حوارات هادفة (8)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع الموظفة

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

خرجتُ في إحدى الليالي بعد أن صليتُ العشاء لأبحث عن محلٍّ لتخليص بعض المعاملات البلدية، وقد كنتُ أنوي أن أقوم بهذا العمل بعد المغرب لولا انشغالي في تلك الفترة بشيءٍ آخر.

كانت الساعة في ذلك الوقت تقارب من التاسعة والنصف مساءاً، وكنتُ أعلم أن غالبية المحلات تغلق أبوابها في حدود الساعة التاسعة مساءاً، لكنني قلتُ لنفسي: "لا ضير، سأحاول البحث، وإن وجدتُ محلاًّ مفتوحاً فعسى أن يكون عندهم بُغيتي".

مررتُ بعدة محلات لتخليص المعاملات، ولكنها كانت مغلقة.  وبعد تجوال بين المحلات في أكثر من شارع وجدت محلاًّ مفتوحاً، فأوقفتُ سيارتي أمامه، ثم هبطتُ من السيارة وأخذت معي أوراقي.

عندما دخلتُ المحل وجدتُ امرأة تجلس على طاولة، فظننتُ أنها تنتظر أحداً، فسألتها: "أين الموظف؟"

فردَّت عليَّ بجفاء، وقالت: "ألم أملأ عينيك؟  أنا الموظفة هنا".

فقلتُ لها: "معذرة، فكنتُ أظن أن مَن يعمل في هذا المحل هو رجل، حيث ما كنتُ أتوقع أن أرى امرأة تعمل بمفردها في محلٍ في هذه الساعة المتأخرة!!"

ردَّت عليَّ بلهجة خشنة، وقالت: "هل جئتَ لتعلمني الأخلاق أم لتنجز معاملات؟"

قلتُ لها: "أعتذر لك مرة أخرى، فلم آتِ لأصحح لك أخلاقك أو لأن أعيب عليكِ شيئاً، وإنما جئتُ لإنجاز بعض المعاملات، فإذا كان بمقدورك ذلك فهذه هي المعاملات".

مدَّت يدها لتستلم مني المعاملات، ثم فتحت الظرف، وبدأت تملأ الأوراق بالآلة الكاتبة، وطلبت مني الجواز وبطاقة الهوية وبعض الصور الفوتوغرافية.  أعطيتُها ما طلَبَت، وتنحَّيْتُ قليلاً، وجلستُ في كرسي كان مخصصاً للزبائن، وبقيتُ أنتظر.

بعد بضع دقائق تكلَّمتْ المرأة، وقالت: "يبدو أن هذه المعاملات ستحتاج إلى وقت طويل، وأنا مضطرة لأن أذهب إلى البيت الآن، فإن الساعة قد قاربت من العاشرة مساءاً، وأريد أن أعود إلى أطفالي".

استغربتُ من حديثها، وكيف أنها تبقى في محلٍ بمفردها إلى وقت متأخر من الليل، وأولادها وزوجها ينتظرونها، فرددتُ عليها بفضولية: "لا يضير الأولاد نصف ساعة أخرى ما دُمْتِ غائبة عنهم النهار بأكمله".

نظرت إليَّ بعيون حادة، ثم قالت: "ماذا تقصد؟"

قلتُ لها: "أنت تجلسين في هذا المحل بمفردك إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، وأولادك هنالك في البيت يتضاغَوْن، يريدون أمَّهم لتعود إليهم فتحْنُوا عليهم وتلاعبهم، وزوجك جالس هنالك ينتظر قدومك لتُعِدِّي له عشاءاً".

قالت: "أما أولادي فصحيح أنهم ريما يتضاغَوْن كما قلتَ، وينتظرون مجيئي.  أما زوجي فلا يهمه متى أخرج من البيت ومتى أعود إليه".

قلتُ لها: "اعذريني يا أختاه، ولكن يبدو لي أنك بحاجة إلى أن تراجعي نفسك، وتقيسي وتزِني ما تقومين به بميزان الشرع".

ردَّت بغضب، وقالت: "وهل رأيتَني أرتكب الموبقات والحرام حتى تُذكِّرني بالشرع؟"

قلتُ لها: "أولاً، إن التذكير بالشرع ليس فقط للعصاة والمجرمين، وإنما هو لجميع الناس بما فيهم المؤمنين المتقين، فالله- سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الذريات:55).  وثانياً، فبالرغم مما شاهدتُه هنا، وما أخبرتِني به من أحوال بيتِك، إلا أنكِ لا تعتبرين أن هناك ما يستحق أيَّ تذكير.  واعذريني من التدخُّل في خصوصياتك قليلاً، وأقول لكِ بأن أول مخالفة شرعية هي أن تجلسي في مكان- سواءً في النهار أو في الليل- وتختَلِين بالناس".

ردَّت عليَّ بغضب، وقالت: "إنني لا أختلي بالناس لأفعل معهم الفاحشة، وإنما لأساعدهم في إنجاز معاملاتهم!!"

قلتُ لها: "هذا صحيح، وأنا لم أتهمك بارتكاب الفاحشة.  لكن مجرد الخلوة بالناس فإنها تعتبر مخالفة شرعية.  وزيادة على ذلك، فإنك ستتحدثين مع مَن يأتي إلى هذا المحل، كما تتحدثين معي أنا الآن، وربما يطوف الحديث بخصوصيات القادم أو بخصوصياتك أنت، أو ربما تتحدثون في أمور يدخل الشيطان من خلالها، فيحاول أن يُوقِع بينكما المعاصي والذنوب.  وثالثاً، فإن إهمالك لبيتك وأولادك وزوجك يعتبر من أكبر المعاصي؛ فأولادك أمانة استأمنك ربك إياها، وزوجك له حقوق عليك ولا بد من الوفاء بها".

قاطعتني قائلة: "قبل أن أفي له بحقوقه، فعليه أن يُقدِّم لي ولو حقاً واحداً!!"

قلتُ لها: "أنا لا أعرف عن خصوصيات حياتكم، ولكن ما أعرفه هو أنه إن قصَّر زوجُك فهناك وسائل أخرى تستطيعين أن تحصلي من خلالها على حقوقك.  لكن هذا لا يفتح لك الباب لكي تهملي حقوقه هو أو تُقصِّري فيها".

أحسستُ بأن المرأة قد تأثرت قليلاً بكلامي، وأن مشاعرها قد بدأت تتغيَّر، فتابعتُ حديثي معها، وقلت لها: "وأريد أن أسألك سؤالاً، إن كنتِ تسمحين لي".

قالت: "تفضل".

قلتُ لها: "أخبرتِني بأن أولادك في البيت، فمن هناك لرعايتهم؟"

قالت: "إنني لم أتركهم لوحدهم، وإنما أحضرتُ لهم خادمة لتعتني بهم وترعاهم!!"

لم أصدق ما أسمع، فقلتُ: "لا حول ولا قوة إلا بالله.  إنا لله وإنا إليه راجعون".

ابتسَمَتْ، ونَظَرَتْ إليَّ بريبة، وقالت: "مالي أسمعك تحوقل وتسترجع؟  هل قلتُ شيئاً منكَراً؟!!"

ازداد تعجُّبي من غفلة هذه المرأة، فرددتُ عليها بغضب، وقلتُ بأسلوب ساخر: "لم تقولي شيئاً منكراً، ولم تفعلي شيئاً مستهجناً غير أنك أوكلتِ أطفالك الأبرياء إلى جزارٍ ليفعل بهم ما يشاء!!"

ردَّت عليَّ قائلة: "ماذا تقصد؟!!"

قلتُ لها: "اعذريني إن قلتُ لك بأنني بدأتُ أشكُّ في عقلك!!"

ردَّت عليَّ بغضب، وقالت: "لا بأس أن تتهمني بما شئتَ، لكن وضِّح لي ما تقصد".

قلتُ لها: "أيُّ توضيح تريدين؟!!  إنك ارتكبتِ في حقِّ أولادك جُرماً كبيراً عندما أهملتِ تربيتهم وتخيَّرتِ الوظيفة عليهم.  وارتكبتِ جُرماً أكبر عندما أحضرتِ لهم امرأة أجنبية تقوم على رعايتهم.  ولا أخالُكِ إلا وقد ارتكبتِ جُرماً ثالثاً أعظم من هذا وذاك!!".

ردَّت عليَّ، وملامح الخوف بادية على محياها: "ماذا تقصد؟!!"

قلتُ لها: "ما جنسية الخادمة التي أحضرتيها لترعى أولادك؟"

قالت: "فلبينية".

قلتُ لها بابتسامة وبأسلوب تهكُّمي: "فلبينية؟!!  لا بُدَّ إذاً أنها مسلمة!!"

قالت لي بصوتٍ خافتٍ، وكأنها أحسَّت بعِظَم ما اقترفت: "لا، بل هي نصرانية!!"

قهقهتُ من ردِّها، وقلتُ لها ساخراً: "ما شاء الله!!  إذاً، هي خادمة من الطراز الأول!!"

قالت لي بحيرة: "ماذا تعني؟!!"

شعرتُ بأنني بحاجة إلى أن أوضح لها بعض الأمور، فرددتُ عليها بتنهُّد: "يا أختي الفاضلة، عليكِ أن تعلمي بأن ديننا الحنيف قد أتى بأحكام لصيانة حقوق الناس، حتى وإن كانوا أطفالاً رُضَّع.  ولو أن الأم تركت أولادها في البيت دون طعام وشراب حتى هلكوا لاعتُبِرتْ بأنها التي قتلتهم.  ونفس الشيء يُقال فيما لو أنها أوكلتْ إلى شخصٍ آخر لإطعامهم السُّم.

وما قُمتِ أنتِ به هو أنكِ جلبتِ إلى أولادك مَن قد يُطعمهم من الأغذية ما يكون سبباً في تسمُّمهم.  ولكن الأدهى من ذلك هو أنكِ أحضرتِ لهم امرأة قد لا تقتصر على تسميم أجسامهم، وإنما هي بالتأكيد ستسمِّم أخلاقهم ودينهم، وهذا يعني أن أطفالك- فيما لو لم تتداركي الأمر- قد يشبوا على أخلاق النصارى ودين النصارى، وهو- والعياذ بالله- كفيل لأن يُدخل الإنسان النار، فيخسر الدنيا والآخرة!!"

عندما سمعت المرأة كلامي هذا بدأت تبكي، وصرخت بأعلى صوتها: "أرجوك، كفى!!"

توقفتُ عن الحديث قليلاً، ثم قلتُ لها: "اعذريني يا أختاه، ما كنتُ أودُّ أن أسوق هذا الكلام لولا أنه هالني ما سمعتُ عن حالة أطفالك، وإني أستسمحك عذراً إن كنتُ جرحتُ مشاعرك بما قلتُه".

قمتُ من الكرسي، وهممتُ بالخروج من المحل، فقالت لي وهي منكسة رأسها: "أرجوك، لا تغادر فإن هناك أموراً أريد أن أستوضحها منك".

قلتُ لها: "الوقتُ قد أمسى كثيراً، وأنتِ بحاجة للرجوع إلى بيتك".

قالت: "أعلم ذلك، ولكن لا يمكنك أن تتركني وأنا على هذه الحال!!"

قلتُ لها: "وماذا تريديني أن أفعل؟"

قالت: "أريدك أولاً أن توضح لي أكثر ما قلتَه لي عن الخادمات، وأريدك أيضاً أن تدلني على المخرج مما أنا واقعة فيه".

قلتُ لها: "لكن هذا الحديث قد يطول، وأنا لا أريدك أن تتأخرين عن بيتِك أكثر".

قالت: "لا بأس، من فضلك تكلم".

جلستُ على الكرسي مرة أخرى، ثم قلت: "أولاً: أريد أن أوضح لك أمراً في غاية الأهمية، وهو أن الإسلام قد أوكل تربية الأطفال إلى الأبوين، وخاصة الأم، واعتبر أيَّ تقصير في القيام بهذه المهمة على أنه نوع من عقوق الأبوين لأبنائهم.

وثانياً: لا بأس بأن يستعين الأبوين على تربية أولادهم بآخرين، ولكن بشروط ومنها أن لا يُفضي ذلك إلى إهمال الأبوين لمهمة التربية المناطة بهما.  وأيضاً، أن يكون الشخص المراد الاستعانة به ممن يؤتمن في دينه وخلقه.

وأنتِ تلاحظين أن ترك المرأة لبيتها بحجة الرغبة في العمل هو في حقيقته إهمال لمهمة التربية المناطة بها، حتى وإن برَّرتْ ذلك بمبررات واهية؛ فالإسلام قد أوعز إلى الأب مهمة تحصيل قوت الأسرة".

قاطعتني المرأة بسرعة، وقالت: "وماذا إن أخفق الأب في القيام بهذه المهمة؟!!"

قلتُ لها: "تلك قضية أخرى، ولكن ما أريد أن أوضحه هنا هو دور الأم".

قالت لي: "تفضل، واصل".

قلتُ لها: "قلتُ بأن ترك المرأة لبيتها بأيِّ حجة كانت هو في حقيقته تقصير في المهمة المناطة بها.  ولا يمكن اعتبار جلب الخادمة للبيت من باب المساعدة التي ذكرتُها من قبل؛ فإن غالبية الخادمات اللواتي يأتين للعمل في البيوت يُعاب عليهن ما يلي:

أولاً: الكثير منهن غير مسلمات؛ فبعضهن نصرانيات كاللواتي يأتين من الفلبين أو الهند، وكثير منهن بوذيات أو هندوسيات.  ولكون هؤلاء قد نشأنَ على طقوسٍ دينية معينة، فإنهن عندما يأتين إلى بلدان المسلمين فإنهن يبقَيْن يمارسن تلك الطقوس، وفي أحيانٍ كثيرة أمام الأطفال، مما يجعل الأطفال يتعودون على تقليدهن، وقد يشبوا وهم يقومون بتلك الطقوس دون أن يعرفوا حقيقتها.

ثانياً: الكثير من الخادمات غير المسلمات يحملن من الحقد والكراهية على الإسلام والمسلمين ما يجعلهن يحاولن غرس تعاليم دينهن في قلوب الناشئة بأيِّ وسيلة.  لذلك، فإن كثير منهن يقُمْنَ بتعويد الأطفال الصغار- وفي بعض الأحيان إرغامهم- على ممارسة طقوس دينهن، وخاصة في غياب الأبوين عن البيت.

ثالثاً: أما بالنسبة للخادمات المسلمات، فإن تطبيقهن للإسلام لا يتعدى- في معظم الأحيان- عن كونه عادات وتقاليد نشأن عليها في المجتمعات التي أتيْنَ منها.  هذا يجعلهن غير مؤهلات لتربية الأطفال على مبادئ الإسلام وقِيَمه، ولا على تنشئة الأطفال على الأخلاق الفاضلة التي جاء بها ديننا الحنيف.

رابعاً: معظم الخادمات ليس عندهن من العلم والفهم والخبرة في تربية الأطفال ما يجعلهن أهلاً لتربية الأطفال بطريقة صحيحة.  لذلك، فإنك تسمعين عن الخادمات اللواتي يقُمْنَ بضرب الأطفال والقسوة عليهم واستخدام أساليب مشينة في تربيتهم كإرغامهم على أكل أنواع معينة من الطعام تؤدي في أحيانٍ كثيرة إلى تسممهم أو- على الأقل- الإصابة بالأمراض المختلفة.

خامساً: معظم الخادمات يأتين إلى بلداننا وهنَّ لا يتكلمن العربية، ويبدأن في التحدُّث بالعربية "المكسرة" في بيوتنا.  وضررهن هنا يأتي من جانبين: الأول هو أن أهل البيت- في الغالب- يصبحون يتكلمون مع الخادمة باللغة "المكسرة" ظناًّ منهم بأن الخادمة ستفهمها أكثر، وهذا يفضي لأن يتعوَّد أهل البيت على هذه اللغة المكسرة.  أما الثاني فهو أن الخادمة تبدأ في مخاطبة الأطفال الصغار بالكلمات المكسرة التي تتعلمها، فينشأ الأطفال وهم لا يعرفون من العربية إلا تلك الكلمات المكسرة التي يسمعونها من الخادمة.

سادساً: تقوم بعض الخادمات بالتحرُّش بالأطفال جنسياًّ.  كذلك، فإن بعضهن يقُمْنَ بالتحرُّش بالأولاد الكبار، بل وربما برب الأسرة.  كل ذلك قد يؤدي إلى فعل الفواحش وهدم البيوت.  وفي أحيان كثيرة تأتي الخادمات وعندهن من الأمراض الوبيئة ويقُمْنَ بنشرها بين أفراد الأسرة عن طريق الممارسات الجنسية وملامسة الأطعمة والأشربة التي تقدمها لأفراد الأسرة.

سابعاً: تقوم بعض الخادمات ببناء صلاتٍ وعلاقات مع خادمات في بيوت أخرى أو مع العمال والخدم الذين يعملون إما في البيوت أو في المزارع والمحلات التجارية.  وفي أحيانٍ كثيرة تفضي مثل هذه العلاقات إلى فعل الفاحشة أو ارتكاب جرائم قتل أو سرقة، بحيث يكون أهل البيت التي تعمل فيه الخادمة هم الضحية في كل ذلك.

هذه بعض الأمور المنتشرة عن الخادمات، والقصص التي تتحدث عنهن وما يقُمْنَ به من جرائم ومنكرات كثيرة ومنتشرة، ولولا خوف الإطالة لسردتُ لكِ بعضاً منها".

  عندما توقفتُ عن الحديث، ابتسمت، ثم قالت: "لقد شكَّكتني في الوظيفة حتى جعلتها إحدى الكبائر، ثم سُقتَ لي من أحوال الخادمات حتى جعلتني أشعر وكأنني اقترفتُ واحدة من السبع الموبقات، فهل تريدني أن أترك الوظيفة وأطرد الخادمة وأبقى في البيت؟!!  وإن فعلتُ ذلك، فمن يقوم على إعالتي وإعالة أولادي؟"

ابتسمتُ من حديثها، وعجبتُ كيف أنها أُشرِبتْ حبَّ الوظيفة حتى صارت لا تبالي بأطفالها فضلاً عن مبالاتها بزوجها وبيتها.  لذا، انتهجتُ طريقاً آخر في التحاور معها.  قلتُ لها: "رغم أني لم أصرِّح بأن الوظيفة هي إحدى الكبائر وأن جلب الخادمة هي كواحدة من السبع الموبقات، غير أنك لم تتجاوزي وصفك هذا الحق قيد أنملة!!

وإني لأعجب منكِ أن تتركي كل ما سقتُه لك من براهين وتتشبَّهين بحجة واهية؛ وهي أنك لا تجدين مَن يعولك ويعول أولادك!!  وأريد أن أسألك بعض الأسئلة، وأتمنى أن تجيبي عليها بكل صراحة".

ابتسمت، وقالت بامتعاض: "تفضل، اسأل".

قلتُ لها: "هل يعمل زوجك في أية وظيفة؟"

قالت: "وكيف لا وهو مدير لإحدى كبرى شركات النفط!!"

قلتُ لها: "وهل لي أن أعرف كم يتقاضى؟"

قالت: "راتبه يفوق الألفي دينار!!"

قلتُ لها: "وكم تتقاضينَ أنتِ في عملك هذا؟"

تنهدَّت قليلاً ثم قالت بابتسامة: "وهل تسمي ما أتقاضاه أنا راتباً؟!!  بالرغم من أنني أعمل في هذا المكتب أكثر من عشر ساعات يومياًّ، غير أنني لا أحصل على سوى مائتي دينار في الشهر!!"

قلتُ لها: "وكم مرتب الخادمة؟"

قالت: "اشترطوا علينا في المكتب الذي أحضرناها منه بأن ندفع لها سبعين دينار شهرياًّ، وبرَّروا ذلك بأن الخادمات الفلبينيات أغلى من سواهن من الآسيويات!!"

قلتُ لها: "إذاً، لا يبقى من راتبك سوى مائة وثلاثون دينار؟!!"

قالت لي: "أجل!!"

قلتُ لها: "وبعد كل هذا تقولين بأنك تعملين لإعالة نفسك وعيالك، ولتأمين مستقبل أبنائك؟!!"

قالت لي بنبرة حادة، وكأنها خافت من أنني قد وصلتُ إلى تحليل ضدها: "ماذا تقصد؟!!"

قلتُ لها: "أنتِ تزعمين بأنك إن تركتِ الوظيفة فلن يكون هناك من يعولك ويعول أبناءك!!"

قالت لي بحدة: "أجل، وهذا صحيح!!"

قلتُ لها: "كيف يكون هذا صحيحاً، ولا يبقى من راتبك سوى مائة وثلاثون دينار، وهي لا تكفي لشراء مستلزماتك الخاصة من ملابس وأحذية وعطورات ومكياج وغير ذلك مما أوقعتنَّ أنفسكن فيه في هذا العصر؟!!  وهل ستكفي ما يتبقى من المائة والثلاثين دينار لمصاريف أطفالك ومصاريف البيت، وأنتِ تعلمين الانفجار الهائل في أسعار السلع والخدمات في هذه الأيام؟!!"

ارتبكت المرأة من هذا التحليل، فردَّت عليَّ بتلعثم: "وماذا أفعل؟  إنني أحاول أن أقتصد في شراء ما أحتاج إليه قدر الإمكان!!"

قلتُ لها: "ولا ينفق زوجك على البيت شيئاً؟!!"

ازدادت ربكة المرأة، فردَّت قائلة بتلعثم أكثر مما قبل: "قلتُ لك بأنه مشغول في حاله ولا يهمه أمر البيت!!"

قلتُ لها بصرامة: "أريدك أن تصارحيني: هل ينفق زوجك عليكم شيئاً؟"

قالت بتلعثم: "أحياناً!!"، ثم خافت أن أحتجَّ بإجابتها، فأردفت قائلة: "ولكن ما ينفقه لا يُعتَبر شيئاً مع مقدار ما نحتاج إليه في البيت".

قلتُ لها: "لا بأس، ولكن أخبريني: هل البيت الذي تسكنون فيه ملك أم بالإيجار؟"

ردَّت بسرعة قائلة: "بل هو ملك، ولكن ما علاقة هذا بحديثنا؟!!"

قلتُ لها: "ومَن قام ببناء البيت؟"

قالت بابتسامة، وكأنها لم تدرك المغزى من سؤالي: "لا شك أنه زوجي!!"

قلتُ لها: "ومنذ أن تزوجتم، هل سافرتم إلى أيِّ دولة؟"

قالت: "لم يحدث ذلك إلا بضع مرات!!"

قلتُ لها: "وهل تخرجون في نُزَه أو رحلات عائلية؟"

قالت: "أحياناً، يأخذ أولاده إلى بعض المنتزهات!!"

قلتُ لها: "ولا تخرجين معهم؟!!"

قالت بتلعثم: "هو يحب أن يخرج في أوقات غير مناسبة لي!!"

قلتُ لها: "وبالطبع، يذهب هو وأولاده وتذهب معهم الخادمة؟!!"

قالت بتلعثم: "أجل، فهو لا يُطيق الاعتناء بأولاده!!"

ابتسمتُ قليلاً فشاهدتني، ولم تفهم ماذا يدور في خاطري، فقالت في حيرة: "ماذا؟!!"

قلتُ لها: "منذ أن بدأتُ حديثي معك وأنتِ تؤكدين لي حاجتك الماسة للوظيفة، وتتذرعين بأن زوجك لا يقوم بالإنفاق عليكِ ولا على أطفالك".

قاطعتني قائلة: "وهذا صحيح!!"

تابعتُ حديثي، وقلتُ لها: "وقد تبيَّن لي الآن بأن ما تدَّعينه على زوجك ليس بصحيح!!"

قاطعتني وهي تصرخ في وجهي: "بل هو صحيح، وليس لك الحق أن تعلمني ما هو صحيح!!"

قلتُ لها: "نعم، ليس لي الحق في أن أعلمك شيئاً لولا أنكِ طلبتِ مني ذلك، ولكنكِ تخافين من سماع الحق، لأنه لن يكون في جانبك!!"

قالت لي بصوت عال: "إنني لا أخاف من شيء، فتفضل أخبرني بما وصلتَ إليه من تحليلات!!"

قلتُ لها: "إن راتب زوجكِ يجعله قادراً على الإنفاق عليكِ وعلى أطفالكِ دون أية مشاكل!!"

قاطعتني مرة أخرى، وقالت: "هذا صحيح لو أنه فعلاً ينفق علينا!!"

قلتُ لها: "من خلال ما أخبرتِني به فإنه يريد أن ينفق عليكم، وهو فعلاً ينفق عليكم، وبسخاء!!"

صرخت في وجهي: "أجل، لا بُدَّ أنك لن تصدق كلامي، وأنك ستنحاز إليه!!"

قلتُ لها ببرود: "لو لم أصدق كلامكِ لما وصلتُ إلى هذه التحليلات، فدعيني أكمل".

أحسَّت بشيء من الإحراج، فقالت بأدب: "تفضل".

قلتُ لها: "إن شخصاً بنى لكم بيتاً بعشرات الآلاف من الدنانير، وسافر بكم إلى عدة دول، ويخرج بأطفاله باستمرار في رحلات عائلية لا بُدَّ أن يكون مهتماًّ ببيته، ولا بُدَّ أنه ينفق على بيته وأطفاله!!"

ابتسمت وردَّت عليَّ بتهكم قائلة: "إذا كان القاضي رجلاً فلا بُدَّ أن ينحاز للرجال!!"

قلتُ لها بشدة: "اسمعي يا امرأة: إنني لستُ قاضياً، ولا يهمني أن أنحاز إليكِ أو إلى زوجك بقدر ما يهمني أن أكون مع الحق.  وإني أعلم الآن لماذا تتهمين زوجك بكل ما ذكرتيه عنه!!"

قاطعتني وهي تصرخ: "إنني لم أتهمه بشيء، ولكنها الحقيقة!!"

قلتُ لها بصوتٍ فيه حدة: "الحقيقة هي أن زوجك قد فتح الدنيا لكِ ولأولاده، فلم رأيتِ بهرجها وزينتها تعلقتِ بها، وأصابكِ الكبر والغرور، فلم تقنعي بوضعِك كأم ومربية لأطفالك، وإنما أردتِ أن تسايري المترفين في حياتهم، فجلبتِ الخادمة إلى بيتك لتحمل عنك همَّ البيت وهمَّ تربية أولادك.  وعندما قامت هي بكل شؤون البيت والأطفال، لم تجدي لنفسك ما تتسلِّين به، فجاءتكِ فكرة الوظيفة.  وعندما عارض زوجك هذه الفكرة، بدأ الخلاف يدبُّ بينكما، ولم ترغبي- بل لم تجرئي- أن تتركي الوظيفة لأنها من ناحية تعني استسلامكِ لرغبة زوجك، ومن ناحية أخرى فأنتِ تستمتعين بالحديث مع هذا وذاك من زبائنك!!"

عندما سمعت مني العبارة الأخيرة نهضت من كرسيها، وصرخت في وجهي قائلة: "يا لك من شخصٍ حقير أن تتهمني بالمجون والفسق، ولولا احترامي لك لخرجتُ فصرختُ بأعلى صوتي، وأتهمك بأفضع مما اتهمتني به!!"

قلتُ لها وأنا أبتسم: "لا أشكُّ في أنك قادرة على ذلك، فمن استطاعت أن تُلفِّق الإشاعات على زوجها لتبرر بقاءها في كرسي الوظيفة لن تعييها الحِيَل للتلفيق على مثلي، وأنا غريبٌ أجلس مع امرأة أجنبية!!"

أحسَّت بأني لن أتنازل عن كلامي وأتأسف لها، فرأت أن لا مفر إلا التسليم الظاهري من أجل إنهاء الحوار، فقالت: "قل ما شئت، ولكن أرجوك أن تتركني وتخرج من المحل!!"

قلتُ لها: "نعم، سأخرج حالاً، ولكن أريد فقط أن أذكِّرَكِ بأن ما تفعلينه هو في حقيقته من الكبائر، وأن عليكِ أن تتوبي إلى الله، وتعودي إلى بيتِك وزوجِك، وأن تدَعي حبائل الشيطان، فإنه لن ينفك عنكِ حتى يفرق بينكِ وبين زوجِك، وعندها ستخسرين كل شيء: زوجك وأطفالك والوظيفة!!"

بدى وكأن كلامي هذا قد أثَّر عليها قليلاً، فقالت: "أرجوك أن تعذرني على رفع صوتي عليك، وعلى سوء أدبي في حديثي معك، وأسألك أن تستغفر الله لي!!"

قلتُ لها، وقد رقَّ قلبي لحالها: "أما بخصوص رفع صوتك فلا بأس، وأما طلبك الاستغفار لك فسأفعل بإذن الله، ولكن أريد أن أقول لكِ بأن ذلك لن يجديكِ شيئاً ما لم تتوبي إلى الله وتؤوبي إليه، وتقلعي عما تقومين به من أعمال مخالفة لشرعه!!"

قالت لي بصوت يوحي بالتأثر، وكأنها بدأت تراجع نفسها فيما قلتُه لها: "وهل تعتقد بأن الله سيغفر لي إن تركتُ الوظيفة وعدتُ إلى بيتي؟!!"

قلتُ لها: "يا أختي العزيزة: إن باب التوبة مفتوح ولا يوصد أمام أحد، وإن ترككِ للوظيفة ورجوعَكِ إلى بيتك وزوجكِ وأطفالكِ قد يكون الخطوة الأولى لتحسين علاقتك بربك!!"

قالت: "وماذا عليَّ أن أقوم به غير ذلك؟"

قلتُ لها: "لا بُدَّ أنك ستحتاجين إلى فترة لتعود علاقتك بزوجكك كما كانت، وإن مما سيعجل بذلك هو أن تتفاني في خدمته وفي العناية بالبيت وتربية الأطفال.  كذلك، فإن عليك أن تقومي بتبصير غيرك من النساء اللواتي غرَّر بهن الشيطان حتى أخرجهن من بيوتهن، والتحقْنَ بوظائف بحجج واهية، وتركْنَ بيوتهن وأزواجهن وأطفالهن تحت رحمة- أو بالأصح عذاب- الخادمات!!"

رأيتُ المرأة تمسح بعض الدمعات المنحدرة من عينيها، ثم قالت لي: "لا أدري هل أستطيع أن أقوم بكل ذلك قبل أن يأتيني الموت، فإنني بلا شك قد ضيَّعتُ قسطاً كبيراً من حياتي فيما كنتُ أحسبُ أن فيه سعادتي.  أسأل الله أن يعينني على ذلك".

شعرتُ بأنه لا داعي للبقاء أكثر، فقلتُ لها: "آمين.  أسأل الله الهداية لنا جميعاً، وأرجوكِ أن تسامحيني على تدخلي في شؤونك الخاصة، وعلى القسوة عليكِ في الحديث، وإذا اردتِ مساعدة فإن هاتفي موجود في أوراق المعاملة التي أعطيتكِ إياها".

ابتسمت، وقالت: "أشكرك على هذا، وأتمنى لو تأخذ أوراق معاملتك معك، فقد لا تجدني غداً هنا!!"

تعجَّبتُ من تغيُّر حالها، ولكنني حمدتُ الله في داخلي، وقلتُ لها: "لا بأس، ناوليني الأوراق، وسأحاول إتمامها غداً بإذن الله".

ناولتني الأوراق، وفتحتُ الباب، وقلتُ لها وأنا أخرج: "في أمان الله".

ردَّت عليَّ قائلة: "جزاك الله خيراً، وفي حفظ الله".

خرجتُ من المحل والسعادة تملؤ جوانحي لما وفقني الله إليه من تبصير هذه الأخت بما ساقها الشيطان إلى فعله وزيَّنه إليها، وبقيتُ في طريقي إلى البيت أستغفر الله لها، وأدعو لها بالثبات وبأن يُرجع السعادة إلى بيتها.