حوارات هادفة (7)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع أستاذ الجامعة

الإصدار الأول

1432 هـ - 2010 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ أحضر مؤتمراً علمياً في إحدى الدول الغربية، وكان يجلس بجانبي شابٌّ صغير في العشرينات من عمره، وكنا ننتظر بدء المحاضرة الأولى، وكنتُ أتصفح جدول أعمال المؤتمر والمحاضرات التي ستلقى فيه، ورأيت الشاب يمسك بمجلة علمية وهو منهمك في القراءة، وكانت تلك المجلة هي إحدى المجلات العلمية المُحكمة وواحدة من المجلات المرموقة في علم الاقتصاد.

قلتُ لنفسي: "ما دام هنالك متسع من الوقت لبدء المحاضرة، فلماذا لا أتحدث مع هذا الشاب؟"  وما شجعني للحديث معه هو انهماكه في القراءة، رغم أني ألحظ عليه أنه شاب ملتحٍ وكأنه من إحدى الدول الإسلامية.

التفتُ إليه، وقلت له بابتسامة: "يبدو عليك أنك تقرأ بانهماك!"

أدار وجهه إليَّ، وقال وهو يبتسم: "حقاً".

مددتُ يدي إليه لأصافحه، وعرفتُّه بنفسي، فردَّ عليَّ قائلاً: "عماد"، فقلتُ له، وقد لاحظتُ عليه أن يتكلم الإنجليزية الفصحى: "من أين يا عماد؟"، فقال لي: "من باكستان".

فقلتُ لنفسي: "ربما أنه ولد وعاش هنا، ولذلك فلغته متقنة جداً"، فقلت له: "أراك تشارك في هذا المؤتمر، فهل أنت طالب أم أستاذ؟"

لم يرد عليَّ لا بهذا ولا بذاك وإنما قال لي: "إنما حضرتُ لأستفيد من هذا المؤتمر".

ظننتُ أنه لا يريد أن يخبرني بأنه طالب لأن غالبية الحضور من أساتذة الجامعات، فقلتُ له: "وهل ستشارك بشيءٍ في هذا المؤتمر؟"

فقال لي: "قدمتُ ورقة عمل، وقُبِلت، فأتيتُ لتقديمها على المشاركين".

فقلتُ له بتعجب: "ولكنني لم أر اسمك في قائمة المشاركين!"، فقال لي: "بل هو هناك".

بدأتُ أقلب صفحات كتيب جدول أعمال المؤتمر، وبدأتُ أقرأ أسماء المشاركين واحداً واحداً، ولم أر أياًّ منها باسم عماد، وإنما كان هناك أحد المشاركين باسم عماد الدين عبد الحكيم، فقلت له: "لقد قلَّبتُ صفحات جدول المؤتمر ولم أر اسمك!"، فأخذ جدول الأعمال الذي بيدي وفتحه على الصفحة الأولى، وأشار إلى اسم عماد الدين عبد الحكيم.

لقد ذهلتُ جداً عندما وضع إصبعه على ذلك الاسم؛ فقد رأيتُ أن اسمه يبدأ بلقب البروفيسور، وهو لقب الأستاذية، ولا يمنح إلا لمن كان عريقاً في تخصصه، وقد أنتج من البحوث والدراسات الشيء الكثير، فتعجبتُ لهذا الأمر، ثم غامرني شك في نفسي، وقد علمتُ أنه من باكستان، أنه ربما قد زوَّر شهاداته، وحصل على هذا اللقب بدون جدارة، ولكن قلت لنفسي: "وما يدريني، فلعلي أظلم هذا الأخ بما أفكر فيه".

التفتُ إليه وأنا أبتسم، وقلتُ له: "ما شاء الله، إذاً أنت البروفيسور عماد الدين عبد الحكيم؟"

هزَّ رأسه بالإيجاب، فقلتُ له: "ولكن فيما يبدو أن لقب الأستاذية لا يتماشى مع سنِّك، فأنت تبدو صغير السن!"

نظر إليَّ نظرة ريبة وتعجب، ثم قال لي: "ولكن يبدو لي أنك مستقيم!".

تعجبتُ من هذا الرد؛ فما علاقة ما قلتُه أنا له بموضوع الاستقامة؟  ثم قلتُ لنفسي: "ربما أحس بأنني أشك في نزاهته، ولذلك أراد أن يذكرني بإحسان الظن بالآخرين"، فقلتُ له بتعجب: "وما علاقة الاستقامة بما قلتُه لك؟!"

فردَّ عليَّ بنبرة فيها استغراب وتعجب أكثر من قبل وقال: "أعذرني يا أخي، فإني أظنُّك أيضاً أنك أحد أساتذة الاقتصاد؟"

فقلتُ له، وأنا في حيرة أكثر من قبل: "وأنا كذلك".

فقال لي: "أستاذ في الاقتصاد، ورجل يبدو عليه الصلاح والاستقامة، ولا يعي علاقة الاستقامة بما قلتُه؟!"

تحيرتُ أكثر من هذا السؤال، ولم أعرف إجابةً له، فقلتُ له: "والله يا أخي إنني لم أفهم ما تقصد".

أدار جسمه إليَّ، ثم قال: "يا أخي، صحيحٌ أنني ما زلتُ شاباًّ، ولم أتجاوز السابعة والعشرين من عمري، ولكنني نشأتُ في بلدٍ مسلم، ومن أبوين مسلِمَيْن علَّماني الاستقامة على دين الله منذ طفولتي، وبقيا يرويان شجرة الإيمان في قلبي إلى يومي هذا، وقد علَّماني أن الاستقامة على دين الله ليست في التمسك بالسنن المحمدية في المأكل والمشرب والهيئة فحسب، وإنما في الارتقاء بالفكر ليناطح هامات العلماء وعقول الفلاسفة والمفكرين، ولن يتأتى كل ذلك إلا بالجد والاجتهاد والصبر والمثابرة".

أحسستُ بأنني قد بدأتُ أعي ما يقصده هذا الأستاذ الجليل من معاني عظيمة، وفي نفس الوقت أحسستُ بالخجل من واقعي أنا، فأنا أفوقه سناًّ بأكثر من عشرين عاماً، وقد حصلتُ على شهادة الدكتوراه منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ولكنني إلى اليوم مازلتُ أحمل لقب الأستاذ المساعد الذي حصلتُ عليه بعد تخرجي.  كذلك، فطيلة هذه المدة لم ينُشَر لي إلا مقالين، ولم أحضر إلى بضعة مؤتمرات.  وها هو يجلس بجانبي شابٌ في السابعة والعشرين من عمره، ويحمل لقب الأستاذية، وأبحاثه لا تكاد تخلو منها مجلة علمية.  وما آلمني أكثر أن هيئتي يبدو عليها من الصلاح والوقار أكثر مما هو ظاهر على ذلك الشاب، وبدأتُ أدرك أنه فعلاً ليس الصلاح والاستقامة هو بمجرد التمسك بالهيئات ومزاولة بعض الأذكار والأعمال البسيطة، وإنما في تجسيد الاستقامة في حياة الإنسان وواقعه.

أحس الأستاذ عماد الدين بأنني أفكر في أمرٍ، فقال لي: "ما الأمر؟ هل آذيتك بأسلوبي؟"

قلتُ له: "على العكس يا سيدي، فإنك قد أوضحتَ لي حقيقةً غائبة عني، وإني أشكر الله أولاً ثم أشكرك على هذه المعلومة الطيبة التي أفدتني بها".

أحس البروفيسور عماد الدين بأنني بدأتُ أتجاوب معه، فقال لي: "يا أخي الكريم، إننا نحمد الله سبحانه وتعالى بأن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن كما أن الألقاب الأكاديمية لا تنال إلا بجدارة، فينبغي أيضاً أن لا يحظى بالانتساب إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من كان جديراً بحمل هذا اللقب".

أحسستُ وكأنني أسمع هذه الكلمات من عالمٍ في الشريعة أو العقيدة وليس من عالم في الاقتصاد، فقلت له: "كلامك حقٌ يا سيدي، وإن ما أتعجب منه هو أن يصدر هذا الكلام من أستاذٍ مرموقٍ في علم الاقتصاد، رغم أنني أعلم- حسبما شاهدته- أنه كلما تعمَّق الأستاذ في تخصصه كلما ابتعد عن دين الله".

فقال لي: "أنت محقٌ يا أخي فيما تقول، وهذه ظاهرةٌ أدركتُها منذ أن كنتُ طالباً في الجامعة، فإنني- حسب ما نشأتُ عليه من فكرٍ وفقهٍ وعقيدةٍ- كنت أحسب أن الأساتذة الذين سأجدهم في المرحلة الجامعية هم بأفضل حالٍ في الاستقامة على دين الله وفي ممارسة شرع الله في حياتهم من أساتذة الثانوية، ولكنني رأيتُ عجباً؛ فقد رأيتُ- كما قلتَ أنت- أن غالبية أساتذة الجامعات لا يعرفون من دينهم إلا القشور، ولا يتمسكون إلا بظواهر الأعمال.

ولقد حاولتُ في فتراتٍ أن أتحاور مع بعضهم حول هذا التناقض الفاضح بين واقعهم في تطبيق دينهم وواقعهم في مجال تخصصهم فكان الكثيرون منهم يقولون بأن الأكاديمي يحتاج إلى قضاء ساعاتٍ طوال في التدريس، وبين الكتب والأبحاث، وفي التنقل بين المؤتمرات وورش العمل، وهذا لا يترك له وقتاً بأن يتفقه في دينه ولا أن يمارس من شعائر الدين إلا ما كان فرضاً أو واجباً.

ولكن الأمَرَّ من ذلك أن بعضهم كان يقول: "إننا كأكاديميين ينبغي أن نعيش كأسرةٍ واحدة، وأن نختلط بغيرنا ونتعامل معهم كأبناء علات، وهذا يجعلنا في وضعٍ محرج من ممارسة شعائر دينا عندما نكون بينهم".  ولقد آلمني هذا الكلام وغيره مما يتشدق به أولئك العلمانيون، ولذلك آليتُ على نفسي أن أكون مثالاً يُحتذى به في العلم والاستقامة، وأن أجمع بينهما ليرى الآخرون أن تجسيد هذا الأمر على أرض الواقع هو ليس بالمستحيل على من وفقه الله".

لاحظنا أن فعاليات المؤتمر على وشك البدء، فقال لي الدكتور عماد الدين: "سنكمل الحديث فيما بعد"، فقلتُ له: "وهو كذلك".

صعد المقدِّم إلى المنصة، وافتتح المؤتمر، ثم دعا رئيس المؤتمر لإلقاء كلمته، ثم بدأ المشاركون في إلقاء محاضراتهم، وعندما جاء دور الدكتور عماد الدين لم يسع الحاضرون إلا أن يقوموا جميعهم احتراماً له.  وبدأ الدكتور عماد الدين يلقي كلمته، وافتتحها قائلاً باللغة العربية الفصحى: "بسم الله الرحمن الرحيم.  الحمد لله رب العالمين.  والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين"، ثم حياهم بقوله: "صباح الخير"، وواصل كلمته.

وقد كان الجميع مشدوداً لهذه الكلمة، نظراً لشهرة البروفيسور العالمية، ولأسلوبه الرائع في الإلقاء، ولمحاضرته القيمة ذات المغزى العلمي العميق.  كل ذلك جعل جميع الحاضرين يقومون له مرة أخرى بعد انتهاء محاضرته وهم يصفقون.

عاد البروفيسور إلى كرسيه، فقمتُ احتراماً له، وقلتُ له: "لقد كانت محاضرةً رائعة جداًّ"، فقال لي: "شكراً لك".

واصلنا الاستماع إلى المحاضرات الأخرى، إلى أن جاء وقت الاستراحة، وكان نصف ساعة قضيناها أنا والبروفيسور في إكمال حديثنا، حيث بادرني هو قائلاً: "تعلم يا أخي أنني أحسُّ بالأسى كثيراً عندما أرى قلة المشاركين من الدول الإسلامية في مثل هذه المؤتمرات، وأتألم أكثر من ذلك عندما أرى بعض المشاركين من المسلمين ولا تكاد أن تعرف من هيئته أنه مسلم، فضلاً عن سلوكياته وأقواله وأفكاره".

فقلت له: "يا سيدي، لو كان هذا الحال الذي ذكرتَه يقتصر فقط على الأيام التي يقضيها هؤلاء في مثل هذه المؤتمرات لهان الأمر، ولكن غالبية هؤلاء يتصرفون وهم في بلدانهم وفي جامعاتهم بأسوأ مما قلتَ؛ فقد رأيتُ الكثيرين منهم لا تهمه صلاة، ولا يراعي الله سبحانه وتعالى في مأكل أو مشرب أو ملبس، ومع كل هذا تراه غير مُجدٍّ ولا مخلصٍ في عمله، وإنما يحاول الالتفاف على الأنظمة والقوانين من أجل أن يريح نفسه من عناء التدريس وتبعاته، ولكنه- بالمقابل- تجده أحرص ما يمكن على مخصصاته المالية، ويحسبها بدقة، ويرفع الرسائل بالشكوى إن وجَدَ خطأً يتعلق بمرتبه أو إجازته أو مسماه، ولكنه إن كُلِّف بأمرٍ فيه مصلحةٌ للطلاب أو للقسم الذي يعمل فيه تراه يتملص منه ويحاول أن يأتي بالأعذار لإعفائه من تلك المهام".

كان الدكتور عماد الدين يهز رأسه أثناء حديثي، وكأنه يؤيد ما قلتُ، وبعد أن فرغتُ من كلامي قال لي: "إنك محقٌ في كثير مما قلتَ، ولكني أرى أن أمثال هؤلاء الذين ذكرتهم لا يمكن أن يقوموا بتلك الأعمال إلا إن وجدوا البيئة خصبة ومتهيئة لذلك، وإني أعتقد بأن هنالك خللٌ جوهريٌّ في نظام التعليم الجامعي في البلدان الإسلامية، فنحن لا نجد مخرجاتنا بالمستوى الذي عليه مخرجات الجامعات الغربية أو الشرقية.

وليس السبب لهذه المعضلة- فيما يبدو لي- أمرٌ واحد، وإنما هي في المقام الأول ثقافةٌ للمجتمع بأكمله، بجانب عوز النفوس إلى التربية الإيمانية الصحيحة التي تحفز المرء- سواءً كان طالباً أو أستاذاً أو إدارياً- على الإخلاص والبذل والعطاء.  ومن ناحية أخرى فهي بمثابة الرقيب الحقيقي الذي يرافق المرء أينما سار.

وعندما يضعف الإيمان في النفوس تضعف الرقابة، ويضعف الإخلاص، وتحل محله الشهوات والرغبات الشخصية والنزعات البشرية.  وكم كنتُ أتمنى أن أرى ولو جامعةً واحدةً في العالم الإسلامي تتبنى هذه المبادئ على جميع المستويات والأصعدة من رئيسها إلى كادرها الأكاديمي والإداري مروراً بالطلاب، فهذا جانبٌ من جوانب قصورنا كأمةٍ؛ فكما أننا لا نحمل من همِّها إلا الاسم، فكذلك فإننا لا نحمل من همِّ التعليم- سواءً كان الابتدائي أو الثانوي أو الجامعي- إلى الشارات والمسميات".

فقلت له: "يا أستاذي الجليل، إنك تدرك أن أمةً بذلك الاتساع الجغرافي وبتلك الحشود البشرية ليَصعُب عليها أن تجتمع على ما تقول".

فقال لي: "إنني لا أقول بأن يصبح كل أفراد هذه الأمة كما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ما أحلم به وأسعى إليه جاداًّ هو إيجاد ولو بذرةٍ واحدةٍ لهذا الأمل المنشود، وإني أدرك أنه قد يصعب على جميع الجامعات أن تتجاوب معنا، إلا أنه لا يمنعنا ذلك من أن نبدأ بالمخلصين من أمثالكم".

نكَّستُ رأسي، وقلت له: "العفو يا سيدي، فإنني كثير الكلام قليل الفعل".

فقال لي: "ولكن عندك الإيمان المستقيم والفكر القويم، وهما ما نحتاج إليه في جامعتنا المنشودة".

قلتُ له: "ولكن أرى أن هنالك معضلةٌ أكبر".

فقال لي: "وما هي؟"

قلتُ له: "إن إقامة جامعةٍ بالمستوى الذي ذكرتَه ليحتاج إلى بيئة تعليميةٍ وتربويةٍ ثرية، يسعى القائمون عليها لتفريغها مما تعاني منه بقية الجامعات من مصاعب وعقبات، وإيجاد ما تتميز به الجامعات العريقة في الدول الغربية والشرقية من إمكانيات وأساليب، وكل هذا- كما تعلم يا سيدي- يتطلب كوادر مؤهلة وموارد ماليةٍ عظيمة، فأين لكم بذلك؟"

رد عليَّ الدكتور عماد دين الدين بنبرة ملؤها الأسى والحزن، وكأنني قد ضربتُ على الوتر الحساس، فقال لي: "يا أخي، إن عالمنا الإسلامي ليُعتبر من أكثرِ مناطق العالم ثراءً، سواءً في الموارد الطبيعيةِ أو المالية أو حتى البشرية، ولكن للأسف فإن القائمين على تلك الموارد، أو بالأصح المتسلطين عليها، لا يريدون أن يُوجِّهوا تلك الموارد لخدمة الشعوب والارتقاء بالأمة، فهم لا يحملون مثل هذا الهمَّ، وهم بالمقابل يستغلون أيَّ موردٍ لمصالحهم الشخصية، وإلا فلو وُجِد التوجُّه السليم والنيات الصادقة لما أعيتنا الموارد.

ولكنك يا أخي محقٌ فيما قلتَ؛ فإن ظاهرة شح الموارد بالنسبة للجامعات في الدول الإسلامية لهي ظاهرة لا تخفى على أحد، ولذلك تحسُّ في بعض الأحيان بالشفقة على القائمين على تلك الجامعات؛ فهم مكتوفي الأيدي ولا يستطيعون الارتقاء بجامعاتهم لقلة الموارد.  ورغم أن الجامعات الأهلية الخاصة يفترض أن تكون أحسن حالاً من الجامعات الحكومية، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك؛ فقد اتجهتْ تلك الجامعات إلى استغلال ما تحصل عليه من موارد وعائدات لا لتطوير تعليمها والارتقاء بطلابها وأساتذتها، وإنما لنفخ جيوب أصحابها ومن يتعاملون معهم من السياسيين والمتنفذين في بلدانهم".

قلت له: "هنالك أمرٌ آخر أريد أن أسمع رأيك فيه يا سيدي، نظراً لما جمعتَ من إيمانٍ وفقهٍ وعلم".

فرد عليَّ البروفيسور قائلاً: "الحمد لله، هذا من فضل ربي".

قلتُ له: "ما هي نظرتك حول الدور الذي يجب أن تلعبه المرأة في التعليم الجامعي؟"

فقال لي وهو يبتسم: "يبدو أن عندك قائمة بالتحديات التي تقف حائلاً أمام نهضة الأمة"، فابتسمتُ ولم أقل شيئاً.

واصل البروفيسور حديثه قائلاً: "انظر هنا في هذه القاعة، كم ترى من النساء من الآلاف الذين يحظرون هنا؟"

أجلتُ ببصري في القاعة، فرأيت عدداً لا بأس به من النساء قلت له: "أظن أن ربع الحاضرين من النساء".

فقال لي: "وأنا أعتقد أن العدد هو أكثر من ذلك، ولكن انظر مرة أخرى، فكم تشاهد من نساء المسلمين، سواءً المتحجبات منهن أو غير المتحجبات؟"

نظرتُ مرةً أخرى في القاعة، فلم أر إلا ربما اثنتين أو ثلاث نساء، ولم تكن بينهم متحجبات.

فقال لي: "وكيف يمكننا أن ننهض بأمةٍ ليس لنسائها دورٌ في التعليم؟  إن غالبية النساء المسلمات لا يتعدى تعليمهن المرحلة الجامعية، وقليلٌ منهن من حصلْنَ على الدكتوراه، وغالبيتهن من اللواتي كُنَّ يعشْنَ في بلاد الغرب، أو ممن يعتَبِرْنَ أنفسهن من المتحررات، فلا حجاب ولا عادات ولا تقاليد ولا غير ذلك من أمور الدين وأعراف المجتمعات الإسلامية."

فقلت له: "ولكن يا سيدي في غالبية الدول الإسلامية أعداد الفتيات في التعليم الجامعي أكثر من الذكور، فلماذا لا نرى من هذه الجموع نساءً يواصلن تعليمهن ويصبحن أستاذات في الجامعات المختلفة؟"

فقال لي: "إنني أبحث في هذه القضية منذ سنوات، ولقد تناقشتُ مع العديد من الأطراف مثل أولياء الأمور والطالبات أنفسهن وأيضاً بعض المسئولين في الجامعات الحكومية وغير الحكومية، وقد خلصتُ إلى أن تعليم المرأة في بلداننا هو ليس لغرض التعليم وإنما لتحقيق مصالح أخرى، فهنالك ترى الإعلام في الدول الإسلامية يسوق النساء سوقاً للخروج من بيوتهن والالتحاق بالمدارس ثم الجامعات والكليات.

ورغم أن هذا فيه من الفوائد العظيمة على النساء أنفسهن وعلى مجتمعهن ما لا يخفى على عاقل، إلا أنه في البيئات الموجودة في غالبية الدول الإسلامية والتي راج فيها الفساد الأخلاقي والتحلل من القيم والأعراف أصبح لخروج المرأة إلى التعليم غرضٌ آخر، ولذلك فربما لا يخفى عليك حال كثيرٍ من الجامعات والكليات في الدول الإسلامية والتي أصبحتْ مواطن لتفريخ الموضات وابتكار أساليب الرذيلة ونشرها، ولا يمكن لطالبٍ أو طالبةٍ وهما يعيشان في سن المراهقة وفي بيئةٍ مهيأة لكل ما هو شائن، لا يمكن لهؤلاء أن يتفوقوا في دراستهم، ولذلك يتخرج غالبية جموع الطلاب الجامعيين بمعدلاتٍ متدنية، وبالطبع يكون الهمُّ التالي هو الحصول على وظيفة، سواءٌ كان الأمر يتعلق بالشاب أم الفتاة.

وقد أصبح إعلامنا لا يرحم في هذا الجانب؛ فالفتاة التي تختار لنفسها الزواج والبقاء في البيت هي فتاةٌ متخلفة، ومع مراعاة كثير من الجامعات في الدول الإسلامية للمعايير الدولية فإنها لا تستطيع توظيف خريجات الجامعة للسلك الأكاديمي إذا لم يحملن شهادة الماجستير أو على الأقل كُنَّ من المتفوقات في دراستهن، ولذلك تختار المرأة لنفسها العمل والحصول على المرتب بدل أن تكِدَّ وتجتهد للحصول على شهادةٍ تعليميةٍ أخرى".

قلتُ له: "هل تعني بقولك هذا يا سيدي أن نمنع الفتيات من التعليم الجامعي؟"

فقال لي: "يا أخي الكريم، إنك تعلم أن أمة الإسلام أمة رسالة وهداية، ولا ينبغي لمن كان هذا حالها أن تحكم بالجهل على نصف المجتمع.

إننا- كأمة دعوة وأمة إصلاح- يجب أن لا نترك أيَّ فردٍ من أفراد المجتمع إلا وقد تحلى بالعلم ووصل فيه إلى أعلى المراتب.  لكن الكلام الذي سقتُه لك يجعلنا نفكر ملياً في أحوالنا، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم الجامعي.

إننا في الوقت الذي نريد فيه الفتاة المسلمة أن تلتحق بالجامعة علينا أن نُعِينها على التمسك بدينها والتحلي بالأخلاق والفضائل أينما كانت، وحيث أن غالبية المسلمين في هذا العصر هم جهلة بدينهم فإنه يكون من لوازم التعليم الجامعي أن يبث الفضيلة بين الدارسين والعاملين، وأن يحرص على أن يتخرج الشاب والفتاة من الجامعة وهما يحملان أوسمة التميز وشهادات التقدير في أمور العقيدة والفقه والدعوة كما يحملان تلك الأوسمة والشهادات في العلوم النافعة".

قلتُ له: "يا سيدي، إنني أعلم نُبل ما تقوله، ولكن إذا كانت الجامعات في الدول الإسلامية لا تكترث كثيراً حتى بالارتقاء بالمستوى التعليمي بأبنائها، فكيف لها أن تهتم بهم في مجال الفضائل والأخلاق والقيم؟!  وإذا كان غالبية القائمين على تلك الجامعات هم من العلمانيين، أو على أقل تقدير من غير المكترثين بالدين والقيم والفضائل، فكيف لهم أن ينشئوا مثل تلك الأجيال التي تتحدث عنها؟  وإذا كان غالبية الكوادر الإدارية والفنية في الجامعات هي أيضاً بمنأى عن دينها وقيمها، فأنى لهم أن يكونوا قادرين على أن يُبصِّروا طلابهم وينشئوهم على الفضائل والأخلاق والقيم؟!"

رد عليَّ البروفيسور قائلاً: "يا أخي العزيز، إني أشاطرك الرأي في أن ما تتحدث عنه هو الواقع في غالب أرجاء هذه الأمة، ولكنني أتحدث عن نهضة جديدة ومسيرة رائدة تقتلع ما ساد في المجتمع من جذور الشر وبؤر الفساد ثم تعمد إليه بالإصلاح والتوجيه والإرشاد ثم تواصل الارتقاء به وبأبنائه في النواحي المختلفة.

ولكون حديثنا ينصَبُّ حول الجامعات أو التعليم الجامعي، فلذلك قلتُ بأنه يجب إعادة صياغة مناهج التعليم الجامعي في العالم الإسلامي لتكون مركز إشعاعٍ وهداية للقلوب في الوقت الذي تكون فيه مصدر توجيهٍ وإرشادٍ للعقول، وهذا يتطلب ليس إصلاح الطلاب فقط، وإنما إصلاح كافة الأطراف المرتبطة بالتعليم الجامعي، وإذا كان الأمر لا يتأتى فعله في جميع الجامعات فلا بأس أن نبدأ به في بعضها، وإذا كان أمر التغيير سيستغرق سنين طوال فلا مفر من أن نبدأ به من الآن، وعلينا ألا نهتم كثيراً بحصر النتائج بقدر ما نهتم بمقدار الجهد الذي نبذله في هذا الإطار."

قلت له: "وهل تعتقد بأن سيكون هنالك ثمة تجاوبٍ، وأنت تعلم الحالة المزرية التي وصلت إليها الجامعات في عالمنا الإسلامي؟"

فقال لي: "يا أخي، إن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فقد جاء إلى مجتمعٍ يخالف تماماً ما جاء به، واستطاع في بضعةٍ وعشرين وعاماً أن يُحوِّله إلى خير أمة أخرجت للناس.

فنحن نعلم يقيناً أن مجتمعاتنا الإسلامية رغم ما فيها من انحرافٍ وابتعادٍ عن منهج الله سبحانه وتعالى إلا أنها ما زالت في حالٍ أفضل بكثير من حال الجاهلية الأولى، وإن بذور الخير منتشرة في أرجاء المجتمع، وما علينا إلا أن نبحث عن تلك البذرات الطيبة، فنغرسها في الأرض الخصبة، ونرويها بماء الإيمان بالله والثقة بنصره والاعتزاز بدينه، ومتى بدأت النبتات تطفو على السطح، فلا بد للآخرين من أن يشاهدوها، وعندئذٍ علينا مواصلة الاهتمام بها ورعايتها، وما إن تبدأ تلك الغرسات المباركة تزهر وتثمر حتى تبدأ بذرات الخير تنتشر، سواءً في أرجاء الجامعات والكليات أو في المجتمع بأسره".

قلتُ له: "ولكن كما ترى أن هذا عملٌ بطيءٌ، وقد يحتاج إلى سنين طويلة إلى أن يبدأ ذلك الغرس يؤتي ثماره".

فقال لي: "يا أخي، عليك أن توقن حقيقة مهمة، وهي أنه ليس أنا وأنت أول من يتحدث عن هذا الموضوع، ولن نكون أول من يقوم بعمل خير في هذا الجانب، ولكن سبقتنا إلى الخير نفوس طيبة ساقها القدر لحمل لواء هذا الأمة وإعزازها، وقد بدأتْ تلك القلوب المؤمنة والنفوس الطاهرة في غرس بذور الخير في بلدانٍ شتى وأماكن مختلفة، وإنه ما إن نشرع نحن للعمل في هذا الجانب حتى نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع غرساتٍ نبتت منذ أمَد، وكادت أن تزهر وتثمر، ولن تحتاج منا مثل تلك الغرسات إلا قليل عنايةٍ وتوجيه حتى نراها بإذن الله تؤتي أكلها كلَّ حينٍ بإذن ربها".

فقلتُ له: "يا سيدي، والله لو وُجد اليوم في هذه الأمة أفرادٌ قلائل من أمثالك بمثل فكرك وثاقب نظرك وخالص إيمانك لتبدل حال الأمة سريعاً".

فقال لي: "أستغفر الله، يا أخي لا تقل هذا؛ فإنني لا أساوي شيئاً مع الأعداد الكثيرة المنتشرة في بلداننا الإسلامية والتي تحمل هَمَّ هذا الدين، وتعمل ليل نهار لنصرته ورفعة لوائه.

إنني أرى أن من كبرى التحديات التي تواجه هذه الأمة هو البحث عن بذور الخير وغرسات الإيمان التي تنتشر في كل بقعة من هذا العالم، ولكنها مطمورة وتعمل في صمت، وما علينا إلا التعرف عليها، وتوحيد جهودها، وتوجيه أهدافها لتتماشى مع أهداف النهضة المرجوة لهذا الأمة".

قلتُ له: "ولكن يبقى أمرٌ آخر يا سيدي".

فقال لي: "وما هو؟"

قلتُ له: "قد يكون إصلاح النفوس والارتقاء بها أمر مقدور عليه، وإن كان ليس بالأمر الهيِّن، ولكن أنّا لنا أن نواكب ما وصل إليه الغرب والشرق من علومٍ ودراساتٍ، وما شيَّده من مؤسسات عملاقة ومصانع راقية وحضارةٍ معماريةٍ لا تضاهى، وأنظمةٍ للحياة والتعليم والاقتصاد والسياسة وغيرها نفتقر نحن إلى معظمها؟"

فقال لي: "أبشر يا أخي فإن ما ذكرتَه، وإن كان يبدو واقعاً في هذا اليوم، إلا أن النهضة المرجوة لهذه الأمة ستكون شاملة بإذن الله، والأمة كما تحدثنا من قبل لا تنقصها الكوادر البشرية ولا الموارد الطبيعية، ولا الإمكانات المالية.  وإذا استطعنا توجيه التعليم في بلداننا لينشأ الطفل منذ نعومة أظفاره وهو متحفزٌ للعطاء، جادٌّ في السير، مستعدٌ للبذل والتضحية، وفي نفس الوقت متحلٍّ بالقيم والفضائل، ومتمسك بمبادئ الدين، إن استطعنا ذلك فإن حال الأمةِ سيتغير بلا شك".

قلت له: "لقد طفنا كثيراً لنتعرف على أدواء هذه الأمة، وتعرَّضنا لبعض سبل العلاج، وسؤالي إليك يا سيدي هو: وماذا علينا أن نفعل الآن؟  إن الجلسة القادمة للمؤتمر على وشك البدء، واليوم سينتهي، وأخاف أن لا تسنح لنا فرصة أخرى للقاء هنا، فماذا تنصحني أن أفعل؟"

فقال لي: "أصدقك القول يا أخي بأن لقائي بك قد أثلج صدري كثيراً، وخاصة أني وجدتُ غرسةً قد بدأتْ تزهر وتثمر".

فقلتُ له وأنا أنكس رأسي: "أستغفر الله يا سيدي، لا تقل هذا".

فقال لي: "هذه ليست مجالة، وإنما هي حقيقة، فإننا نبحث عن أمثالك، ومتى ما استطعنا التعرف عليها فعلينا أن لا ندعها تبقى مطمورةً بين صخب المجتمع وضجيجه، وإنما علينا أن نبدأ في تفعيلها.

وإني سأكون بإذن الله على اتصالٍ دائمٍ بك، وستجمعنا بإذن الله جلساتٍ وجلسات.  ولكن أحب أن أقول لك ولأمثالك من أساتذة الجامعات بأنه قد حان الوقت للمراجعة، فليست عزتكم في ما نلتموه من شهادات عالية، ولا فيما حصلتم عليه من مراكز مرموقة، وإنما عزكم وشرفكم ورفعتكم هو بانتسابكم إلى هذا الدين، والتشرف بحمل لوائه ونشر قِيَمه ومبادئه.

وها أنا أقول لكم جميعاً بأن التعلل بأن العمل الأكاديمي يضيع الأوقات ويُفوِّت الفرص، وأنه لا يمكن الجمع بين الدين والعلم، فأقول لكم بأن هذا أمرٌ باطل وبأنها أعذارٌ لمن انحطت همته وتعفَّن فكره وخلى قلبه من روائح الإيمان، وما عليكم إلا المبادرة للعودة إلى هذا الدين.

بادروا أولاً لإعادة أنفسكم وأهليكم إلى حوزة هذا الدين، فتمسكوا به وعضوا عليه بالنواجذ.  وكما أنه لا حياة للأكاديمي إلا بالبحوث والدراسات، كما يقولون، كذلك فلا حياة للأكاديمي المسلم إلا بالقرآن ثم البحوث والدراسات.  وإذا كنتم تقضون الساعات الطوال بين طلابكم وبين الكتب والبحوث فاقضوا ساعاتٍ مماثلة بين هؤلاء الطلاب لتوجيههم إلى الخير وحفز همهم إلى الإصلاح، وحاولوا أن ترتقوا بهم إيمانياً وعلمياً وسلوكياً، وتعاونوا فيما بينكم كأقسامٍ وكلياتٍ لوضع مشاريع لنهضة الأمة والارتقاء بها، وحاولوا أن توجهوا دراساتكم وبحوثكم لتخدم هذه الأمة، وعندئذٍ سنجد بإذن الله أن بذور الخير قد بدأت تنتشر، وأن الزهرات اليانعة قد قاربت أن تتفتح، وبإذن الله سيتبدل الحال وتصحو الأمة ويهبَّ أبناؤها لدفع مسيرتها إلى المجد والعلو، وعندئذٍ لن نصبح في مثل هذا المؤتمر غرباء؛ الكل ينظر إلينا وكأننا جئنا من كوكب آخر، وإنما سنصبح أصحاب القيادة والريادة، وسيصبح الآخرون تبعاً لنا في الفكر والعلم والحضارة".

قلتُ له: "أشكرك يا سيدي على هذه النصيحة الطيبة لي ولإخواننا من الأساتذة الجامعيين وغير الجامعيين، وإني أعاهدك أن أكون عند حسن ظنك، وبإذن الله أنا متحفزٌ لأن أرى الغرسات الطيبة قد بدأت فعلاً تبزغ وتنمو وتزهر وتثمر".

فقال لي: "بارك الله فيك يا أخي، ولقد سعدتُ بلقائك، وإني أسأل الله سبحانه وتعالى لك ولي ولسائر المؤمنين الهداية والتوفيق، إنه ولي ذلك والقادر عليه".

قلت له: "جزاك الله خيراً، ولك مثل ذلك بإذن الله، وعسى أن نلتقي قريباً بإذن الله".

فقال لي: "أسأل الله ذلك".