حوارات هادفة (4)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع ولدي المراهق

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ مستلقياً على السرير عندما طرق ابني الذي يدرس في الصف الحادي عشر الباب، ودخل فسلَّم عليَّ، فرددتُ عليه السلام، ثم قال لي: "أريدك أن تعطيني خمسة دنانير".

فقلتُ له: "ولأيِّ شيءٍ تريدها؟"

قال لي: "أريد أن أذهب في رحلة".

قلتُ له: "مع مَن؟"

فردَّ عليَّ قائلاً: "وما دخل هذا بالنقود التي ستعطيني إياها؟"

قلتُ له: "لا بُدَّ أن أعرف مع من تريد أن تذهب في هذه الرحلة".

فردَّ عليَّ بغضب قائلاً: "هل لا بُدَّ أن تتدخل في كل أمور حياتي؟"

قلتُ له: "يا بُنيَّ: أولاً لا يليق أن تقول هذا الكلام لأبيك، ثم إنه من واجبي أن أعرف ماذا يريد ابني أن يفعل، ومع مَن سيذهب".

فقال لي: "وماذا يفرق؟ إنني أعرف من أصاحب، ولا أريد أحداً أن يخبرني مَن أصاحب ومَن لا أصاحب".

قلتُ له: "يا بُنيَّ: عندما كنتَ طفلاً رضيعاً كان من واجبنا أنا وأمك أن نحافظ عليك من أن يصيبك أذى، وعندما بدأتَ تكبر بقينا أيضاً نراقبك لألا يصيبك مكروه، وبقينا أيضاً قريباً منك لنختار لك الرفقاء الطيبون.

وواجبنا لا ينتهي هنا، وإنما علينا أن نعرف مَن تصاحب، حتى وإن كنتَ في هذه السن.  ومن واجبنا أيضاً أن نحافظ عليك، فإنك ما زلتَ عرضة للإيذاء الجسدي النفسي والفكري والأخلاقي".

فردَّ عليَّ ولدي قائلاً: "ولكنني قد أصبحتُ كبيراً، ولم أعد طفلاً صغيراً حتى تُبقي مراقبتك لي، وتُكيل عليَّ كما تعودتُ دائماً النصائح والاقتراحات والتوجيهات.  إنني أريد أن أتصرف بنفسي لأنني لم أعد طفلاً صغيراً وإنما أصبحتُ شاباً كبيراً".

قلتُ له: "أنا لا أريد أن أتحكم في حياتك، أو أن أملي عليك نصائحي وتوجيهاتي إلا بما يُعينك على المضيِّ في مراحل هذه الحياة بأمان".

فقال لي: "يكفي أنَّ من سأذهب معهم هم أصدقائي".

قلتُ له: "ولكن هذا لا يكفيني، فأنا أريد أن أعرف عنهم بعض الأمور".

فردَّ عليَّ بتهكم قائلاً: "إذا كنتَ تريد أن آتيك بصورهم فسأفعل".

فقلتُ له: "يا بُنيَّ: دع عنك هذا الأسلوب، فإنني لا أقول ما أقوله لك إلا مراعاة لمصلحتك وشفقة عليك.  دعني أسألك أولاً: إلى أين ستكون هذه الرحلة؟"

قال لي: "لا أدري، ثم إنه لا يهمني ذلك. أنا أريد فقط أن أذهب وأبتعد عن البيت، وأكون مع أصحابي".

قلتُ له: "يا بُنيَّ اعقل!!  يا بُنيَّ، إنه لا يصلح أن تذهب مع أناس لا تعرف عنهم شيئاً".

فردَّ عليَّ صارخاً في وجهي: "ومَن قال لك إني لا أعرفهم؟  إنهم زملائي وأعرف عنهم الكثير".

قلتُ له: "إذاً، لماذا لم يخبروك إلى أين ستذهبون؟"

فقال لي: "أنا لم أسألهم، ولو سألتهم فلن يمانعوا".

فقلتُ له: "وهل هؤلاء الأشخاص من الناس الذين نراهم في المسجد؟"

قال لي: "وهل تريدني أيضاً أن أصاحب المطاوعة؟!!"

قلتُ له: "يا بُنيَّ: قلتُ لك: دع عنك هذا الأسلوب. إن أسلوب السخرية والتهكُّم بالناس، والتهكُّم بأمور الدين أمر لا يرضاه الله ورسوله، ويجب عليك أن تختار من تصاحب، فإذا كان هؤلاء لا يشهدون المسجد فمعنى هذا أنهم قد يكونوا لا يُصلُّون".

قال لي: "وما دخلي أنا؟!!  أنا لا أصاحبهم لأجل صلاحهم أو لأجل فسادهم".

قلتُ له: "إذاً، ولأجل أي شيء ستصاحبهم؟"

فقال لي: "أريد فقط أن أفرج عن نفسي، وأذهب لأرى مناطق لم أرها من قبل".

قلتُ له: "ولكن إذا ذهبتَ مع أناسٍ لا يُأتمنون فإني أخاف أن يجروك لأمور لا يرضاها الله ورسوله".

فردَّ عليَّ صارخاً: "تظن بأنك فقط الوحيد الذي يعرف الخير، وأن بقية الناس مجرمين؟!!"

قلتُ له: "يا بُنيَّ: أنا لم أتهم أحداً، ولكن أنا أقول لك بأن عليك أن تتعقل وأن تعرف مَن تصاحب، فإذا كنتَ لا تعرف عنهم ما إذا كانوا يُصلُّون أو لا يُصلُّون، فالأَوْلى ألا تصاحبهم؛ لأنهم ربما يفعلون في هذه الرحلة أموراً لا يرضاها الله ورسوله، وربما هم لن يخبروك بها. دعني أطرح عليك سؤالاً آخر: سألتُك أولاً: إلى أين ستذهبون، فقلتَ لا تعرف، والآن أسألك: ما هو برنامجكم؟"

ردَّ عليَّ قائلاً: "ماذا تقصد؟؟  هل لا بُدَّ لكل الرحلات أن يكون لها برامج؟"

فقلتُ له: "إذا كنتَ ستخرج مع آخرين، وتقضي معهم ساعات، وربما اليوم بطوله..."

فقاطعني قائلاً: "إنه ليس يوماً واحداً، وإنما سنقضي يومَيْ الإجازة في هذه الرحلة".

قلتُ: "إذاً، ستقضي يومين مع أناسٍ ربما لا يُصلُّون، وربما سيفعلون في هذه الرحلة أموراً لا أريدك أن تفعلها!"

فقال لي غاضباً: "أظن أن عليَّ أن أقبع في سريري، لكي تشاهدني أمامك طيلة وقتي".

قلتُ له: "أنا لا أريدك أن تبقى هنا، بل أريدك أن تخرج، وأريدك أن ترى بديع صنع الله في هذا الكون.  لكن أريدك أن تتخير من تصاحب، ماذا لو حدث لكم أمر؟..."

قال لي مقاطعاً: "إنك هكذا دوماً متشائم، وماذا سيحدث؟!!"

قلتُ له: "سبحان الله، الأمور علمها عند الله سبحانه وتعالى، وما تدري أن أمراً سيقوم به أصحابُك قد يؤدي بكم إلى التهلكة في هذه الحياة، وربما في الآخرة والعياذ بالله!!".

قال لي متذمراً: "لا حول ولا قوة إلا بالله".

قلتُ له: "أجل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولكن ألم تخبرني بأنه منذ أقل من شهر قد حدث حادث سير توفي فيه أحد أصدقائك؟"

قال: "بلى، ولكن ما علاقة هذا بذاك؟"

قلتُ له: "متى توفي ذلك الشخص؟"

قال: "في الليل".

قلتُ له: "ومن أين كان آتٍ؟"

قال: "أخبرتك بأنه كان ذاهب مع بعض زملائه، وكان يسرع في الطريق، فتدهورت السيارة فمات". ثم عقَّب مباشرة على كلامه، وكأنه أدرك ما أقصده فقال لي: "ولكن هؤلاء ليسوا مثله؛ إنهم ليسوا متهورين".

فقلتُ له: "كيف عرفتهم؟"

قال لي: "خرجتُ معهم بعض المرات، فلم أشاهد أنهم متهورون".

قلتُ له: "ولكنكم إذا ذهبتم بعيداً فإن الشيطان قد يُسوِّل لهم السرعة الجنونية، وتكون عاقبتها وخيمة للجميع، وأنا- كما تعلم- أخاف عليك كثيراً، ولا أريد أن يصيبك أيُّ أذى".

فقال لي: "هذا يعني أنني لن أخرج مع أحد، حتى وإن كان للنزهة، لأنك لا تثق بأيِّ شخص آخر".

قلتُ له: "أنا أثق فيمَن هم يؤتمنون على المصاحبة".

قال لي: "ماذا تقصد؟"

قلتُ له: "إذا كان هؤلاء لا يأتون إلى المسجد، فهذا يعني أنهم مقصرون في حق الله.  إذاً، فهم خائنون للأمانة التي استودعها الله إياهم، وإذا كانوا لا يُأتمنون على حقوق الله فكيف تريدني أن أأتمنهم عليك وعلى أمثالك؟"

لم يردَّ عليَّ ولدي بشيء فتابعتُ حديثي معه قائلاً: "وهل أحدٌ من زملائك الذين تريد أن تخرج معهم يدخن؟"

فقال لي: "التدخين ليس له علاقة بالخوف، فإنني لن أحترق إن قام هو بالتدخين!!"

قلتُ له: "لم أقصد أن يحرق ثيابك أو جسدك، ولكنه إن كان من المدخنين، فقد يجرُّك إلى التدخين.  كذلك، فإن كان يدخن فقد يفعل أيضاً أموراً أخرى كتعاطى المخدرات وشرب الخمور أو غير ذلك".

فقال لي غاضباً: "وماذا عليَّ أنا مما يفعلونه هم؟!!  عندما أذهب معهم فلا يهمني ماذا يفعلون!!  المهم أنني لا أفعل مثلهم".

قلتُ له: "يا بُنيَّ: قد تكون اليوم قادراً على ضبط نفسك، ولكن أمثال هؤلاء عندهم من أساليب الإغراء ما يستطيعون أن يؤثروا به عليك.  وإن خرجتَ معهم فلا يُستبعَد أن يوقعوك في مأزق، ويُخيِّرونك بين فعل ما يفعلونه أو إيقاعك في ورطة أو مشكلة".

أحسستُ بأن كلامي قد بدأ يدخل في قلبه فقال لي: "لقد حاولوا معي ذلك من قبل، ولكنني لم أطاوعهم".

فقلتُ له: "إذا كنتَ قد صمدتَ في المرة الأولى، فإنك قد لا تستطيع الصمود في المرات الأخرى، لأنهم قد يأتونك بأساليب جديدة قد لا تستطيع أن تحصنك من مكرهم".

فقال لي: "وماذا أفعل؟  إنني إن رددتُ عليهم بأني لن أذهب معهم فإنهم سيغضبون عليَّ".

قلتُ له: "هذا نوع من الإرهاب النفسي الذي يمارسونه معك؛ فهم يوهموك بأنهم سيغضبون عليك، وبأنهم سيقفون في وجهك، وبأنهم سيقومون بأمور تخشى من أن يقوموا بها لو لم تنفذ ما يطلبونه منك.  لكن عليك أن تدرك أن الله- سبحانه وتعالى- قد أعطى الإنسان عقلاً يستطيع به ميزان الأمور، وقد تجني لذة عاجلة من فعل شيءٍ ما، ولكن ربما ستتجرع بسبب تلك اللذة العاجلة غصصاً كثيرة، وتعض أصابع الندم".

فقال لي: "ولكن يا أبي، أنت تعرف أن الوقت الآن فترة إجازة، وأنا لا أريد أن أبقى طيلة وقتي في البيت، وأريد أن أذهب وأتعرف على البلدان وأرى الناس".

قلتُ له: "أنا لا أمانع من ذلك، ولكن ما أقوله لك هو فقط أن تتخير من تصاحب.  أنا لا أمنعك من الذهاب مع أناس يمكن أن يُأتمنون عليك".

فقال لي: "ولكن أين أجد أمثال هؤلاء؟  وإن وجدتهم فقد لا يرغبون في مصاحبتي".

قلتُ له: "الحمد لله، إننا نعيش في بلد مسلم، وكما أن هناك الأشرار من الناس، فإنه يوجد أيضاً الناس الأخيار، سواءً كانوا صغاراً أو كباراً، وما عليك إلا أن تبحث عنهم.  وأنا أرى شباباً مثلك، وفي مثل سنِّك، يأتون إلى المسجد، ويحافظون على صلواتهم، وفيهم سيماء الخير والصلاح، فلماذا لا تتفق معهم وترتبوا لأنفسكم رحلة؟"

فقال لي: "ولكن تعلم يا أبي أن الرحلات تكلف كثيراً، وقد وعدني أولئك بأنهم سوف يتحملون كل مصاريف الرحلة، وإذا أردتُ أن أذهب مع غيرهم فهذا يعني أن أتحمل قسطاً كبيراً من مصاريف الرحلة".

قلتُ له: "يا بُنيَّ: ألم أقل لك بأنهم يستخدمون معك أساليب للإغواء والإغراء؟!  إنهم قد أغروك بأنهم سيتحملون عنك جميع النفقات، وأنت تعلم أنهم شباب في مثل سنك، فمن أين لهم بمثل تلك النقود؟!!

إنهم ما أرادوا من وراء ذلك إلا أن يغووك، وأن يتخذوا من هذه الرحلة وسيلة لجعلك تنحرف عن دين الله.  والمصاريف التي يدَّعون بأنهم سيتحمَّلونها قد لا تكون من جيوبهم، ولكن قد يكون هناك آخرون ممَّن هم أكبر منهم سناً، وممَّن يتقاضون رواتب، ويقومون بتمويل أمثال هؤلاء لغرض غوايتهم ونشرهم للشر، كما نقوم نحن بمساعدة أهل الخير من أجل أن ينتشر الخير ويعمَّ الصلاح".

فقال لي: "وربما إذا طلبتُ من هؤلاء الذين ذكرتَهم أن نذهب في رحلة فقد يتعللون بأنهم لا يريدون أن يذهبوا في رحلة، أو أنه ليس معهم نقود لتحمل نفقات الرحلة".

قلتُ له: "دع هذا عليَّ.  ما رأيك أن نرتب أنا وإياك رحلة، وندعوا إليها مثل أولئك الشباب الطيبين، وتستفيدون جميعاً، ولن تتحملوا أيَّ نفقات؛ فسأتحملها عنكم، وأنا أبوك، ولن تشك بأنني أريد لك غير الخير، كما كان غيري يريد لك الشر".

فقال لي: "ولكني لا أريد أن أُحمِّلك أعباء مثل هذه الرحلات، وأنا أعرف ظروفك المالية".

قلتُ له: "لا عليك، فالأمر سيكون بإذن الله يسيراً، وما علينا سوى اختيار المكان المناسب، ونضع للرحلة برنامجاً جيداً، بحيث يكون ممتعاً، وفي نفس الوقت مفيداً".

فقال لي وقد بدأت بوادر الابتهاج على وجهه: "إذاً سأخبر بعض الزملاء، وسنرتب اجتماعاً، وسأقول لهم بأنك ستتحمل تكاليف الرحلة".

قلتُ له: "هذا شيء جيد.  رتب مع زملائك، ونسِّق معهم لتلتقوا إما هنا في البيت أو في المسجد، وسأكون- بإذن الله- معكم في هذا الاجتماع، وسنرتب لهذه الرحلة لنجعلها- بإذن الله- ممتعة ومفيدة، وليس فيها تخوف لا عليك ولا عليهم".

قال لي: "اتفقنا إذن؟"

قلتُ له: "بإذن الله".

أراد ولدي الانصراف، فناديته وقد أحسستُ بأني بحاجة لأن أرفع من معنوياته قليلاً، وقلتُ له: "قبل أن تنصرف يا ولدي، أريد أن أستشيرك في أمر".

ما إن سمع ولدي هذا الكلام حتى وقف مكانه، واستدار بوجهه نحوي، ثم قال لي وعلامات الاستغراب بادية عليه: "أنا؟!!".

قلتُ له، وأنا أحاول أن أجعل الأمر طبيعياًّ: "نعم، عندي مشكلة وأريدك أن تساعدني في حلِّها".

ازدادت دهشة ولدي، فلم يتعوَّد مني مثل هذا الحديث من قبل، فأقبل نحوي، فقلتُ له: "اجلس".

جلس ولدي على السرير، وهو لا يكاد أن يصدق بأنني حقاًّ أريده أن يساعدني في حلِّ مشاكلي.  قلتُ له: "لقد جاءني اليوم مديري في العمل وأخبرني بأنهم يعزمون أن يرسلوني في دورة تدريبية إلى إحدى الدول العربية، ولمدة ثلاثة أشهر".

قال لي ولدي بسرعة: "هذا أمرٌ جيِّد، ولكن هل رفضت؟"

قلتُ له: "أخبرتُ المدير بأنني سأردُّ عليه غداً بإذن الله، ولهذا فأنا أريد رأيَك ورأي أمك".

قال لي: "رأيي أنا أن تقبل ذلك العرض، وتذهب للدورة".

قلتُ له: "ولكنني إن غبتُ عنكم ثلاثة أشهر فإني سأشتاق لكم كثيراً.  وأيضاً، فأنت تعلم أن أمك ستحتاج إلى مَن يساعدها في تلبية احتياجات البيت، وستثقل كاهلك بالطلبات".

قال لي ولدي وقد أحسَّ بأنه سيصبح له شأنٌ في البيت: "لا تقلق بشأن أمي وبشأن البيت، فسأقوم أنا بمساعدة أمي". ثم تابع حديثه، وكأنه يريد أن يعرف رأي أمه: "ولكن هل تظن أن أمي ستوافق؟"

قلتُ له: "أخبرتُ أمك بهذا، فردَّت عليَّ بمثل ردِّك أنت، وقالت بأنك قد أصبحتَ رجلاً، وأنك قادر على تحمُّل مسؤوليات البيت".

استبشر ولدي بهذا الحديث، ورأيتُ ذلك بادياً على وجهه.  لكنني لاحظتُ أن ملامح وجهه قد تغيَّرت فجأة، ورأيتُه ينكِّس رأسه وملامح الخوف بادية على وجهه، فسألته قائلاً: "ماذا جرى يا ولدي؟  أرى أن هناك أمراً أقلقك!!"

قال لي ولدي بصوت متقطع: "أبي، كما أنك وثقتَ بي فاستشَرتَني فيما همَّك من أمر فإني أريد أن أخبرك بأمر أخفيتُه عنك، وأخاف إن أخبرتُك به فقد تغضب عليَّ".

شعرتُ بأن هناك أمراً مهماًّ يريد أن يخبرني به، وأنها قد تكون فرصة أخرى لفتح قلبي لولدي، فقلتُ له: "يا ابني: لا تنسى بأنك ولدي وأني أحبك كثيراً، ومهما بدر مني نحوك، أو بدر منك نحوي، فسنبقى بإذن الله متحابين، نكنُّ لبعضنا البعض الودَّ والاحترام".

شعر ولدي بشيء من الارتياح، ولكنه ما زال يشعر في داخله بشيء من القلق.

استجمع ولدي قواه، فقال لي بصوتٍ متقطِّع: "أخبرتك بأن مستواي الدراسي جيِّد، ولكن الواقع غير ذلك".

قلتُ له مندهشاً: "ماذا تعني؟"

قال لي بصوتٍ خافت: "لقد رسبتُ في الفصل الأول هذا العام!!"

ما إن سمعتُ هذه الكلمات حتى كدتُ أطيش من الغضب، ولكنني تذكرتُ أنني أخوض تجربة جديدة في علاقتي بولدي، فتمالكتُ أعصابي، وقلتُ له بصوتٍ هادئ وأنا أبتسم: "يبدو أنك تريد أن تخبرني بأمورٍ لا أعرفها".

واصل ابني حديثه، فقال لي: "لقد ارتبطتُ منذ بداية هذا العام بالمجموعة التي كنتُ أريد الخروج معهم في الرحلة التي أخبرتُك عنها، وما كان همُّ هؤلاء الدراسة، وإنما اللهو واللعب ومشاغبة المدرسين والتندُّر بهم.  وعندما كنتُ أخبرهم بأن عندي امتحانات، كانوا يهوِّنون ذلك عليَّ، ويحاولون أن يصرفوني عن المذاكرة، ومضى الفصل وأنا على تلك الحال!!"

فقلتُ له وأنا لا أكاد أن أصدق ما أسمع: "ولكن شهادتك تقول غير ما تقوله الآن لي".

نكَّس ابني رأسه، ثم قال: "لم تكن تلك شهادتي!!"

قلتُ لي مندهشاً: "ماذا؟!!  ولكن عليها اسمك".

ردَّ عليَّ، وهو يكاد أن يبكي مما بداخله من الأسى: "لقد زوَّروا لي شهادة أحد الطلاب الممتازين، وأوهموني بأن تلك هي مساعدتهم لي، حيث أنني- كما يقولون- أستطيع أن أتفوق في دراستي دون أن أحتاج للاجتهاد فيها!!"

قلتُ له: "ولماذا لم تخبرني بذلك من قَبْل؟"

قال لي: "ولكنك تعلم بأني لو أخبرتك عن شيء من ذلك، لانفجرتَ في وجهي وعنَّفتني بالكلام، وربما أدى بك الأمر إلى ضربي".

شعرتُ بأن الخطأ هو ليس خطأ ولدي وحده، وإنما أتحمَّل أنا قسطاً كبيراً منه، وشعرتُ أيضاً بأن عليَّ أن أعترف لولدي بذلك، وأن أقف بجانبه في محنته، فقلتُ له: "أنت محقٌّ فيما قلتَه، وإنني أعترف لك بأنني قد قصَّرتُ في حقِّك، وإن علينا الآن أن نتدارك ما نستطيع تداركه".

قال لي ولدي، وقد شعر بشيءٍ من الارتياح: "ماذا تعني؟"

قلتُ له: "أعني أن عليَّ أن أقف بجانبك في دراستك، وسنراجع الدروس سوياًّ، وقد يكون عندنا ما فيه الكفاية من الوقت إلى أن يحين وقت الامتحانات النهائية".

ردَّ عليَّ: "ولكنك ستذهب إلى تلك الدورة، أليس كذلك؟!!"

قلتُ له: "إن ما سأجنيه من تلك الدورة لا يقارن بما سأجنيه من البقاء بجانبك".

ارتاح ولدي من هذا الكلام، فقال لي ونبرة الانشراح بادية في صوته: "ألستَ غاضباً عليَّ مما فعلت؟!!"

قلتُ له: "يا ولدي: الحياة مدرسة تستوعب الكبير والصغير، وقد لا تستوعب أنت الدرس مما حدث لك بمقدار ما أستوعبه أنا.  إن ما حدث لك ليس بالأمر الهيِّن لك ولنا نحن، ولكن علينا أن لا نبكي على ما مضى، وإنما علينا أن نستفيد مما جرى في تحسين علاقاتنا ببعضنا، والبقاء كأسرة واحدة متماسكة، وإن كنتُ قد قصَّرتُ في حقِّك في الماضي، فهذا لا يعني أن أقع في نفس الخطأ في المستقبل".

ردَّ عليَّ ولدي، وقد أحسَّ بسعادة كبيرة مما قلتُه له: "وهل ستقوم بمعاقبة أولئك الذين كانوا سبباً في رسوبي، وخاصة أنهم قد أوقعوني في تزوير شهادتي؟"

قلتُ له: "يا ولدي: إن ما فعله أولئك معك هو خطأ كبير، وإنني لا أشك في أنهم يفعلون مثل ذلك مع غيرهم.  لكن عليك أن تعلم يا ولدي بأنهم ما كانوا ليستطيعون التأثير عليك لولا أنهم رأوا تقبُّلاً منك لذلك.  والعلاقة التي ارتبطتَ بها معهم لم تأت في يوم وليلة، وإنما حاول أولئك بناءها معك على مرور الأيام.  لذلك، فما علينا الآن هو أن نقوي من علاقتنا ببعضنا البعض، وفي هذا تفويتٌ على أمثال أولئك أن ينفذوا إليك أو إلى أحد إخوانك.  كذلك، فبإمكانك محاولة التأثير عليهم إيجابياًّ، كما قاموا هم بالتأثير عليك سلباً.  وإذا لم تفلح في ذلك فعلى الأقل أن تنبه زملاءك الآخرين من خطورة مصاحبة أمثال أولئك الذين ليس لهم همٌّ إلا نشر الفساد في المجتمع".

فقال لي: "بإذن الله سأجتهد في دراستي، وأكون قدوة لزملائي، وأيضاً سأحاول من خلال بعض أصدقائي أن نتعاون لإصلاح ما يفسده هؤلاء، وإني أعتذر لك يا أبي عما أوقعتُه لك من ضيق وحرج، وأعاهدك بأنني سأرجع إليك في أموري كلها".

سعدتُ كثيراً بما قاله ولدي، فرددتُ عليه: "وأنا سأبقى بإذن الله قريباً منك".