حوارات هادفة (10)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع إمام المسجد

الإصدار الأول

1432 هـ - 2010 م




 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ قادماً من العاصمة وحضرت صلاة المغرب، فقلت لنفسي: "أقف عند أحد المساجد القريبة من الشارع العام، وأصلي المغرب فيه".  واصلتُ سيري قليلاً، ثم رأيتُ أحد المساجد الصغيرة، فدخلتُ باتجاه المسجد، وأوقفتُ سيارتي، ثم توضأتُ، وكان أذان المغرب لم يحن بعد.  وعندما أردتُ دخول المسجد شاهدتُ لوحةً معلقةً على الجدار الخارجي للمسجد، فقلتُ أتصفح هذه اللوحة إلى أن يحين أذان المغرب.

عندما قربتُ من اللوحة وبدأتُ أقرأ، أثارني ما وجدتُ في تلك اللوحة؛ فقد كانت- رغم صغر حجمها- تحتوي على معلومات قيِّمة، بألوانٍ وتنسيقاتٍ جميلة، فيستطيع المرء من خلالها أن يحصل على معلوماتٍ كثيرة تهمه في أمور دينه وحياته.

ورأيتُ إعلاناتٍ لدوراتٍ تعليمية وفعاليات ثقافية، وكان هنالك جدولٌ يوضح تلك الأنشطة والفعاليات التي تقام بعضها في المسجد وبعضها في مقر فريق الرياضة في القرية نفسها.  وكانت هنالك أنشطة يومية تقام في المسجد؛ فهنالك تلاوة جماعية للقرآن بعد صلاة الفجر، وهنالك قراءة من كتاب بعد صلاة العصر، وهنالك تفسير آية بعد صلاة المغرب.  عجبتُ لأمر هذا المسجد الصغير في الحجم والمزدحم بمثل هذه الأنشطة المفيدة، فقلتُ سأحاول بعد الصلاة بإذن الله أن أتعرف على القائمين على هذا المسجد.

دخلتُ المسجد فوجدت شاباًّ مستقيماً في العشرينات من عمره يجلس بجوار المحراب وهو يقرأ القرآن.  ما كنتُ أودُّ أن أقطع عليه تلاوته غير أنه رآني قادماً وعرف أنني لست من أهل تلك القرية فقام إليَّ وسلم عليَّ، فسألته: "كم تبقى على أذان المغرب؟"، فقال: "حوالي خمس دقائق".

فقلت في نفسي: "سأحاول أن أسأل هذا الشاب علَّه يدلني على من يقوم بتلك الأنشطة".

فقلت له: "هل أنت من أهل هذه القرية؟"

فقال لي: "لا".

فقلتُ له: "أنت إذاً مثلي مسافرٌ، حضرتكَ الصلاة، فجئتَ إلى هنا؟"

فقال لي: "لا، إنما أنا إمام المسجد".

فقلتُ له: "ولكنك قلتَ أنك لست من أهل هذه القرية!"

قال: "أنا من منطقة تبعد من هنا أكثر من ساعتين"

فقلتُ له: "إذن أنت مقيمٌ هنا؟"

فقال لي: "نعم، توجد غرفةٌ صغيرة بجانب المسجد، وأنام فيها".

قلتُ له: "وهل أنت مُعيَّنٌ من قبل الوزارة؟"

فقال لي: "نعم".

فقلتُ له: "ولكن اليوم الخميس، وهو إجازة، فلماذا أنت هنا؟"

ابتسم الشاب، ثم قال لي: "وهل في أداء الصلاة إجازة؟"

قلتُ له: "ما أعلمه أن أئمة المساجد يؤمون بالناس الصلوات الخمس من السبت إلى الأربعاء، ثم يتوجهون إلى بيوتهم الأربعاء، ثم يحضرون لأداء صلاة الجمعة، إن كانت تقام في المسجد صلاة جمعة، وإلا فإنهم يبدؤون دوامهم مرة أخرى من يوم السبت".

فقال لي: "هذا صحيح، ولكنني لا أريد أن أكون مثلهم".

قلتُ له: "ومتى إذن تذهب إلى بلدك؟"

فقال: "أذهب في فترات مختلفة في أيام الأسبوع؛ ففي بعض الأحيان أذهب مرة واحدة في الأسبوع، وفي أحيانٍ أخرى مرتين، وفي أوقاتٍ غيرها أكثر من ذلك، بحسب الظروف، وأحياناً أذهب بعد العشاء وآتي قبل الفجر".

فقلتُ له: "إذاً، فأنت تؤدي جميع الصلوات في هذا المسجد؟"

فقال لي: "في الغالب نعم، إلا إن كنتُ مسافراً إلى العاصمة أو إلى منطقة أخرى".

قلتُ له: "أريد أن أسألك عن أمر".

نظر الشاب إلى الساعة، ورأى أن الوقت قد حان لأذان المغرب، فقال لي: "لقد حان وقت الآذان الآن، فما رأيُك أن نؤجل الحديث إلى ما بعد الصلاة؟"

فقلتُ له: "وهو كذلك".

أذن الشاب لصلاة المغرب، ثم انتظر قليلاً، وبدأ المسجد يزدحم بالمصلين، وخاصةً الأطفال والشباب، فقلتُ في نفسي: "يبدو أن هذا المسجد يقصده المسافرون كثيراً".  وبعد أداء الفريضة والسنة الراتبة رأيتُ المصلين لم يبرحوا أماكنهم، وإذا بذلك الشاب يلتفت إليهم، ويخرج ورقةً من جيبه، ويبدأ في تفسير إحدى الآيات.

كان الجميع- وخاصةً الأطفال والشباب- مشدودين إلى أسلوب هذا الشاب وطريقة إلقائه؛ فهو يجمع بين المعلومة والعبر والعظات بأسلوب ممتع وواضح.  بقي في تفسيره للآية حوالي عشر دقائق، ثم أنهى حديثه ورأيتُ الناس ينصرفون، وبقيتْ مجموعة من الأطفال والشباب وبعض الكبار، تناول كلٌّ منهم مصحفاً، وبدأ يقرأ فيه.

رآني الشاب جالساً في مكاني، وأتى إليَّ، فقمتُ وسلمتُ عليه، وقلتُ له: "جزاك الله خيراً على ما قدمته من تفسير لتلك الآية".

فقال لي: "أشكرك على ذلك، وما رأيك أن نذهب إلى غرفتي ونكمل حديثنا هنالك حتى لا نشوِّش على مَن في المسجد؟"

استصوبتُ رأيه، فقلتُ له: "هيا بنا".

خرجنا من المسجد، وتوجهنا إلى غرفةٍ ملحقةٍ بالمسجد، وفتح الباب، ثم قال لي: "تفضل".

دخلتُ، فإذا بها صغيرةٌ جداً، بحدود المترين في ثلاثة أمتار، وبها سريرٌ متواضع وبعض الكتب المركونة بجانب الجدار، فقال لي: "تفضل"، وأومأ لي لأجلس على السرير.

فقلتُ له: "سأجلس على الأرض".

فقال لي: "لا، ستجلس هنا".

جلستُ على السرير، وجلس هو بجانبي، ثم قال لي: "تفضل، أكمل حديثك".

قلتُ له: "قبل أن أدخل إلى المسجد شدَّ انتباهي لوحةٌ معلقةٌ على الجدار، ووجدتُ عليها معلومات قيِّمة، وجدول فيه الأنشطة والفعاليات التي تقام في هذا المسجد وفي البلدة، فاستحسنتُ ما كان هناك، وأحببتُ فقط أن أتعرف على القائمين على هذا المسجد لأستفيد منهم".

فقال لي: "يا أخي الكريم، إنني عُيِّنتُ إماماً لهذا المسجد منذ بضعة أشهر، وعندما قدِمتُ إلى هنا كان لا يحضر صلاة الجماعة إلا بضعة أفراد غالبيتهم من المسافرين، فبدأتُ أتعرف على هذه البلدة، فوجدتُ أن بها عدداً لا بأس به من الشباب والأطفال والرجال والنساء، فقلتُ ربما يؤدون الصلاة في مسجدٍ آخر، فوجدتُ أن هنالك مسجداً آخر على طرف البلدة، ولا يذهب إليه إلا القريبون منه.

بدأتُ أبحث في الأمر، فوجدتُ أن غالبية أهل هذه البلدة يؤدون الصلوات في بيوتهم، وغالبية الشباب والأطفال يأتون من المدرسة أو الملعب، ثم يتوجهون إلى بيوتهم ويؤدون الصلاة هنالك، فعقدتُ العزم على أن أغير هذا الوضع في هذه البلدة، فبدأتُ أضع بعض البرامج التي قد تثير اهتمام الناس، وتُعرِّفهم بأمور دينهم، فلم أر تجاوباً يُذكَر، وكان يحضر الدرس أو الخاطرة شخصٌ أو شخصان فقط، فقلتُ في نفسي: إن رفضوا هم أن يأتوا إلى المسجد فسأذهب إليهم أنا.

وبدأتُ أذهب إلى الناس، وأتعرف عليهم، وأدخل إلى بيوتهم، وأجلس معهم، وبدأتُ أبحث عن سبب عزوفهم عن المسجد، فوجدتُ أن غالبيتهم يجهل أحكام الدين، ولا يعي فرضية الجماعة، ولا أهمية المسجد والدور الذي يفترض أن يقوم به والرسالة التي يحملها.  وكان عند البعض نفورٌ من المسجد بسبب الشخص الذي كان يؤمُّ الناس قبلي في هذا المسجد؛ فكان أسلوبه فظاًّ، وكان لا يراعي ظروف الناس، ولا يحاول أن يهتم بشؤونهم أو يعلمهم أمور دينهم، ففي معظم الأحيان يكون منشغلاً بأمور تجارته، وكثيراً ما كان يتغيب عن الصلوات، وعلى كل حال رأيتُ أن الأمر يحتاج إلى إصلاحٍ فوضعتُ لنفسي خطة لتفعيل دور المسجد وإرجاع الناس إليه".

فقلتُ له، وأنا أتعجب من حديثه: "يا أخي، يبدو عليك أنك لست كأئمة المساجد الآخرين؛ فما هو معروفٌ عنهم أنهم لا يؤدون إلا صلاة الجماعة، ولا يقومون بأنشطة أخرى، ولا يكترثون بمن يحضر المسجد أو يتغيب عنه، وكل ما يهمهم هو أن يحصلوا على راتبهم في نهاية الشهر".

فقال لي الشاب: "صحيحٌ ما تقول، ومما آلمني كثيراً هو أنني عندما بدأتُ في الاهتمام بهذا المسجد وفي تفعيل دوره، تلقيتُ مكالماتٍ من كثيرٍ من أئمة المساجد الذين أعرفهم، وكانوا يعيبون عليَّ ما أقوم به، ويتعللون بأن لا فائدة من الناس، ولا جدوى من الاهتمام بهم، وأن كل ما سيحصل عليه الواحد من قِبَلهم هو الشكاية والسخرية، وكنتُ أقول لهم: "إنني لا أفعل ما أفعله من أجل الناس، وإنما أفعل ذلك أداءً للأمانة التي حمَّلني ربي إياها"، فكانوا يقولون لي: "إنك فرد واحد لن تستطيع أن تغير شيئاً في مجتمع عمَّ فيه الفساد، وضعف فيه أمر الدين"، وكنتُ أرد عليهم بأنه ليس من شأني أن أهتم بمن يستجيب لي، فذاك أمرٌ موكول إلى الله، وكل ما يهمني هو أن أؤدي هذه الأمانة على أكمل وجه".

فقلتُ له: "جزاك الله خيراً يا أخي على هذا الكلام، فإنها حقاً أمانة عظمى، وإذا كان أئمة المساجد يريدون أن يتنصلون عن هذه الأمانة- وهم قدوة للناس- فأيُّ معنى لإمامتهم للناس؟  أهي تأدية ركعاتٍ فقط، أم أنها مسيرة تغييرٍ وإصلاح؟؟!"

فقال لي: "كما أخبرتك يا أخي، فإنني لستُ من أهل هذه البلاد، وأنا في نظر هؤلاء غريبٌ ودخيل، ولكن يشهد الله أنني قد أصبحتُ كواحدٍ من أبنائهم، بل إنهم يقدمونني في بعض الأحيان على أبنائهم، ورغم صغر سني إلا أن الكبار والشباب يأتون إليَّ، ويستشيرونني في أمورهم الخاصة".

فقلتُ له: "يا أخي، إنك بما تقوم به لتجسد أنموذجاً فريداً لما ينبغي أن يكون عليه الشاب المسلم، وخاصةً الدعاة منهم، ولكن أخبرني عن قائمة الأنشطة التي رأيتُها مذكورة في ذلك الجدول، كيف تستطيع أن تقوم بها بنفسك؟"

فقال لي: "يا أخي، إن مَن يحمل هماًّ فلا بُدَّ أن يجد الوسيلة التي ستسهل عليه وتعينه على إنجاز المهمات التي يحمل همها، وصحيح أنني أجهد نفسي كثيراً في البحث عن أفكارٍ جديدة لتحفيز الناس- وخاصةً الشباب والأطفال- على المشاركة والبذل والعطاء، إلا أنني أجد متعةً كبيرةً في ذلك، وأحس بمتعةٍ أكبر عندما أرى تلك الأفكار قد تجسدَّت على أرض الواقع، ولم تأتِ تلك الأنشطة اعتباطاً، وإنما حاولتُ أن أعالج من خلالها قضايا وجوانب قصورٍ عند الناس في هذه البلدة".

فقلتُ له: "ألا يساعدك أحدٌ في إقامة تلك الفعاليات والأنشطة؟"

فقال لي: "بالطبع، إنه لا يمكنني أن أحقق شيئاً من ذلك إلا بالاستعانة بالله أولاً، ثم بالآخرين- وخاصةً الشباب-، وقد أدركتُ هذا من أول وهلة، ولذا كنتُ أذهب إلى الفريق الرياضي في البلدة وأتعرف على الشباب هنالك، ثم بعد أن بدأتُ أرتبط بعلاقات طيبة مع بعض الشباب، بدأتُ أشاركهم فيما يقومون به، وكنتُ من خلال تلك المشاركات أقوم ببعض النصح والتوجيه، ولكن بطريقة غير مباشرة وغير منفرة، حتى بدؤوا يألفونني، فاستطعتُ أن أقترح عليهم بعض الأنشطة، والتي رأيتُها مقبولة عندهم، فرحَّبوا بها.  وبدأ الفريق ينشط والفعاليات تكثر، وكنتُ أقوم بدور التوجيه، ثم تدريجياً استطعنا أن ننقل بعض الأنشطة إلى المسجد، وانتقل معها أيضاً المهتمون بها والمنظمون لها".

قلت له: "ما شاء الله، يبدو أن الله سبحانه وتعالى قد وهبك فقهاً في التعامل مع الناس وإرشادهم وإصلاحهم".

فقال لي: "يا أخي، في اعتقادي أننا جميعاً نحمل همَّ إصلاح هذه الأمة، وإرشاد وتوجيه أبنائها إلى الخير والصلاح، وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة فإنه- بلا شك- سيحاول جهده في الوصول إلى تفاصيلها، وهذا ما كنتُ أفعله؛ حيث كنتُ أكثر من القراءة والمطالعة والاستماع إلى المحاضرات والتحاور مع الدعاة والمصلحين، حتى استطعتُ أن أُكوِّن فكرةً لا بأس بها عن الدعوة وأساليبها".

فقلتُ له: "الحقيقة أنني معجبٌ بهذا الأسلوب الفريد الذي تنتهجه، ولو أن أئمة المساجد قاموا بمثل ما تقوم به لاستطعنا أن نؤدي ولو بعض ما يشترطه علينا ديننا".

فقال لي: "يا أخي الكريم، هذه مجرد محاولات واجتهادات، وكما ذكرتُ لك فإن ما علينا القيام به هو أن نُجهِد أنفسنا في تبليغ هذه الأمانة، ونترك الباقي على الله سبحانه وتعالى، فهو الذي بيده الهداية للعباد والسداد للأعمال".

قلتُ له: "صدقتَ يا أخي، ولكن أخبرني: هل تستعين ببعض الكتيبات والأشرطة في دعوتك لهؤلاء الناس؟"

فقال لي: "إن الداعية لا يستطيع أن يحوي من العلم وأساليب الدعوة ما يضمن به كسب قلوب الناس، ولذلك فلا بُدَّ له من أن يستعين- بعد الله سبحانه وتعالى- بتجارب الآخرين وعلمهم، ولا أنسَب من الكتيب الصغير والشريط المناسب للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.  ولذلك، فينبغي أن يكون إمام المسجد كريماً رحيماً عطوفاً، وعليه أن يقتني أنواعاً من الكتيبات والأشرطة والتي يمكن أن يستعين ببعض الدعاة والعلماء لانتقاء الأصلح منها والأكثر تأثيراً في الدعوة".

فقلتُ له: "ولكن، ألا تجد صعوبةً في إهداء تلك الكتيبات والأشرطة إلى الناس؟"

قال لي: "إنني لا أقوم بإهداء تلك الكتيبات والأشرطة بطريقة مباشرة إلا نادراً، وخاصةً عندما يسألنني شابٌ عن موضوع معين أو كتيب بعينه فإني أقدمه له وأخبره بأنه يمكن أن يحتفظ بتلك النسخة له، ولكن في أغلب الأحيان أهدي تلك الكتيبات والأشرطة بطريقة غير مباشرة، وذلك كرصد بعضها كجوائز لبعض الأنشطة والفعاليات التي نقوم بها".

فقلتُ له: "ولكن المعروف أنه لا يفوز في الأنشطة والفعاليات والمسابقات إلا ثلة محدودة من الناس، وغالباً ما يكونون من المتميزين فماذا عن البقية؟"

فقال: "صحيحٌ ما تقول، ومن ناحية فهذا ما يهمنا نحن؛ حيث أننا نهدف إلى انتقاء الأنسب والأقرب إلى التأثر والإصلاح.  ولكن أيضاً نضع في الاعتبار أن نُشرِك ولو بعض الآخرين للحصول على تلك الكتيبات والأشرطة؛ كأن نوزع مثلاً أرقاماً للجمهور، وعندما ننادي بأحد الأرقام ويقوم ذلك الشخص نكون قد أعددنا له سؤالاً بسيطاً، ونحن ندرك أنه سيعرف إجابته، ولكن الغرض أن نهديه كتيباً أو شريطاً".

فقلت له: "هذا جيد، ولكن ماذا عن اهتمامكم بالنساء والفتيات؟"

فقال لي: "كما أخبرتك يا أخي، فإنني لستُ من أهل هذه البلدة، ولذا فكان من الصعب عليَّ في البداية أن أوجه أنشطتي إلى النساء والفتيات، ولكن بعد أن بدأتُ أتعرف على الناس وأكسب ودَّهم، استطعتُ أن أنفذ إلى جانب النساء ببعض الطرق التي ابتكرتها لمحاولة نقل ما نقوم به من أنشطة وفعاليات إلى الجانب النسائي.

فمن الطرق التي استخدمتها هو أنني كنتُ أستعين ببعض الإخوة الذين أرى فيهم الصلاح، ومن خلالهم كنتُ أوجههم لتوجيه أخواتهم أو بناتهم للقيام ببعض الأنشطة البسيطة.  أما الطريقة الثانية فهي أننا كنا نطرح بعض الأنشطة العامة وندعو فيها النساء للمشاركة، فمثلاً كنا نطرح مسابقاتٍ ثقافية ونجعل الباب مفتوحاً لمن يريد أن يشارك من النساء والرجال والشباب والفتيات.  وعندما كنا نقيم بعض الفعاليات الأخرى كالمحاضرات والمهرجانات الإنشادية وغير ذلك، كنا بالطبع نُشرِك النساء في الحضور.

كل ذلك شجع النساء على القيام بأنشطة مماثلة فيما بينهن.  وقد استطعتُ أن أواكب جهودهن من خلال الاستعانة- بعد الله سبحانه وتعالى- بأخواتي اللواتي كُنَّ يَقُمْنَ بأنشطةٍ مماثلة في بلدتنا، فكنت أُحضِر أخواتي في بعض الفعاليات وأدعوهن إلى التعرف على الفتيات في هذه البلدة وتوجيههن إلى المشاركة، وتوجيه أنشطتهن لتتماشى مع ما نريد تحقيقه".

فقلتُ له: "جزاك الله خيراً يا أخي، فإن تنويع مثل هذه الأنشطة والفعاليات لهو من الأهمية بمكان، بحيث يستوعب فئات المجتمع المختلفة، وقد ذكرتَ قبل قليل بأنكم تقومون بأنشطةٍ وفعاليات على مستويات كبيرة كالمهرجانات الإنشادية، فكيف يتحقق لكم القيام بمثل هذه الفعاليات، وهي تحتاج إلى جهدٍ ومالٍ كبيرين؟"

فقال لي: "كما تعلم، نحن إمكانياتنا المادية محدودة، وهذه البلدة صغيرة من حيث عدد سكانها ومن حيث مساحتها، ولذلك بدأتُ أزور القرى المجاورة وأتعرف على ذوي الصلاح والخير فيها، وبدأنا نعمل سوياًّ لإنجاز مثل هذه الفعاليات، وكنا نتعاون أيضاً في توفير مستلزماتها المالية والمادية.

وعندما رأى أهل البلدة ما حققناه من نجاحاتٍ في الفعاليات المختلفة التي قمنا بها لم يبخلوا هم علينا بالمال ولا بالمشاركة، ولذلك تشجع الكثير من الشباب والأطفال، وصرتُ أنا الذي أرد طلباتهم لإقامة مثل تلك الفعاليات والأنشطة، حيث أنني لا أريدها أن تطغى على حساب أنشطةٍ أخرى".

قلتُ له: "وهل تقومون بأنشطةٍ أخرى خارج البلدة؟"

فقال لي: "نعم.  في البداية كنتُ أدرك أن الرحلات لها دورٌ مهمٌ في النفوذ إلى القلوب، وفي كسر الحواجز بين النفوس، فلذلك قمتُ بترتيب بعض الرحلات إلى بعض المناطق الأثرية والسياحية، وكنتُ أهتم كثيراً بالشباب والأطفال، واستطعنا منذ حوالي شهرين أن نرتب لرحلةٍ للعمرة، وقد كان لها أثرٌ بالغٌ في نفوس الناس، حيث أن الكثيرين منهم لم يذهبوا إلى العمرة من قبل".

فقلتُ له: "إنني أدرك الجهود الكبيرة التي تبذلها هنا في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن لماذا لا تحاول أن تنتقل إلى أحد الجوامع الكبيرة فتستطيع التأثير على شرائح أكبر من الناس، وأيضاً ستكون عندك الفرصة للتأثير على الناس من خلال خطبة الجمعة؟"

فقال لي: "يا أخي، إن الدعوة إلى الله- كما أخبرتك- لا تهتم كثيراً بالنتائج؛ فالنتائج نكل أمرها إلى الله سبحانه وتعالى، وكل ما يهمنا هو أن نقوم بما افترضه الله علينا على أكمل وجه.  ولذلك، فلستُ أبالي أن أكون في مدينة كبيرة أو قرية صغيرة، بل ربما تكون القرية الصغيرة أنسب للدعوة، وخاصةً لأئمة المساجد الذين ليس عندهم الكثير من العلم وأساليب الدعوة، فتكون فرصتهم للارتقاء بأنفسهم أكبر عندما يكونون في مسجدٍ صغيرٍ وبين مجموعةٍ محدودة من الناس.

أما بالنسبة لصلاة الجمعة، فكما تعلم أن هذا المسجد الذي عُيِّنتُ إماماً فيه لا تقام فيه صلاة الجمعة، ولكن بعض الإخوة- جزاهم الله خيراً- قد سعوا لأن أخطب الجمعة في أحد الجوامع القريبة من هنا".

قلتُ له: "إذاً، فأنت أيضاً خطيب جمعة؟"

فقال لي متواضعاً: "لقد طلبوا مني أن أقوم بذلك فاعتذرت لهم، ولكنهم لم يتركوا لي مجالاً بل ألحوا عليَّ، فوافقتهم عندئذٍ".

فقلتُ له: "وهل تجد صعوبة في الإعداد للخطبة أو في إلقائها؟"

فقال لي: "أما الإلقاء، فبحمد الله قد رزقني الله قدرة على الخطابة الارتجالية.  وأما بالنسبة لتحضير الخطبة فإني أجهد نفسي كثيراً في أن أقدم للناس ما ينفعهم ويبصرهم بأمور دينهم، ولذلك فإني أقضي وقتاً كبيراً كل أسبوع للإعداد للخطبة".

فقلتُ له: "ولكنك أخبرتني بأنك معينٌ من قبل الوزارة".

فقال لي: "وأنا كذلك".

فقلت له: "وما أعلمه هو أن الوزارة ترسل إلى خطباء الجوامع كل أسبوع الخطبة التي يريدونهم أن يلقوها على الناس، أفلا تتقيد بها؟"

فقال لي: "يا أخي، إنني لو تقيَّدتُ بكل ما تمليه عليَّ الوزارة وتشترطه لما استطعتُ القيام بأيَّ شيء، فأئمة المساجد مقيدون في طبيعة الأنشطة التي يمكنهم القيام بها؛ فيجب ألا تتعدى إمامة الناس في الصلاة وإلقاء خطبة الجمعة لأئمة الجوامع، وإن كان ثمة أنشطة أخرى فيجب أن تكون في قراءة القرآن وربما في تحفيظه، وما عدا ذلك من أنشطة فالوزارة لا تسمح بها".

قلتُ له: "إذاً، لم تقوم أنت بكل هذه الأنشطة؟!  ألا تخاف أن تطردك الوزارة من وظيفتك؟"

فقال لي: "عندما أفكر في مثل هذا، فإني أوازن بين التكليف الذي جاءني من عند الله سبحانه وتعالى وبين التكليف الذي يأتيني من قبل الوزارة، فأرى أن تكاليف الله سبحانه وتعالى أولى بالاتباع، وعندما أوازن بين الخوف من عقوبة الخالق من تقصيري فيما افترضه عليَّ وفي عقوبة الوزارة في طردي من الوظيفة، فإن هذه العقوبة لا تساوي شيئاً مع عقوبة الله".

قلتُ له: "ولكنك، شابٌّ صغير السن، وتحتاج إلى الراتب لتوفير مستلزماتك الشخصية وربما مساعدة أهلك".

فقال لي: "يا أخي الكريم، إنه من يتق الله فإن الله يجد له مخرجاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ولستُ أخشى على هذه الوظيفة، ولا أعدُّها وظيفة من الوزارة بقدر ما هي وظيفة من الله سبحانه وتعالى، فلا يهمني ما تفعله الوزارة بي بقدر ما يهمني رضا الله عني".

قلتُ له: "الحقيقة، أني أبارك لك هذا الفكر النيِّر، والجرأة في قول الحق، وحرصك على طاعة الله سبحانه وتعالى والدعوة إلى دينه، وما دعاني إلى فتح هذا الموضوع هو ما رأيتُه من جمود معظم أئمة المساجد؛ فلا تجد الواحد منهم يقوم بأيِّ نشاطٍ آخر سوى إمامة الناس في الصلاة، وما إن يفرغ منها حتى يُولِّي هارباً إلى بيته، ولا يأتي إلا إلى الصلاة الأخرى، وعندما تحاوره حول ذلك يقول لك: إنني موظفٌ من قبل الوزارة، وملزَمٌ بأن أتقيد بأوامرهم".

فقال لي: "والله، إني أحس بالشفقة على هؤلاء؛ فإني أخشى أن ينزل عليهم عقاب الله لتقصيرهم في حقه وحق عباده.  إن الفهم الخاطئ الذي بات شائعاً عند أئمة المساجد هو أن وظيفة إمام المسجد هي فقط إمامة الناس في الصلاة، وهذا غير صحيح؛ فإن الناس- في معظم الأحوال- بمقدورهم أن يقدموا أحدهم لإمامتهم في الصلاة، ولكن الناس بحاجةٍ إلى من يبقى بينهم ويوجههم ويبصرهم بأمور دينهم.

وإذا كنا نعدُّ المسجد حجر الزاوية بالنسبة للمجتمع، وملتقى أفئدة المؤمنين، فإن إمام المسجد يعتبر بمثابة الموجه والناصح والقائد لجموع الناس إلى الخير والصلاح، وإذا كان المسجد هو منبر هداية وإصلاح، فلا بُدَّ لإمام المسجد أن يكون له الدور الرائد في ذلك".

فقلتُ له: "أنت محقٌ يا أخي، ولكن ماذا نفعل وقد ابتلانا الله سبحانه وتعالى بأئمة جهلة لا يفقهون من أمور دينهم إلا تلك الركعات التي يأدونها أمام الناس بتمسكٍ وخشوع، وهم يحسبون أنفسهم أنهم قدوة في الزهد والورع والتقوى، ولم يعلم أولئك أن تقوى الله سبحانه وتعالى هو في تنفيذ ما أمر وفي البعد عما نهى عنه وزجر".

فقال لي: "إنني أعتقد يا أخي أن أية مسيرة إصلاح لأيِّ مجتمع من مجتمعات المسلمين وغير المسلمين لا بُدَّ أن تبدأ من المسجد، ولا بُدَّ أن يتم اختيار أئمة المساجد بعناية وإتقان، ليؤدون رسالتهم كما أمرهم الله سبحانه وتعالى واستوثقهم عليها وحمَّلهم أمانة تبليغها".

قلتُ له: "جزاك الله خيراً يا أخي على ما أفضتَ به، وسامحني إن أطلتُ عليك، وأظن أن الوقت قد حان لأذان العشاء، فسأصلي معكم العشاء بإذن الله، ثم أنصرف".

فقال لي: "الحقيقة أنني سعدت كثيراً بلقائك، وأتمنى أن تجمعنا لقاءات أخرى، وأنت تعرف مكاني ولا تنساني من دعائك وأيضاً من زياراتك".

قلت له: "سأفعل بإذن الله".