ثمرات النجاح

 

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا المقال)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

قد يقول البعض بأن الإنسان له قدرات محدودة.  وبطبيعة الحال، فهذا كلامٌ صحيح، ولكنه يفهم فهماً خاطئاً.  وهذا القول صحيح من حيث كون الإنسان مخلوق من مخلوقات الله.  ومخلوقات الله- سبحانه وتعالى- قدراتها محدودة، غير مطلقة، مهما كانت على درجة عالية من التقدُّم والسموِّ والرقيِّ، فعلم الإنسان محدود، وقدراته محدودة، وطاقاته محدودة، وإمكانياته محدودة، وأوقاته محدودة، وأمواله محدودة، وحدود أفكاره محدودة.  لكن كل هذا التحديد هو بالمقارنة بصفات الله- عزَّ وجلَّ- الذي ليس لقدراته وطاقاته حدود.

أما إذا أردنا أن نأخذ هذا الإنسان- مع علمنا بمحدودية قدراته مع قدرات الله سبحانه وتعالى-، فإن طاقات هذا الإنسان وقدراته- في حدود علم البشر- غير متناهية، رغم أنها متناهية ومحدودة في علم الله.  هذا يعني أن الإنسان مهما أنتج ومهما أبدع ومهما بلغ ما بلغ في سلالم النجاح، فإن بإمكانه الوصول إلى مستويات أعلى وأفضل من الإنتاج والإبداع والنجاح.  هذه الميزة تجعل الإنسان دائماً في تطوُّرٍ ورقيٍّ وسموٍّ.  لذا فإن علينا أن لا نقنع بالواقع الذي نعيشه، وبالمستويات التي وصلنا إليها في المجالات المختلفة، مهما بدا لنا واقعنا الذي نعيشه، وما فيه من نجاحات باهرة وإنجازات فريدة.

وحقيقة الأمر، أنه لا يوجد هناك إنسان يقنع بما لديه من علمٍ وقدرة ومال وجاه ونجاحات، حتى وإن حاول أن يوهم نفسه بذلك، ويُظهِر ذلك للآخرين.  إن من طبيعة كل إنسان أنه يحب النجاح والتطوُّر والترقي في آفاق هذه الحياة، وأنه في بحثٍ متواصلٍ للوصول إلى مستويات أعلى، ولتحقيق نتائج أفضل.  لكن هناك أموراً قد تجعل بعض الناس لا يرتقون إلى المستويات الأعلى والأفضل بخطوات حثيثة، وقد تولِّد معهم- ولو ظاهرياًّ- نوعاً من القناعة والزهد أو عدم الرغبة في مواصلة السير نحو ما هو أفضل.

ولعلَّ من أهم الأمور التي تقف بين الناس وبين أن يصلوا إلى مستويات أعلى وأفضل هو جهلهم بما هو موجود، وما يمكن أن يحصلوا عليه لو أنهم واصلوا السَّير وجدُّوا في البحث.  إن غالبية الناس لا يرون من هذه الحياة إلا ما هو متمثلٌ بين ناظريهم، حتى وإن كان بسيطاً زهيداً حقيراً.  إنهم- حقيقة الأمر- لا يدركون أن هناك واقعاً خيراً من واقعهم، ولا حياة أفضل من حياتهم، ولذا تراهم راضين قانعين بما هم عليه من مستويات بسيطة زهيدة.

وهناك من الناس من يشاهدون الآخرين وهم يسيرون بخطىً حثيثة نحو النجاح، وينظرون إليهم وهم يحتفون بما يحققونه من إنجازات، ولكنك تراهم وكأنهم لا يسمعون ولا يبصرون.  ولو تحدَّثت مع هؤلاء عما يحققه غيرهم من نجاحات، لسمعتَ منهم أمراً عجباً؛ فتارة تراهم يتظاهرون بأنهم يتمنون لأولئك المزيد من الخير والنجاح، وتارة يتظاهرون إليك بالزهد والورع ويعتبرون ما تسميه أنت إنجازات ونجاحات محاولات شيطانية لإغواء الناس وصرفهم عن النجاح الحقيقي، ألا هو مرضاة الله.  وأسوأ من هذين الفريقين مَن تسمعهم يكيلون على الناجحين والمتميزين التُّهم ويعتبرون ما حققه أولئك لا يعدو كونه مزيَّفاً مغشوشا.

إن أول خطوات النجاح هي أن تتعرَّف على بعض الثمرات التي يمكن أن تجنيها عندما تصل إلى نجاحات معينة، ولنذكر هنا بعضاً منها.

أولاً، يمتلك الناجح من جوانب السعادة والرضى النفسي ما لا يمكن وصفه.  والسبب في ذلك يعود إلى أمورٍ كثيرة، منها أنه سيرى بأن الله قد حباه بنعم عظيمة جليلة، ويحسب أن الله قد اختصه بهذه الميزات والخصال الجليلة وهذه الصفات العظيمة، مما يجعل صدره منشرحاً، ويبقى مسروراً مبتهجاً، لظنه بأن الله قد اختصه بتلك الصفات والمميزات دون غيره من الناس.  لذلك، فترى هذا الناجح دوماً في غبطة وسرور لأنه يرى نفسه في معية الله وأن الله يحرسه ويسدد خطواته ويبارك في أوقاته وأفعاله.

من جوانب السعادة والرضى النفسي التي يحس به الناجح هو شعوره بأنه يحقق أموراً لا يحققها غيره، ويقوم بأعمال يعجز عنها أقرانه من بني جنسه، فيدرك عندئذٍ بأنه إنسان غير عادي، فهو يمتلك قدرات خاصة، حتى وإن لم يعتقد بأنها نِعمٌ من الله عليه، غير أنه يشعر بقيمتها وأهميتها، وخاصة عندما يرى غيره خُلْواً منها، ولذا فهو يعتبرها من الجواهر التي تميز شخصيته عن شخصية غيره، مما تبعث في نفسه الطمأنينة والانشراح.

من ثمرات النجاح الأخرى، والتي تعتبر أيضاً من مسببات السعادة والرضى الداخلي، هو ما يلاحظه من نتائج إيجابية تتحقق على أرض الواقع، بسبب ما يقوم به هو من أعمال، والتي ينتج عنها مؤسسات ومؤلفات وجماعات من البشر تتغيَّر حياتهم نحو الأفضل.

أيضاً، تنتج السعادة بسبب ما يسمعه هذا الإنسان من ثناء الناس له، وما يقرأه في الصحف أو يسمعه في المحطات من عبارات الشكر والثناء والتقدير؛ سواءً كان ذلك بشكل مباشر، كأن يقرأ أو يسمع عبارات الشكر الموجَّهة إليه، أو كان بشكل غير مباشر، من خلال ما يراه متجسِّداً على أرض الواقع من تغيُّرٍ ملحوظٍ في حياة الناس، والذي ينتج عنه ذلك الشعور بالسعادة والغبطة لاستفادة الناس بما قام به أو أنتجه.

من الثمرات الأخرى للنجاح هو ما يحصل عليه من جوانب أخرى غير الثناء والشكر؛ كالمال أو المركز الاجتماعي أو العلمي أو الوظيفي، أو ما يكون من تحقُّق الأحلام والطموحات التي كان يسعى لتحقيقها.  فعندما يرى الإنسان مثل هذه الأمور تتحقق له فإنه يدرك بأنه إنسانٌ استطاع أن يستثمر حياته وأن يغتنم الفرص العديدة في هذه الحياة، على غير عادة معظم الناس الذين لا يبرحون أماكنهم في مراتب هذه الحياة.