حوارات هادفة (3)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع ولدي الصغير

الإصدار الأول

1430 هـ - 2009 م


 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ في البيت أجلس قريباً من نافذة غرفة النوم، وأنا أمسك بيدي كتاباً قد شدني كثيراً لأحد المؤلفين المسلمين، وهو يتكلم عن دحض نظرية التطوُّر، والمعروفة بنظرية داروين.  عندها سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب، فقلتُ للطارق: "تفضل"، فإذا به ولدي الصغير الذي يدرس في الصف الخامس.  اتجهتُ نحوه وقلتُ له: "السلام عليكم يا حبيبي، ما شاء الله لقد عُدْتَ من المدرسة؟"  أقبل إليَّ ولدي وسلَّم عليَّ، فرأيتُه متغيِّر الوجه، فسألته: "ماذا بك يا ولدي؟  إني أراك حزيناً".

فبادرني بسؤاله قائلاً: "يا أبتي، هل صحيح أن أصلنا قرود؟"

دُهِشتُ من هذا السؤال فقلتُ له: "أستغفر الله يا ولدي.  أستغفر الله.  لا يا ولدي، بل نحن بشر، أصلنا من أبي البشر آدم عليه السلام.  ولكن لِمَ تسأل هذا السؤال؟"

فقال لي وصوته ينم عن حزن وأسى: "قالت لنا مُدرِّسة الأحياء اليوم بأن أصلنا نحن الأولاد قرود".

قلتُ مندهشاً: "أستغفر الله.  لا يا ولدي، هذه المُدرِّسة مخطئة".

فردَّ عليَّ طفلي سريعاً: "إذاً، لماذا تقول لنا نحن مثل هذا الكلام؟"

قلتُ له وأنا أريد أن أهدئ من روعه وأسلِّيه: "ربما كانت تمزح معكم".

فأجابني مسرعاً: "لا يا أبي.  كانت تشرح لنا درس اليوم في مادة العلوم، وأخبرتنا بأن الناس كان أصلهم قروداً ثم تطوروا وأصبحوا بشراً!"

اندهشتُ كثيراً من هذا الكلام، وما أدهشني أكثر هو أن تقوله مُدرِّسة مسلمة لأطفال لا يعون من الأمر شيئاً، وما أذهلني هو كيف أن مناهجنا- وللأسف الشديد- قد احتوت على سموم تخالف تعاليم ديننا الحنيف.

أمسكتُ بيد ولدي وأحسستُ أنني بحاجة إلى أن أوضح له بعض الأمور فقلتُ له: "اجلس يا ولدي".  جلس على السرير واتجه بوجهه نحوي، وكأنه ينتظر مني إجابات للأسئلة الكثيرة التي تتراقص في عقله البريء.

قلتُ له: "انظر يا ولدي إلى هذا الكتاب الذي أقرأُه.  إنه يتكلم عن نفس الموضوع".

قاطعني ولدي بسرعة قائلاً: "ولكنك قلتَ لي بأن هذا ليس صحيحاً".

قلتُ له: "نعم هذا ليس بصحيح، والكتاب الذي تراه عندي يقول أن هذا ليس بصحيح، وسأخبرك ببعض الأمور عن هذا الموضوع".

قال لي ولدي بأدب: "تفضل".

قلتُ له: "تعلم يا ولدي بأننا مسلمين؟"

قال لي: "نعم".

قلتُ له: "والله قد كرَّم الناس كلهم عن سائر المخلوقات الأخرى بما ميزهم به من نعمة العقل، فهم يستطيعون بالعقل أن يدركوا أموراً لا تستطيع أن تدركها غيرهم من المخلوقات كالحيوانات والنباتات وغيرها".

 ردَّ عليَّ ولدي قائلاً: "هذا صحيح".

قلتُ له: "ولكن الله- سبحانه وتعالى- قد اختصَّنا نحن المسلمين بميزة أخرى".

قال ولدي: "وما هي؟"

قلتُ له: "لقد شرَّفنا بمعرفة أن هنالك خالق لهذا الكون".

فقال لي ولدي: "ولكن كل الناس يعرفون أن هنالك خالقاً لهذا الكون".

قلتُ له: "هذا صحيح، فإن فطرة الإنسان قد جُبِلت على الاعتراف بأن لهذا الكون خالقاً، وقد جعل الله- سبحانه وتعالى- عقل الإنسان وسيلة لتأكيد هذا.  لكن بعض الناس يستخدمون عقولهم بطريقة غير صحيحة، فيصِلون إلى استنتاجات خاطئة، ومن هؤلاء الذين يقولون بأن أصل الإنسان قرد.

نحن نؤمن بالله- سبحانه وتعالى- ونؤمن بما جاء به رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم-، ومن ذلك أن الله- سبحانه وتعالى- قد خلق في هذا الكون كائنات عديدة، ولكنه لم يجعل لأيِّ نوع من هذه الكائنات أن يتطوَّر بنفسه فيصبح مخلوقاً آخر، وداروين اليهودي...".

وبسرعة قاطعني ولدي سائلاً: "وهل هو يهودي يا أبي؟"

فقلتُ له: "نعم، إنه يهودي، واليهود كما تعلم يحاولون أن يُبعدوا الناس عن كل ما يَمُتُّ إلى الدين بصِلة، ولذلك فهم يحاولون أن يَنفُوا أن الله هو الذي خلق كل شيء في هذا الكون وينسبون إلى الطبيعة كل الخلق...".

قاطعني ولدي مرة أخرى وقال: "نعم، لقد سمعتُ المُدرِّسة تقول شيئاً من ذلك.  كانت تقول لنا أن الطبيعة اختارت صنف القرود وأعطتها خصائص أفضل وحوَّلتها إلى بشر".

قلتُ له: "وأنت تعلم الآن أن هذا افتراء على الله- سبحانه وتعالى-، فإنه قد وضَّح لنا في القرآن الكريم أن أول البشر على هذه الأرض هو آدم- عليه السلام- وقد خلقه الله سبحانه وتعالى بـ { كُنْ فَيَكُون }، ولم يتحوَّل أيُّ واحدٍ من القرود فيصبح آدم أو غيره من الناس".

قال لي طفلي مندهشاً: "ولكن، إذا كنا نحن المسلمون لا نؤمن بهذا، فلماذا يعلموننا إياه في المدرسة؟"

قلتُ له: "يا ولدي، عليك أن تفهم أنه عندما خلق الله- سبحانه وتعالى- آدم- عليه السلام- أمر الملائكة لأن تسجد له، وأمر إبليس أن يسجد له أيضاً، فسجدت الملائكة كلهم، ولكن إبليس لم يسجد، فأصبح من ذلك الوقت عدواً لآدم وذرية آدم.

وإبليس، يا ولدي، له جنود وأعوان يحاولون إبعاد الناس عن الإيمان بالله- سبحانه وتعالى- فيأتون إليهم، ويُوَسْوِسُون في عقولهم بأمور من مثل هذه التي سمعتَها أنت من المُدرِّسة.  وكل من يستمع إلى ما يمليه عليه الشيطان فإنه يعتبر من أعوان الشيطان".

فردَّ عليَّ طفلي قائلاً: "ولكن مُدرِّستنا تقول بأنها مسلمة وتصلي".

قلتُ له: "أجل يا بني، المُدرِّسة التي تُدرِّسُكم هي فعلاً مسلمة، وهي أيضاً تصلي، وأنا لم أقل غير ذلك، ولكن الشيطان يحاول أن يخدع الناس وأن يبعدهم عن دينهم، ولا يقوم بذلك دفعة واحدة ولكن يحاول معهم بالتدرُّج، وأيضاً يحاول أن يجعل الإنسان يكفر بالله، فإذا لم ينجح في ذلك، فإنه يحاول أن يجعل الإنسان يُشرِك مع الله أموراً أخرى، واعتبار أن أصلنا من القرود هو من باب الإشراك بالله، لأننا إذا قلنا بأن الطبيعة هي التي شاءت لأن تجعل من القرد إنساناً فقد جعلنا للطبيعة قوة قاهرة تضاهي قوة الله، سبحان الله عما يقولون ويفترون".

فقال لي طفلي: "ولكن المُدرسة تعلمنا فقط بما هو موجود عندنا في المنهج، فلماذا يضعون هذا في مناهجنا ونحن مسلمون؟"

قلتُ له: "يا ولدي، إن الشيطان لم يكتفِ بأن يغوي داروين ومن معه من الضالين، سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المسلمين، وإنما يحاول أن يغوي جميع الناس بكل الوسائل، فيصبح هؤلاء الذين يغويهم الشيطان أتباعاً له، يُسخِّرهم كيفما شاء، فتجدهم يحاولون أن يغووا الناس ويبعدوهم عن دينهم بشتى الوسائل، ومن هذه الطرق التي يستخدموها لإغواء الناس أنهم يبثون الأفكار الضالة والسموم المنحرفة في المناهج التعليمية".

فقال لي طفلي مندهشاً: "ولكن لماذا يفعلون هذا؟  نحن ما زلنا صغاراً، نحن لا نفهم هذا.  لماذا لا يذهبون إلى الكبار، ويكتبون ذلك في مناهجهم؟!!"

قلتُ له: "يا ابني، هذه هي وسائل الشيطان.  إن الكبار قد يدركون ألاعيب الشيطان، ولكن أنتم لا زلتم على براءتكم وطفولتكم، وليس عندكم من المعلومات الكثيرة التي تستطيعون بها أن تميزوا بها بين الحق والباطل، ولذلك هم يحاولون أن ينشئوكم على الضلال".

صرخ ابني في وجهي وقال: "ولكن هذا حرام يا أبي، هذا حرام!!  ما ذنبنا نحن؟!!  نحن لا نريد إلا أن نكون مسلمين.  نريد أن نكون طائعين لربنا.  فلماذا يحاولون أن يجعلونا كفاراً مثلهم؟؟"

قلتُ له: "يا ولدي، هذه هي ما تسمى بمعركة الإيمان والكفر؛ هذه المعركة هي معركة الحق والباطل.  إن الشيطان لم يكتفِ بأن امتنع عن السجود لأبينا آدم عليه السلام، وإنما أخذ على نفسه مهمة إغواء ذرية آدم كلهم إلا من عصمه الله".

فقال لي طفلي وكأن صوته قد بدأ يتغير ويبدو عليه الحزن: "أنا خائف يا أبي من أن يغويني الشيطان فأصبح كافراً".

قلتُ له: "أعوذ بالله يا ولدي.. أعوذ بالله.. لا تقل هذا، فأنت مؤمن، وستبقى بإذن الله مؤمناً".

ردَّ عليَّ طفلي: "ولكن، أنا لا أستطيع أن أُميِّز بين الحق والباطل، أنا ضعيف، أنا لا أعلم هذه الأشياء، وهم يستطيعون أن يغوونني".

قلتُ له: "لا تخف يا ولدي، إن مهمة الأبوين أن يُبَصِّرا أولادهم بهذه الأمور، وأن يُربُّوهم على طاعة الله، وينشئوهم على هداية القرآن ومحبة الله ورسوله، وإذا فعل الأبوان هذا فإن أطفالهم سينشئون بإذن الله متحصنين من وساوس الشيطان وأتباعه".

فقال لي طفلي: "ولكن يا أبي، أنا لاحظتُ أن هناك كثيراً من الأطفال لا يعرفون هذا، ويمكن أن يضحك الشيطان عليهم ويصبحوا كفاراً".

قلتُ له: "هذا صحيح يا ولدي.  لكن عليك أن تفهم أن هذه المعركة قائمة، وأنها في عصرنا هذا في أشد أوارها، فأعوان الشيطان أصبحوا كثرة، والمتمسكون بدين الله أصبحوا قلة، وأصبح أعوان الشيطان يوجدون في كل مكان".

قال لي ابني: "إذاً، فأنا خائف من أن أصادف أمثال هؤلاء ولا أعرفهم، ويقومون بمخادعتي وإغوائي".

قلتُ له: "إن علينا أن نحذر من هؤلاء، وعلينا أن نكون متيقظين لهم، لأنهم ليسوا في المدرسة فقط، فالمُدرسة التي شرحت لكم هذا الدرس وقالت لكم هذا الكلام هي تنقل هذا الكلام ولا تظن أنها تعصي الله، وهذا من إغواءات الشيطان، حتى أن الناس يصبحون لا يدركون ما هو حقٌ وما هو باطل، والناس الذين قاموا بكتابة المنهج أيضاً ضحك عليهم غيرهم من أعوان الشيطان، وأصبحوا هم أيضاً أعواناً للشيطان، ولكن أعوان الشيطان ليسوا فقط في المدرسة وإنما في كل مكان".

فردَّ عليَّ ولدي ويكاد صوته يجهش بالبكاء: "ولكن يا أبي أنت تخوفني أكثر.  هذا يعني أنني لا أستطيع أن أخرج من البيت!"

قلتُ له: "لا يا ولدي، إننا ما خُلقنا لأن نعيش متقوقعين في بيوتنا، ولو فعلنا ذلك لكثر أعوان الشيطان وعمَّ الفساد في الأرض، ولكن علينا أن نخرج ونواجه هؤلاء.  وعندما نرى أو نسمع شيئاً مخالفاً لتعاليم ديننا، فإن علينا أن نقف في وجه الناس الذين يرددون ذلك الكلام أو يقومون بتلك الأفعال المخالفة للدين، وأن نبين لهم الحق".

قال لي ابني: "ولكنني لا أعرف كل شيء عن ديني".

قلتُ له: "هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ أنت في سنِّك هذا ما زلتَ صغيراً، وبإذن الله سنحاول أنا وأمك أن نعلمك أمور دينك، وأن نهيء لك الفرص لتتعلم أمور دينك، فتنشأ مسلماً قويَّ الإيمان.

لكن الخطر الكبير هو في أولئك الأطفال الصغار الذين لم يجدوا في بيوتهم من يستطيع أن ينشئهم على طاعة الله، ولم يجدوا في مجتمعهم من يستطيع أن يأخذ بأيديهم إلى تقوى الله.  وهؤلاء الأطفال في خطر لأنهم عرضة لأن يتقبلوا مثل هذه الأفكار الهدامة فيقتنعوا بها، وهم عرضة أيضاً لأن يشبوا على الأفكار التي تُبَث في وسائل الإعلام من تلفاز وإذاعات وإنترنت وجرائد ومجلات".

فردَّ عليَّ طفلي مسرعاً: "لقد شاهدتُ في التلفاز كثيراً من الأمور التي أظنها تخالف تعاليم الإسلام، فقد شاهدتُ نساءً غير متحجبات، وهذا أمر لا يرضاه الله سبحانه وتعالى".

قلتُ له: "يا ولدي، لقد أصبحت هذه الوسائل في عصرنا من الوسائل التي يستخدمها أعوان الشيطان لإغواء الناس وإضلالهم وصرفهم عن دينهم".

فقال لي: "ولكن لماذا يفعلون كل هذا؟  ألا يخافون الله؟  ألا يعلمون أنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم سيذهبون إلى النار؟"

قلتُ له: "يا ولدي، إن الشيطان يصور لهم أن الذين يتمسكون بدين الله هم الشياطين، وأنهم هم الذين على الحق، ويصور لهم أيضاً أننا نحن متخلفون وأنهم هم المتحضرون، وأننا لا نستطيع أن نتنعم بملذات هذه الحياة لأننا نتمسَّك بديننا، ولكنهم هم الذين يعيشون حياة الرفاهية والتقدم.

هذه هي إغواءات الشيطان يا ولدي، ولذلك تجد أن الناس ينساقون إلى اتباع تلك الأساليب الضالة المنحرفة؛ لأنهم يعتقدون أن فيها ما يلبي رغباتهم وشهواتهم وملذاتهم، وأيضاً في نفس الوقت لا يريدون أن يوصفوا بالمتخلفين، كما يوهمهم الشيطان بذلك".

فقال لي طفلي: "ولكنني أشعر يا أبي بأنني إن لم أفعل شيئاً لمحاربة هؤلاء، فإنهم سيتغلبون عليَّ، وربما يستطيعون التأثير عليَّ".

قلتُ له: "هذا كلام صحيح، ولذلك علينا أن لا نقف مكتوفي الأيدي، وإنما علينا أن نقوم بتوضيح الأمور للناس".

فقال لي ولدي: "ولكن كيف؟  إذا قلتُ أنا مثلاً للمُدرِّسة الكلام الذي تقوله أنت لي فإنها ستخرسني وربما تضربني، وعلى الأقل ستحرجني أمام زملائي".

قلتُ له: "هذا صحيح، فإن المُدرسة تنظر إلى نفسها على أنها هي أعلم منك وأكبر منك وأنها لن تتلقى كلاماً من مثلك، ولذلك يحتاج من يكلم المُدرسة أن يكون أكثر منها علماً وفهماً".

فقال لي ولدي: "لماذا لا تكلمها أنت يا أبي؟"

قلتُ له: "يا ولدي، إن هناك الملايين من الناس الذين هم بحاجة إلى أن تُوضَّح لهم الأمور على حقائقها، وليس بمقدوري أنا أن أذهب إلى هذه الملايين شخصاً شخصاً وأكلمهم على انفراد، ولكن على المسلمين المخلصين أن يتعاونوا فيُكلم كل واحد منهم شخصاً، ويبقى معه، ويحاول أن يغرس فيه أسس الإيمان ومبادئ الإسلام، ويقنعه بالفكر الإسلامي الصحيح.  ويستمر ذلك الشخص في مصاحبة صديقه إلى أن يصبح من المتمسكين بدين الله، ومن الذين يحملون الفكر الإسلامي الصحيح.

والآن أصبح لدينا شخصان مؤمنان بالله، متمسِّكان بتعاليم الإسلام، وكل واحدٍ منهم عنده من العلم والفهم ما يستطيع به أن يؤثر على غيره من الناس.  ولو قام كل واحد من هذين الاثنين بتعليم الإسلام لشخص آخر جديد إلى أن يستقيم هذا الجديد على دين الله لأصبح عندنا أربعة أشخاص مستقيمين على دين الله.  وهكذا يبدأ الخير في الانتشار والشر في الانحسار.

ولكن علينا أيضاً أن لا نكتفي بمخاطبة الناس مشافهة فقط، وإنما علينا أن نعمل كل ما في وسعنا لتصحيح المفاهيم الخاطئة، والمفاهيم الضالة الهدامة، وذلك من خلال إلقاء المحاضرات، ومن خلال كتابة المقالات، ومن خلال تأليف الكتب. وعلينا أن نقوم بنشر كل ما نكتب، سواءً في الجرائد أو المجلات أو في الإنترنت.  علينا أن نقوم بكل هذا وأكثر من هذا، وإلا أصبحنا أنا وأنت وغيرنا من المسلمين في خطر، كما قلتَ يا ولدي".

قال لي ولدي: "وهل سيتركونني عندما أكبر، أم أنهم سيبقون يلاحقونني ويحاولون إغوائي؟"

قلتُ له: "يا ولدي، إن الشيطان لا ييأس من إغواء ابن آدم مهما بلغ من العلم، ومهما تقدم به السن، وهو يحاول إغواءه حتى وهو على فراش الموت.  وعندما تكبر بإذن الله سيواجهك الشيطان وأعوانه بوسائل أخرى وإغراءات مختلفة، فيحاولون أن يصرفوك عن دينك وعن الدفاع عن دينك بوسائل ظاهرها بأنها ليس فيها ما يخالف أمر الدين، ولكنها في حقيقتها من وسائل الشيطان التي يستدرج بها الإنسان شيئاً فشيء إلى أن يوقعه في الفخ".

فقال لي: "وما هي الوسائل التي يستخدمها الشيطان في إغواء الكبار يا أبي؟"

قلتُ له: "إنك تشاهد زملاءك الآن عندما يرجعون من المدرسة يتناولون وجبة الغداء ثم ينامون قليلاً ثم يسرعون إلى الملعب".

قال لي ولدي: "هذا صحيح، كلنا نذهب للعب الكرة".

قلتُ له: "ولكن يا ولدي، هل كل من يحضر معكم إلى الملعب يأتي وقد أدى صلاة العصر؟"

قال لي: "لا".

فقلتُ له: "وهل سألتهم لماذا؟"

قال: "أظنهم لأنهم يستيقظون، وقد فات وقت الصلاة".

قلتُ له: "إن هذا هو أحد أساليب الشيطان؛ فإنك عندما تأتي من المدرسة يحاول الشيطان أولاً أن يلهيك إلى أن يتأخر وقت نومك، وعندما تنام ويحضر وقت الاستيقاظ لصلاة العصر تكون أنت متعب جداً فيوسوس لك الشيطان بأنه ما زال الوقت طويلاً للصلاة، وبأنك متعب، وبأنه لا بأس بأن تصلي في البيت.

وعندما تستيقظ للصلاة وقد فات وقت صلاة الجماعة، تحاول أن تؤدي الصلاة في البيت، فيحاول الشيطان أن يُشغلك بأمور تافهة حتى يخرج وقت الصلاة، فإن لم يستطع فإنه سيحاول أن يشوش عليك الصلاة حتى لا تدري منها شيئاً، فتصليها على عجل وأنت لا تعي منها شيئاً.

والوسيلة التي يستخدمها هنا هو أن يحاول أن يوهمك بأن زملاءك قد وصلوا إلى الملعب، وأنك ستتأخر عنهم.  وعندما تذهب إلى الملعب فإنه يحاول أن يؤجج العداوة بينك وبين زملائك، فتسمع منهم السباب والشتائم، وهذا كله مخالف لديننا".

قال لي ولدي: "هذا صحيح يا أبي، فإني كثيراً ما أسمع منهم ما ذكرتَه من سباب وشتائم، فهم يسبُّون كل شخص، ويصفونهم بأبشع الألقاب دون ما داعٍ ولأتفه الأسباب".

قلتُ له: "هذا واحد فقط من أساليب الشيطان، فهو يحاول أن يوهمك ويوهم غيرك بأن ذهابك إلى الملعب هو مهم جداً لبدنك ولصحتك ولتقوية جسمك، ويحاول أن يبرهن لك ذلك بأن يقول لك مثلاً إن العقل السليم في الجسم السليم، وهذا كله صحيح، لكنه يهدف من وراء ذلك أن يبقيك متعلقاً بكرة القدم وبالذهاب إلى الملعب.

وعندما تصل إلى الملعب يكون قد جهز لك هناك أموراً أيضاً.  مثلاً، ستجد أن كثيراً من أصحابك الذين يذهبون إلى الملعب لا يرتدون اللباس الشرعي، وإنما يكشفون عوراتهم".

قال لي ابني: "هذا صحيح، فإن كثيراً منهم يرتدون ملابس ضيقة وقصيرة، وهم بذلك يكشفون عوراتهم للآخرين، وكثيراً ما نصحتُهم وقلتُ لهم بأن هذا لا يجوز، ولكنهم كانوا يسخرون مني عندما أقول لهم ذلك".

قلتُ له: "هذا من الأساليب التي يستخدمها الشيطان، والسبِّ والشتم هو من الأساليب الأخرى.  أيضاً ربما لاحظت أنه عندما يحين وقت صلاة المغرب يحاول الشيطان أن يوهمكم بأن وقت المغرب ما زال بعيداً، فتتأخرون في اللعب حتى تسمعون الأذان، وعندها تعودون إلى البيت وقد حان وقت إقامة الصلاة، فيحاول الشيطان أن يوهمكم بأنه لا يليق بكم أن تذهبوا إلى المسجد وأجسامكم كلها عرق وروائح وغبار، والصلاة يحتاج أن يؤديها الإنسان وهو نظيف الثياب طاهر الجسد.

كل تلك الإيحاءات الشيطانية تجعل الإنسان يبقى في البيت وهو يستحم ويتنظف، وتفوته صلاة الجماعة في المسجد، بل ربما خرج وقت الصلاة والشيطان ما زال يوهمه أن عليه أن يتطيَّب ويتزيَّن للصلاة ويقنعه بكيِّ ملابسه قبل ارتدائها ثم تبخيرها وتعطيرها، وهكذا إلى أن يوقعه في الإثم والمعصية".

قال ابني مندهشاً: "يا الله، إنني كثيراً ما أشعر بهذا".

قلتُ له: "تلك هي وسوسة الشيطان، ولو استطعتَ أن تتغلب عليه في مكان فإنه سيحاول أن يخدعك في مكان آخر.  مثلاً، إذا استطعتَ أن تفلت من قبضة الشيطان ووصلتَ إلى المسجد قبل إقامة الصلاة، فإنه يبقى يشوِّش عليك صلاتك، ويحاول أن يجعلك تتعجل في صلاتك، ويوهمك بأن عليك مذاكرة الدروس، وعليك حل الواجبات، ولا تظنه أنه يحبك وحريص على دراستك، وإنما يريد فقط أن يُفوِّت عليك الصلاة بحيث لا تعي منها شيئاً.

وبعد أن تنتهي من الصلاة وتحاول أن تجلس لمذاكرة دروسك يأتيك بشيء آخر، فيقول لك بأنه ما زال هناك متسع من الوقت لمذاكرة الدروس، فلماذا لا تجلس إلى التلفاز وتشاهد شيئاً من الرسوم أو الأفلام؟!"

قال لي: "وهذا صحيح أيضاً، فأنا عندما أكون في الصلاة أبقى أفكر في دروسي والواجبات التي عليَّ، وأحاول أن أعجل بنفسي في الصلاة لأجل الذهاب للبيت، ولكنني عندما أفرغ من الصلاة أنسى كل ذلك وأذهب إلى التلفاز".

قلتُ له: "ربما تلاحظ يا ولدي أن الشيطان لا يتركك لحظة واحدة، فهو يحاول أن يُفوِّت عليك كل ما فيه خير؛ فهو يحاول أولاً أن يصرفك عن دينك، وذلك بأن يوهمك بأن عليك أن تهتم بدراستك، وعندما تطاوعه في هذا وتحاول أن تذهب لمذاكرة دروسك فإنه يحاول أن يشغلك بشيءٍ آخر، وهكذا إلى أن يصل بك إلى أن تحرم نفسك من أمور فيها كثير من الخير، ثم لا يكتفي بذلك وإنما يحاول أن يوقعك في أمور الشر والضلال، والعياذ بالله".

قال لي ولدي: "ولكن هذه أساليب الشيطان، فماذا عن الأساليب التي يتبعها أعوان الشيطان من الإنس؟"

قلتُ له: "يا ولدي، إن الشيطان لا يكتفي بأن يوسوس في صدور الناس، وإنما يحاول أن يربي أتباعه على نفس هذه الأساليب، فتجد أن كثيراً من الناس يستخدمون نفس الأساليب التي يستخدمها الشيطان.  دعنى أسألك شيئاً".

قال لي طفلي: "تفضل".

قلتُ له: "جاوبني بصراحة، هل سبق لك أن دخنت السجائر؟"

سكت طفلي برهة، ثم ردَّ عليَّ بصوت خافت وقال لي: "نعم"، فأردت أن أسأله سؤالاً ولكنه قاطعني بسرعة، وقال لي: "ولكنني لم أفعل ذلك إلا مرة واحدة يا أبي".

قلتُ له: "وكيف فعلتَ هذا؟"

فقال لي: "لقد جاءني أحد زملائي في المدرسة، وقال لي: "تعال أريد أن أريك شيئاً"، وكنا في فترة الفسحة، فذهب بي إلى مكان منعزل عن بقية الأولاد، ثم أخرج من جيبه حبة سيجارة، وقال لي: "هل تعرف هذه؟"، فصرختُ في وجهه وقلتُ له: "هذه حرام، هذه سيجارة"، فقال لي: "إن رائحتها طيبة"، فقلتُ له: "إن هذا لا يجوز، هذه حرام"، فقال لي: "لكنها حرام عندما نشعل فيها النار، لكنني لا أشعل فيها النار لأنني أعرف أن ذلك حرام، وإنما أضعها في فمي وأمصها هكذا، فتأتيني برائحة طيبة منعشة"، فقلتُ له: "هذا لا يجوز"، فقال: "لا.  هذا يجوز، فهذه ليست حرام"، ثم قال لي: "جرب"، فقلتُ له: "لا، أنا لن أفعل"، فقال لي: "بل ستجرب"، وبقي يحاول معي إلى أن وضعتُ السيجارة في فمي، ثم رشفتُ الهواء فدخلتْ رائحة، وتذكرتُ قولَك لي وتحذيرك لي عن السجائر فرميتها، وقلتُ له: "أنا أظنها حرام حتى ولو لم تشعل فيها النار"، فحاول معي أن أضعها مرة أخرى في فمي، وهو يوهمني بأنها ليست حرام، فقلتُ له: "لن أفعل، وإن لم تكف عن هذا فسأخبر مدير المدرسة"، فقال لي: "لا، لا تفعل"، ثم أخذ السيجارة ووضعها في جيبه، ثم ولى هارباً عني، وهذه المرة الوحيدة التي فعلتُها، واستغفرتُ الله سبحانه وتعالى بعد ذلك".

فقلتُ له: "وهل تلاحظ الآن ما قلتُه لك يا ولدي؟  إن ذلك الطالب كان طفلاً مثلك، ولكنه أغواه أيضاً أحد الأطفال الآخرين.  فالشيطان يأتي ويحاول إغواء الناس بهذه الأساليب، فأنت تلاحظ بأن ذلك الطفل لم يطلب منك إشعال السيجارة وإنما طلب منك أن تشم رائحتها فقط، وهذه هي المرحلة الأولى.  وبعد أن ينجح في إقناع الناس برشف السجائر دون إشعال، يحاول بعد ذلك إغواءهم برشفها وهي مشتعلة، ثم بعد ذلك يتطور الأمر إلى استخدام المخدرات والعياذ بالله، ولذلك فعليك أن تحذر من كل مَن تتعامل معهم، سواءً كانوا من الصغار أو الكبار".

قال لي ولدي وقد أحس بالارتياح: "عندي سؤال آخر لك يا أبي".

قلتُ له: "تفضل".

فقال لي: "لقد أخبرتني يا أبي بأن الاختلاط بالأجنبيات حرام، أليس كذلك؟"

قلتُ له: "نعم".

قال لي: "أوليس الاختلاط حراماً في أيِّ مكان؟"

قلتُ له: "نعم".

قال: "حتى في المدرسة؟"

فقلتُ له: "ماذا تقصد؟"

قال لي: "إنك تعلم أن المدرسة التي أذهب إليها مختلطة، فيها البنات والبنين، وأن من يُدرِّسنا هم من المدرسين والمدرسات، فهل يجوز لنا نحن الأطفال أن نختلط بالفتيات الصغار؟  وهل يجوز للمدرسات أن تختلط بالمدرسين؟"

أحسستُ بأنه قد أثار قضية ًفي غاية الأهمية قد لا يستوعب هو فهمها وإدراك أبعادها، فقلتُ له: "يا ولدي، إن الاختلاط كما علمتك أنا وكما علمنا ديننا هو حرام في أيِّ مكان، سواءً كان في المدرسة أو في الشارع أو في المتجر أو في البيت، ولكن ما تشاهده في المدرسة هو من الضلال والانحراف الذي ألَــمَّ بمجتمعاتنا فأقصاها عن دينها.

نعم يا ولدي، إنه لا يجوز للأطفال الذكور أن يختلطوا بالفتيات، حتى وإن كانوا صغار السِّنِّ، لأن ذلك قد يعودهم على الاختلاط عندما يكبرون.  وأيضاً، لا يجوز للمرأة أن تختلط بالرجال، ولا الرجال أن يختلطوا بالنساء، ولكن كما أخبرتُك فإن أعوان الشيطان قد أصبح لهم في زماننا هذا صولات وجولات، فصاروا يُسخِّرون كل ما في وسعهم لإغواء الناس وإفسادهم وإخراجهم عن دينهم".

قال لي طفلي: "ولكن، كان بإمكان المُدرسات أن لا يرضين بالتدريس في المدارس التي بها رجال".

قلتُ له: "هذا صحيح، لو كانت هذه المُدرسات متمسكات بدينهن، فإن الدين هو الذي يعصم من غواية الشيطان، ولكن الشيطان يحاول أولاً أن يُقصي الإنسان عن دينه حتى يستطيع فيما بعد أن يضحك عليه ويغويه بأساليبه الضالة المنحرفة.

وليست مشكلة الاختلاط في المدرسة وحدها، وإن كانت المدرسة تعتبر من أخطر البيئات التي تقوم بعملية إصلاح الناس أو إفسادهم، وذلك لأنهم يتعاملون مع الأطفال الصغار مثلكم، وأنتم ليس عندكم المعرفة والدراية الكافية بالأساليب الشيطانية الخبيثة التي يستخدمها الكبار".

قال لي ابني: "يبدو أن هناك الكثير من الأمور التي عليك أن توضحها لي يا أبي".

قلتُ له: "هذا صحيح يا بني، وهذا من واجبي.  وواجب جميع الآباء والأمهات أن يربوا أطفالهم وأن ينشئوهم على طاعة الله وعلى منهج كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتفوا بما في مناهج المدرسة من العلم والمعرفة، فإنها إن سلمت من احتوائها على الأفكار الضالة المنحرفة، فإنها قد لا تستطيع أن تنشئ أطفالاً قادرين على مواجهة أعوان الشيطان الذين هم منتشرون في جميع مناحي هذه الحياة".

قال لي طفلي: "وأنا أريد يا أبي أن أكون مثلك على فهم ودراية بهذه الأساليب، وأن أدعو غيري إلى التمسك بدين الله".

قلتُ له: "بإذن الله ستكون خيراً مني، وستستطيع بإذن الله أن تأثر على زملائك من الأطفال، وعلى الشباب والرجال عندما تكبر، وأن تستخدم الأساليب التي أوصانا ديننا الحنيف باستخدامها، والتي تستطيع أن تواجه أساليب الشيطان وأعوان الشيطان.

إن عليك يا ولدي أن تتحلى بالصبر، فإنني لا أستطيع أن أعلمك كل شيء دفعة واحدة، وإنما يجب أن تكون لديك الرغبة والاهتمام بتعلم أمور دينك والتمسك بتعاليم هذا الدين لكي تستطيع أن تحظى بعناية الله سبحانه وتعالى ورعايته".

قال لي ابني: "أنا سعيد جداً بأن رزقني الله أباً مثلك، وإني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يطيل في عمرك لكي نستطيع أن نعمل سوياً في خدمة دين الله سبحانه وتعالى".

ابتسمتُ له وضممته إلى صدري، ثم قلتُ له: "بارك الله فيك يا ولدي، وبارك الله في أمثالك، وأسأل الله أن يحفظكم من الشيطان ومن وساوس الشيطان ومن ألاعيب الشيطان ومن أعوان الشيطان، وأن يلهمك الإيمان والعلم الرباني الذي تستطيع أن تميز به بين الحق والباطل، وأن تكون عوناً لهذا الدين وجنداً من جنوده بإذن الله".

قال لي ولدي وهو يعانقني بحرارة: "بإذن الله يا أبتي، بإذن الله".