الجدب الشامل

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا الموضوع)


_______________________________________

ما كدتُ أنزل من الطائرة، وأُعانق أهلي، وأركب السيارة، حتى أخذتني سِنة من النوم لم أصْحُ بعدها إلا وأنا في البيت، حيث عانقتُ بقية أهلي.  وبعد تناول القهوة، أخذتُ إغفاءة.  لم أستطع النوم إلا لحظات لأن صوت مضخة الماء التي كانت تجاور منزلنا صار يزعجزني بين الحين والآخر.  قمتُ من النوم، ثم قرَّرتُ أن أمرُّ بجولة على قريتنا.

عندما خرجتُ من البيت دُهشتُ لقلة الماء المندفع من مضخة الماء، وحزَّرتُ أن الوقت بداية جولة جديدة من جولات القحط المعتادة.  عندما واصلتُ السير، رأيتُ آلة حفر الآبار عند كثيرٍ من الآبار، وسألت العاملين فيها: "منذ متى وأنتم تُعمِّقون هذه البئر؟"، فقائل منذ شهرين، وقائل أكثر من ذلك أو أقل.

وسألت أحدهم عن عمق البئر التي يُعمِّقونها، فقال لي: "حوالي الثمانين قدم".  ونظرتُ حول البئر، فإذا بنخل قد جار عليه الزمن فلم يبقَ منه إلا بعض أوراق في قمته، وسألتُ ذلك الشخص عن السبب الذي منعهم من ريِّ هذه النخيل والبساتين التي حولها، فقال لي بأن ماء البئر لا يكاد يصل البستان حتى يفرغ ما في البئر من ماء.

بعد ذلك واصلتُ السير، فإذا أنا ببساتين ميتة تماماً، لا يُرى فيها إلا جذوع خاوية، وحشائش متهشمة.  ورأيت شخصاً عند بئر قريبة، وسألته عما إذا كانت بئره مجدبة أيضاً، فقال: "إنها تكفي لسقي عشر نخلات"، فقلت: "يومياًّ؟"، فقال: "بل أسبوعياًّ"، فسألته عن عمق بئره فقال: "مائة وثلاثين قدماً"، وسألته: لماذا لا تعمقها أكثر؟"، فقال: "إنها كلفتني الآلاف، وليس لديَّ مال"، فسألته: "فكيف يروي جيرانُك أموالهَم؟"، فقال: "هم يشترون ماء الفلج بخمسة عشر ريال للساعة، وهم لا يروون بالساعة إلا بضع نخلات، والواحد منهم يحتاج أن يشتري ماءً بخمسين ريال وأكثر في كل مرة لكي يروي كل ماله".

ودَّعتُ ذلك الشخص، ثم واصلتُ جولتي، وكنتُ لا أمرُّ على بئر إلا وآلة حفر الآبار متمركزة على سطحها، وأصواتها تتضارب حتى تجعل من البلاد وكأنها محطة قطارات أو مصانع ضخمة.

ومررتُ على بعض الأماكن التي توجد بها آبار، وكان أهلها يسكنون بجوارها، فأردت أن أسلِّم على أهلها، ولكن بلا جدوى فقد نزح أهلها عنها.  ومررتُ على أحد الأصدقاء لأتناول عنده القهوة، فأُخبِرتُ بأنه يبحث عن ماء للشرب ليحضره لبيته.  وبعد لحظات جاء هذا الشخص وقال لي: "لقد بحثتُ عن الماء من عدة آبار، ومررتُ على عدة أشخاص فلم أجد ماء، وسنبيت ليلتنا وليس عندنا ماء نشربه".  فقلت: "ألا تشترونه؟"  فقال: "إن الشخص الذي نشتري منه الماء لم أجده لكثرة أشغاله، وليس لنا حيلة إلا أن نصبر حتى الصباح الباكر".

تناولتُ القهوة عنده، ثم رجعتُ إلى المنزل، وأنا أردِّد: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".  وتذكرتُ حديث رسول الله– صلى الله عليه وسلم-: "خمس خصالٍ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن ..." ومنها "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا".

مايو 1984م