تخرج عن الروتين الذي حاولتَ أن تُفصِّل حياتك عليه.  إن استطعت أن تغيِّر في كل يوم شيئاً في حياتك- سواءً في الملبس أو المأكل أو المسكن أو السلوك- فافعل.  إن مثل هذا التغيير سينشِّط فيك مكامن الإبداع وسيلفتُ إليك أنظار الناس الذين سيَرَوا فيك دوام التجدُّد والنشاط وربما تكون سبباً لإيقاظ مواطن الإبداع في أنفسهم هم أيضاً.  وعليك هنا أن تنتبه إلى أن تقوم بعملية التجدُّد بطريقة لا تثير اشمئزاز أو سخرية أو سخط الناس عليك.  طبعاً، قد تكون أنت محقاًّ فيما تفعله، ولكن خروجك عن المألوف قد يجلب إليك مشاكل أنت في غنىً عنها.

o    استمع إلى أشرطة واقرأ كتباً في الإبداع وتطوير المواهب.  كذلك، فعليك أن تتدبًّر في حياة العظماء والناجحين والمشاهير لتعرف التفاوت في حياتهم والتغاير بين الحياة التي عاشوها والحياة التي تعيشها أنت.  كذلك، فإن في دراستك لسِيَرِ أولئك المشاهير يعتبر محاولة منك لإقناع نفسك بالسَّيْر على منوالهم لكي تصل إلى ما وصلوا هم إليه.  ولا ريب فإن في تاريخ عظماء الإسلام والمسلمين ما يشبع النفوس التواقة ويلهِب العواطف المتَّقِدَة لكي تعتلي هي الأخرى مصافَّهم وتسير في دربهم.  لكن هذا لا يمنع من قراءة سِيَر العظماء والمشاهير من غير المسلمين وخاصة أولئك الذين أثَّروا على مجرى الأحداث في الأمم والحضارات التي عاشوا فيها.

كيف تُدَوِّن أفكارك؟

إنك لن تستفيد مما ذكرته لك في الفصل السابق مالم تتنبَّه إلى كل فكرة تَرِدُ إلى ذهنك وتدوِّنها قبل فوات وقتها ونسيانها.  عليك أن لا تدع أية فكرة تأتي إلى ذهنك دون أن تدوِّنها مهما رأيت من سذاجتها أو حقارتها في تلك اللحظة.  لهذا فإني أنصحك بأن تحمل دوماً معك قلماً ودفتراً أو مُسجِّلاً صغيراً.  فيما يلي خطوات بسيطة يمكنك استخدامها ولكنها ستأتي لك- بإذن الله- بنتائج طيبة.

o    استخدم دفتراً خاصاً أو مسجلاً لتسجيل المواضيع أو الأفكار التي ترد إلى ذهنك. أما الأفكار فإنها ستتبلور فيما بعد، وما عليك القيام به هو أن تكتبها على أي شيء، ثم ترتِّبها فيما بعد، ولكن لا تدع الفكرة تذهب دون تدوين.

o    أُكتب ما يحضرُك عن الفكرة في ذلك الوقت ولو كانت عنواناً لموضوع فقط.  لا تنسى أن تكتب التاريخ والوقت وربما المكان الذي أتت إليك فيه تلك الفكرة.  مثل هذه المعلومات ستبعث فيك هاجس الثقة والاعتزاز بالنفس عند مراجعتها بعد فترة، وربما كانت سبباً في تنشيط أفكارك وإعادة الهمة إليك من جديد.

o    دع ما تكتبه أمام عينيك أو– على الأقل- في متناول يدك.

o    بين حين وآخر، ارجع إلى ما كتبته من مواضيع أو عناوين لأفكار وزد عليها إن كان يحضرُك شيءٌ في ذلك الوقت.

o    استخدم نشاط الاسترخاء اليومي لتحفيز عقلك الباطن على التوسُّع في تلك الأفكار وبلورتها.