حوارات هادفة (5)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع طالب الجامعة

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ يوماً عائداً من عملي في الجامعة، وكان الوقت متأخراً؛ حيث كانت الساعة تتجاوز العاشرة ليلاً، ورأيتُ شاباًّ بلباس العمل واقفاً على جانب الشارع، ويؤشر على السيارات المارة، علَّها تقف له.  قلتُ في نفسي: "أكسب أجراً، وأقف لهذا الشاب".

أوقفتُ له، وجاء إلى السيارة، وفتح الباب، ثم سألني إذا كنتُ سأصل إلى المنطقة التي هو يريدها، فأخبرته بأنني متوجهٌ إلى تلك الوجهة.  ركب الشاب، وشكرني كثيراً، وقال: "من الصعب أن يحصل المرء على سيارة في مثل هذا الوقت".

كان شاباًّ في بداية العشرينات من عمره، وكان يرتدي لباس الفنيين، ويبدو عليه الإنهاك، وكأنه كان قادماً من عمل، فسألته: "يبدو أنك قادمٌ من الدوام؟"

قال لي: "نعم، فإن دوامي ينتهي في العاشرة مساءً".

قلتُ له: "ومتى تبدأ الدوام؟"

قال لي: "أعمل في الفترة المسائية فقط، ودوامي من الرابعة عصراً إلى العاشرة ليلاً".

فقلتُ له: "وماذا عن فترة الصباح؟"

فقال لي: "أنا طالب في الجامعة، وغالبية محاضراتي تنتهي قبل الرابعة عصراً، ولذلك رتَّبتُ أن يكون دوامي في المساء".

فقلتُ له: "تذهب إلى الجامعة في الصباح، وتذهب إلى العمل في المساء، أليس هذا شيءٌ مرهق؟!!"

فقال لي: "حقاً إنه مرهق، ورغم أن الوقت الآن متأخر إلا أنني لن أذهب وأنام؛ وإنما أمامي بضع ساعات قبل أن أنام!!"

قلتُ له: "ولماذا لا تنام مبكراً وتستيقظ في الصباح مبكراً؟"

قال: "وضعتُ لنفسي برنامجاً؛ وهو أن أعود إلى غرفتي فأستحم وأطبخ عشائي، ثم أتناول العشاء، ويكون قد قضيتُ حوالي ساعة منذ وصولي، وتبقى لي حوالي ساعتان أذاكر فيهما دروسي!!"

قلتُ له: "هذا يعني أنك لن تنام قبل الواحدة؟!!"

قال لي: "هذا صحيح!!".

قلتُ له: "ومتى تستيقظ في الصباح؟"

فقال لي: "بالطبع، أحرص أن لا تفوتني صلاة الفجر في الجماعة.  وبعد الصلاة أقرأ وِردي من القرآن، وهو جزءٌ كاملٌ، ثم أعود إلى غرفتي وأصنع إفطاري، ثم أفطر وأتجهز للذهاب إلى الجامعة!!"

فقلتُ له: "إذاً، أنت لا تنام إلا حوالي أربع ساعات؟!!"

فقال لي: "في بعض الأحيان يكون عندي بعض الوقت في الجامعة، فأستغل تلك الفرصة فآخذ قيلولة خفيفة!!"

فقلتُ له: "ولكن هذا الإرهاق سيؤثر على دراستك كثيراً".

فقال لي: "إنه ليس عندي خيارٌ آخر، فأنا مضطر لأن أعمل في المساء؛ فوالدي مصابٌ بالشلل، ولي خمسة إخوةٍ وأخوات، وهم يحتاجون إلى مَن ينفق عليهم، وفي نفس الوقت فأنا لا أريد أن أفرط في دراستي، فلم يكن عندي خيارٌ إلا الدراسة والعمل معاً!!"

فقلتُ له: "أنا أستاذٌ في الجامعة، وأعرف عن أحوالكم أنتم الطلاب الكثير، وإني أعرف أن غالبية الطلاب- وخاصةً الذكور منهم- لا يهتمون بدراستهم رغم أنهم متفرغون فقط للدراسة، فماذا عسى أن يكون حالك، وأنت توزع وقتك بين الدراسة والعمل؟"

فقال لي: "اعذرني أولاً يا أستاذي، فلم أعرف بأنك أستاذٌ في الجامعة.  أما بخصوص دراستي فإني قد وضعتُ لنفسي هدفاً وهو أن أكون الأول في دفعتي على مستوى الجامعة، وهذا يعني أن لا يقل معدلي التراكمي عن 3.9!!"

قلتُ له: "ما أكثر الأحلام لو أنها تتحقق!!".

قال: "عفواً يا أستاذي، ولكنني لم أضع لنفسي أحلاماً فقط، وإنما حوَّلتُ هدفي إلى خطة، فرتبتُ أوقاتي لأضمن أن لا يقل معدلي عما ذكرتُه لك".

قلتُ له: "وفي أي سنةٍ أنت الآن؟"

قال: "أنهيتُ ثلاث سنوات، وهذه سنتي الرابعة!!"

قلتُ له: "هل لي أن أسألك كم معدلك الآن؟"

قال: "بحمد الله ما زال يفوق 3.95!!"

قلتُ له: "ما شاء الله، يبدو أن الله- سبحانه وتعالى- قد أعطاك من القدرات والمواهب ما تستطيع أن تحافظ به على هذا المعدل".

فقال لي: "الحمد لله، فأنا في نعمة عظيمة تستحقُّ الشكر.  ولكن عليك أن تعلم يا أستاذي الفاضل بأن الله- سبحانه وتعالى- قد أعطى جميع الناس قدراتٍ متكافئة، ومنحهم فرصاً لو أحسنوا استغلالها لاستطاعوا تحقيق ما يفوق تخيلهم.  وسرُّ النجاح ليس بوضع الأهداف والخطط، وإنما هو في تفعيلها والإصرار عليها.  ولكي يستطيع الإنسان أن يستمر في تحقيق نجاحاته فلا بُدَّ له من مُحفِّزٍ ودافع".

أحسستُ بأن مَن يجلس بجانبي ليس كأيِّ طالبٍ، وإنما أنا بجانب رجلٍ عظيم.  لذلك، أردتُ أن أستوضح أكثر عن حياته وطموحاته، فقلت له: "وما الذي يدفعك أنت للاهتمام بدراستك وتحقيق النجاحات التي ترغب فيها؟"

فقال لي: "إنك تعلم يا أستاذي بأننا ننتسب إلى أمةٍ مباركة، قد تخاذل غالبية أبنائها عن نصرتها والقيام بشؤونها.  وعندما فكرتُ في أحوالها، أحسستُ بها وهي تئِنُّ مما أصابها من جراحٍ أثخنتها، ومن كُربٍ أوجعتها، وسمعتُها وهي تستنجد بي، وتطلب مني أن أمد إليها يد العون.  فقلتُ لنفسي: يا ويحي، إنني لا أرد طلب سائلٍ، حتى وإن صغر سنُّه أو قل شأنه، فكيف وأمتي تستنجد بي؟!!  عندها وضعت لنفسي هدفاً، وهو أن أصل إلى المرتبة التي أستطيع من خلالها أن أحقق لأمتي عزها ومجدها!!"

كنتُ أستمع إلى هذا الحديث وأنا منكسٌ رأسي خجلاً من حالي أمام عظمة هذا الطالب؛ فأنا أدَّعي بأنني أستاذٌ في الجامعة، وأني قد وصلتُ إلى مراتب لم يصلها إلا القليلون، وأني قد حققتُ من الإنجازات الشيء الكثير.  وها هو هذا الطالب البسيط في هيئته، العظيم في شأنه يُعلِّمني درساً وهو أن العظمة ليست كما كنتُ أتصورها، وإنما هي حقيقةً- كما قال- بالارتباط بالله- سبحانه وتعالى- وبالانتماء الصحيح إلا أمة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قلتُ له: "يا ولدي، إن ما تنشده لأمرٌ عظيم، وهو سهل على من سهَّله الله عليه، وإني بقدر ما أبارك لك هذه الهمة العظيمة وهذا الفكر النيِّر، أعطف عليك؛ فإنك كما أخبرتني، وكما يبدو من حالك، فإنك تجهد نفسك كثيراً لتحقيق ما اختطط لنفسك من تحقيقه في هذه الحياة، وإن ما يؤلمني أكثر أن أرى الألوف المؤلفة من أمثالك الطلاب وهم تائهون؛ لا يعرفون لدنياهم غاية، ولم يضعوا لحياتهم هدفاً، ولم ينجزوا طيلة سنين عمرهم شيئاً، حتى ولو كانت إنجازات بسيطة ومتواضعة".

فقال لي: "صدقتَ يا أستاذي، وإنني أعاني من أمثال هؤلاء أكثر من معاناتي من دراستي وعملي".

فقلتُ له: "يكفيك الجهد الذي تبذله في دراستك وعملك، وأرى أن تترك هؤلاء لألا يؤثروا عليك سلباً في دراستك؛ سواءً بما يسببونه لك من مضايقات أو بما يضيعونه عليك من أوقات".

فقال لي: "عفواً يا أستاذي، ولكن ليس لي مفرٌ من مخالطتهم والاهتمام بهم!!".

تعجبتُ من هذا الرد، فظننتُ أنه ربما يكون مديناً لهم بأمورٍ كاقتراض مالٍ منهم، فيرى ضرورة التعامل معهم من باب المجاملة، فقلتُ له: "عجباً لأمرك، لماذا لا ترى بُداًّ من مخالطة هؤلاء وهم على ما وصفتهم به من ضياع وعدم اكتراث بدراستهم وأحوال مجتمعهم؟!!"

فقال لي: "لقد أخبرتك يا أستاذي أن مما أريد تحقيقه في هذه الحياة هو أن أنجد أمتي التي تصرخ بي وتستغيث، ولا يمكنني أن أحقق ذلك بمفردي، فكان لا بُدَّ لي من أن أوجد من أبناء هذه الأمة من يدرك مصابها ويهتم بشؤونها.  لذا، فإنني قد جعلتُ من ضمن خطتي اليومية أن أهتم بزملائي الطلاب، وخاصةً أولئك الذين أرى فيهم بوادر الصلاح، وأجالسهم وأحادثهم، وأستخدم معهم التلطف والنصح والتوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأصدقك القول يا أستاذي أنني ما أفرح بمعدلي التراكمي بأكثر من فرحتي عندما أرى أحد هؤلاء الشباب، وقد عقد العزم أيضاً على الاهتمام بدراسته، ووضع برنامجاً لتثقيف نفسه، والارتقاء بمهاراته ومواهبه.  وإنني على يقين أن أمثال هؤلاء سيكونون أداة البناء للمجتمع والأمة، وأن بقائهم في التيه والضياع لن يجلب للمجتمع والأمة إلا الوبار والعار".

قلتُ له: "ولكن إن استطعتَ أن تقنع أشخاصاً من زملائك الطلاب، فسيكون هناك آلاف آخرون غيرهم على درجات متفاوتة من الانحراف والبعد عن منهج الله والتيه والضياع وعدم الاكتراث بالدراسة أو بشؤون المجتمع الأمة، ولن يكون لأولئك الأفراد القلائل الذين استطعتَ أن تؤثر عليهم شأنٌ يُذكَر في الأمواج المتلاطمة من الطلاب الآخرين الذين هم على نقيض ذلك!!"

فقال لي: "على العكس من ذلك يا أستاذي؛ فإنك إن بَذَرْتَ بذرة خيرٍ ورأى- سبحانه- حسن نيتك وجديتك في الاهتمام بهذه البذرة، فإن الله يُنمِّيها لك حتى تصبح يانعةً مزهرةً مثمرة، ومتى تكاثرت هذه البذرات بدأ تيار الشر والانحراف في الاضمحلال.

ولكن ما زال ما قلتَه يا أستاذي من قلة الأفراد العاملين هو حقيقة علينا ألا نغُضَّ الطرف عنها، ولذلك فإني لا أكتفي فقط بالاختلاط بهؤلاء، وإنما أحاول أن أغشى أنديتهم، وأشاركهم فعالياتهم، وأرتب مع بعض إخواني في إقامة أنشطة وفعاليات نحسب- بإذن الله- أن يكون لها أثرٌ في توجيه هؤلاء الشباب في الاهتمام بدراستهم والاهتمام بمجتمعهم وأمتهم".

أعجبتُ كثيراً بهذا التحليل الذي ينمُّ عن فكرٍ سديد وعقلية واعية ومخططة، فأردتُ أن أستكشف منه المزيد، فقلتُ له: "وإذا كان الله- سبحانه وتعالى- قد هيأ للشباب مَن يهتم بهم، فماذا عن الفتيات، وهن أكثر عدداً منكم، وأحوالهن أسوأ بكثيرٍ من أحوال الشباب، وخطر انحرافهن أضر على المجتمع من انحراف الشباب؟"

ابتسم الطالب، وقال لي: "لقد أدركنا هذه الحقيقة منذ البداية، ولذلك عملنا جاهدين على أن نوجد قنوات اتصالٍ بيننا وبين الفتيات!!"

شدَّني براعة هذا الشاب في الإجابة، فأردتُ أن أمازحه قليلاً، فابتسمتُ، وقلتُ له: "إنكم بهذا تحبطون ما تقومون به من جهود، فأنت تعرف أن الاختلاط بالأجنبيات لا يجوز في شرع الله، وأنتم طلاب في سن المراهقة!!"

فهم الطالب قصدي، وقال لي: "لا يا أستاذي، إن الأمر ليس كما تصورتَ؛ فنحن لا نقيم قنوات اتصالٍ مع الطالبات للاختلاط بهن، وفعل المحاذير معهن، ولكننا نبحث عن بعض الطلاب الذين تدرس أخواتهم أيضاً في الجامعة، ونحاول من خلال هؤلاء التنسيق مع الطالبات.  ونحن ندرك يا أستاذي ما أشرتَ إليه، ولذا فإننا نحاول جاهدين أن نُبصِّر الطلاب والطالبات بخطورة الاختلاط والتبرج وغير ذلك من المنكرات، والتي أصبحت من معالم غالبية الجامعات!!"

قلتُ له: "وهل وجدتم تجاوباً من قبل الطالبات؟"

فقال لي: "إنك لا تصدق يا أستاذي أن الطالبات هن أكثر اهتمامٍ بهذه الأمور منا نحن الشباب؛ فما أن تسمع الواحدة منهن بتوجهنا للإصلاح والدعوة، حتى تهبَّ للمبادرة والمشاركة، ونحاول أن نتخير النجيبات منهن، لأننا نعلم أنهن أقدر على العطاء والبناء".

قلتُ له: "وماذا عن الأساتذة والموظفين؟!!  أليسوا هم أيضاً بحاجة إلى توجيهٍ وإصلاح؟"

فردَّ عليَّ قائلاً: "العفو يا أستاذي، فأنتم القدوة لنا".

قلتُ له: "نعم، ذلك ما كان يفترض أن يحدث، ولكن الواقع هو غير ذلك؛ فإن كثيراً من الأساتذة والموظفين لا يصلحون لأن يكونوا قدوة لغيرهم، بل إن بعضهم ليُعتَبر أدوات إفسادٍ للطلاب والطالبات والمجتمع!!"

فردَّ عليَّ قائلاً: "الحقيقة يا أستاذي أننا أدركنا هذا من خلال احتكاكنا بأساتذتنا، ولذا فقد وضعنا في الاعتبار أن نكون على تواصل مستمر مع الأساتذة والموظفين، وذلك من خلال الأنشطة التي نقوم بها، ومن خلال بعض المنشورات التي نصدرها.

ونحن نحاول من خلال كل ذلك إصلاح الجوانب المختلفة عندهم، ومنها ضعف التمسُّك بقيم الدين وفضائله، ومنها الانحراف الفكري الذي يعاني منه الكثير من الأساتذة والموظفين، ومنها اللامبالاة وعدم الاكتراث بتوجيه الطلاب وتحفيزهم على البذل والعطاء، فقد لاحظنا- وللأسف الشديد- أن كثيراً من الأساتذة لا يهمهم إلا الراتب الشهري الذي يستلمونه، ولا يكترثون بأحوال طلابهم وزملائهم".

قلتُ له: "ما شاء الله، وتُصدِرون أيضاً نشرات؟"

فقال لي: "إننا نحاول أن نوصل كلمة الإسلام بمختلف الوسائل.  والبيئة الجامعية، كما تعلم يا أستاذي، بيئة مناسبة لمثل هذه الأنشطة؛ فوجود العدد الكبير من الطلاب، سواءً أولئك الذين يمكن أن يشاركوا في الأنشطة التي نقوم بها، أو ممن يكونون مستهدفين من هذه الأنشطة، يجعل من إقامة هذه الأنشطة ذات جدوى.  والنشرات هي مجرد واحد من الأنشطة التي نقوم بها، ولكن هناك العديد غيرها؛ فنحن نقيم المحاضرات والندوات وحلقات النقاش، وفي بعض الأحيان نعد لمؤتمرات".

ابتسمتُ وقلتُ له: "ما شاء الله، إنني لأحس بالخجل وأنا أسمع هذا الكلام؛ فنحن كأساتذة عندنا من الإمكانيات والوسائل ما يمكننا أن نقوم بهذه الأنشطة بأوسع مما هو متاح لكم، ولكننا لا نفعل؛ لأن توجُّه غالبية الأساتذة هو ليس في هذا السياق".

فقال لي: "هذا صحيح، فليس المعوَّل عليه كثرة الموارد بقدر ما هو صدق التوجُّه".

فقلتُ له: "ولكن، كيف يتسنى لكم القيام بكل هذه الأنشطة، وأنتم على ما وصفتَ لي من انشغالات؟!!"

فقال لي: "إن حُسن التنظيم في مثل هذه الأمور ليساعد كثيراً؛ فنحن نقوم فقط باقتراح الأنشطة، ثم نحاول البحث عن بعض الطلاب، وخاصة ممن ينتمون إلى الجماعات الطلابية، الذين يمكن توجيههم نحو إقامة هذه الأنشطة والاهتمام بها.  وفي بعض الأحيان نستفيد من توجُّه بعض الجهات الموجودة في الجامعة لإقامة مثل هذه الأنشطة، ونكون نحن قريبين منهم لضمان توجيه تلك الفعاليات فيما يخدم الإسلام وأمة الإسلام".

فقلتُ له: "ولكني مع ذلك أرى أن لا تُكثروا من هذه الأنشطة، وأفضل أن تكون موجهة لمعالجة قضايا بعينها".

فقال لي: "وهذا ما نفعله؛ فنحن نقوم بمناقشة الظواهر التي نشاهدها سائدة بين الطلاب، ثم نقترح الفعاليات التي يمكن إقامتها لمعالجة واحدة أو أكثر من تلك الظواهر".

قلتُ له: "وما هي في نظرك الظواهر المنتشرة بين الطلاب، والتي ترى ضرورة في معالجتها؟"

فقال لي: "من أهم القضايا التي نطرحها، ونحاول التركيز عليها كثيراً، هي قضية التيارات الفكرية التي تعصف بطالب الجامعة؛ فأنت تعلم يا أستاذي أن الطلاب قد أتوا من بيئات مختلفة وخلفيات مختلفة.  واغتراب الشاب عن بلدته له من الإيجابيات المعروفة، فهي تعينه على تكوين شخصية مستقلة له، ولكنها في نفس الوقت لها من السلبيات الكثيرة، وخاصة غياب الرقيب والحسيب، وهو وليُّ الأمر، وهذا يجعل الطالب عُرضة لأن يُغرَّر به، وأن يباع ويشترى في سوق النخاسة، وهو لا يدري!!

وعندما يأتي هؤلاء الطلاب إلى الجامعة يجدونها تموج بالأفكار والتيارات التي يقوم على نشرها والترويج لها أساتذة رضعوا لبانها في بلدانهم وأتوا بها إلينا، وطلاب تم التغرير بهم من خلال أساتذتهم أو زملائهم.  وخطورة هذه الظاهرة هي من شقين: الأول، هو أن مَن يقوم بحمل لوائها والترويج لها هم- في الغالب- الأساتذة الذين ينظر إليهم الطلاب بعين الاحترام، ويعتبرونهم قدوة، ولذلك فهم يتقبلون منهم تلك الأفكار دون أدنى مناقشة.  والأمر الثاني، وهو الأخطر في نظري، أنهم لا يقومون بالترويج لأفكارهم ومعتقداتهم بصورة مباشرة، وإنما تكون- في الغالب- مدسوسة في ثنايا حديثهم في المحاضرات، أو من خلال المحاورات التي يُجرونها بين الطلاب".

قلتُ له: "إني أتفق معك بأن قضية التيارات الفكرية هي من القضايا المهمة جداًّ، وأصدقك الحديث إن قلتُ لك بأننا قد عانينا نحن منها كثيراً عندما كنا طلاباً في الجامعة، وما زلنا نعاني منها ونحن الآن أساتذة.  والخطير في الأمر، كما ذكرتَ، أن مَن يحمل لواء نشرها والدفاع عنها هم الأساتذة أنفسهم، ولكن عليك أن تعلم يا ولدي أن هناك منظمات دولية تقف وراء هؤلاء، وتمدهم بما يحتاجون إليه من دعمٍ مادي ومعرفي!!"

فقال لي: "وهذا يفسر لي الحملات الشرسة والاستماتة في الترويج لبعض تلك الأفكار، وخاصة من بعض الطلاب؛ فالطالب- المغرر به- يقف وراءه أساتذة يدفعونه بقوة لنشر تلك المبادئ والأفكار، والأساتذة- المغرر بهم أيضاً- تقف وراءهم تلك المنظمات التي ذكرتَها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليَّ العظيم!!"

أحسستُ أن الشاب قد تأثر من طرح هذا الموضوع، فقلتُ له: "أعرف أن هذه الأمور قد تجلب للإنسان- في بعض الأحيان- الضيق والكدر، ولكن لا مفر من محاربة أولئك المنحرفين- طلاباً كانوا أم أساتذة- وإلا لاتَّسَع الرَّقع على الراقع- كما يقال- وعندها قد تصعب معالجة الأمور بالطرق البدائية".

فقال لي: "لقد صدقتَ يا أستاذي الفاضل، فلا مفر لنا من طرح تلك القضايا.  وأريد أن أشير هنا إلى قضية أخرى مهمة، ولها علاقة بقضية التيارات الفكرية المنحرفة".

فقلتُ له: "وما هي؟"

فقال لي: "إنك تعلم أن أصحاب الأهواء والبدع والتيارات المنحرفة الضالة يستهدفون فئات معينة من الطلاب، وهي الفئات التي تكون عندها خواء إيماني وعقدي أو الفئات ذات التحصيل المتدني دراسياًّ!!"

قلتُ له: "صدقت، فإن من تشرَّب قلبه بالإيمان، ورسخت فيه عقيدة الإسلام، فلا يمكن بحال أن يستبدلها بأفكار هابطة منحرفة سيقت إليه من هنا وهناك".

فقال لي: "وكذلك بالنسبة لمن هم على درجة عالية من الذكاء والفطنة، فهؤلاء قد آتاهم الله من العقل ما يستطيعون أن يميزوا به بين الخبيث والطيِّب، إلا في بعض الحالات، والتي يكون للهوى فيها سلطة أقوى على جوانح نفس ذلك الشاب من عقله!!".

فقلتُ له: "صدقتَ يا ولدي، ولقد لاحظتُ أن كثيراً من الطلاب يعيشون في حالةٍ أشبه بالتيه والضياع؛ فتجد الواحد منهم لا يكترث بدراسته بقدر ما يكترث بتزويق هندامه وتلميع حذائه.  وقد حاورتُ عدداً منهم- وخاصة الشباب- فوجدتُ أن همهم هو التخرج بغض النظر عن التحصيل العلمي الذي حققوه في مدة بقائهم في الجامعة، فترى الواحد منهم لو استطاع أن يتخرج بمعدل تراكمي دون الواحد لما بالى في ذلك!!"

قال لي: "إن هذه ظاهرة خطيرة يا أستاذي، ولا أدري إن كنتم أنتم المدرسون تقدرون أهميتها".

فقلتُ له: "كيف لا يا ابني، ونحن ندرك أن هؤلاء الشباب وبعض الفتيات سينتهي بهم الأمر بعد تخرجهم إلى الالتحاق بالوظائف، وماذا عساهم أن يفعلوا هنالك إذا كانوا لم يفعلوا شيئاً طيلة بقائهم في الجامعة؟!!"

فقال لي: "هذا جانب مهم يقلقني ويقلق الكثيرين من زملائي، حيث لا تنسى يا أستاذي أن بعض هؤلاء عندما يلتحقون بالوظيفة فإنهم سيلجؤون إلى ابتكار حيلٍ وطرقٍ ملتوية لإيهام مسؤوليهم وزملائهم في العمل بأنهم صالحون للعمل وأنهم ليسوا فاشلين، وهذا سيؤدي- بطبيعة الحال- إلى ضعف الإنتاج على مستوى المؤسسة، ثم عندما ينتشر الأمر ويعم المجتمع بأكمله فعندها يصبح مجتمعاً مترهلاً ضعيفاً لا يستطيع أن يلبي احتياجاته الضرورية، وإنما يعتمد في كل ما يحتاج إليه على الآخرين.

وكما ذكرتُ لك يا أستاذي أن المنحرفين أخلاقياًّ والفاشلين دراسياًّ هم- في الغالب- الفئة المستهدفة من قِبَل أصحاب الأهواء والتيارات الضالة.  والأمر الخطير هنا هو ليس مجرد تبني هؤلاء المنحرفين والفاشلين لتلك الأفكار العفنة، ولكن الأخطر من ذلك أنهم سيقومون بعد تخرجهم بنقل خبراتهم وتجاربهم في الفساد والإفساد إلى بيئة العمل وإلى أماكن سكناهم، وسيشكلون بؤراً للفساد ومراكز لنشر الرذائل.  وماذا عسى أن يكون همُّ مَن لم يخف رباً ولم تردعه قيمٌ ومبادئ؟!!  إنه- بلا شك- سيحاول جاهداً أن يجعل من بيئة عمله وسيلةً لنشر الانحراف الذي درج عليه أيام دراسته!!"

فقلتُ له: "كلامك منطقيٌ جداً؛ فإن الفاشلين رغم تدني مستوياتهم العلمية، وتدهور أحوالهم الأخلاقية والسلوكية، إلا أنهم لا يعترفون أنهم فاشلون، وربما اعتقدوا أنهم على الصواب والجادة، وأن غيرهم متخلفٌ وغير مواكب للتطور والواقع.  وإذا رأوا أن العيون صارت تمقتهم، وأن بعض الناس قد بدؤوا في اكتشاف فشلهم وتدني مستوياتهم، فإنهم يلجؤون- كما ذكرتَ- إلى وسائل لإخفاء فشلهم وإخفاقهم، وإذا نجحوا في ذلك، فإنه نذير شؤمٍ على المجتمع بأسره!!"

فقال لي: "لذلك، فإننا نحاول أن نكرس كثيراً من جهودنا لدفع إخواننا وأخواتنا الطلاب للاهتمام بدراستهم ولتنمية قدراتهم ومهاراتهم.  ونحاول كذلك أن نعالج النظرات المتدنية التي يعاني منها غالبية الشباب والفتيات في تصوُّرهم للمستقبل؛ فكما تعلم يا أستاذي أن أقصى ما يفكر فيه غالبية الشباب والفتيات بعد تخرجهم من الجامعة هو حصولهم على وظيفة وراتب مناسب تمكنهم من الزواج وشراء السيارة وبناء البيت، وغير ذلك من مُتَع الحياة الدنيا.  وما نحاول القيام به هو توجيههم للاهتمام بأمتهم ومجتمعاتهم، وأن يكون لهم دروٌ رائد في البناء والإصلاح".

قلتُ له: "ما أنبل ما تسعَوْن له يا ولدي لو كانوا يسمعون، ولكنك تعلم أن صرف الطلاب عن هذه الاهتمامات هو أمرٌ في غاية الصعوبة، فالحياة قد أصبحت معقدة جداًّ، وأصبحت تستحوذ على اهتمامات غالبية الناس، والطالب قد لا يعنيه موضوع الإصلاح والبناء بقدر ما يعنيه تأمين الوظيفة والراتب والزوجة!!"

فقال لي: "نحن ندرك طبيعة النفس البشرية وميلها إلى هذه المتع وعدم اكتراثها بما هو أنفع لها وأصلح.  لذلك، فإننا لا نقوم بصرف اهتمامات الشباب والفتيات عن هذه الأمور بطريقة مباشرة، وإنما نحاول أولاً تشجيعهم على القراءة والمطالعة في الصحف والجرائد والمجلات ومواقع الإنترنت التي نرى أنها تخدم هذا الجانب.  كذلك، فإننا نحاول توجيههم للتخصص في المجالات التي تخدم الأمة، ولا نقوم بذلك أيضاً بطريقة مباشرة، وإنما من خلال توجيه اهتماماتهم ومطالعاتهم لتصبَّ في هذا السياق".

فقلتُ له: "وهذا ينمُّ عن حكمة ودراية وفهم عميق لنفسيات الناس ومتطلبات الدعوة".

فقال لي: "الحمد لله، إننا نتوكل على الله في كل أمورنا، ونسأله دوماً أن يوجِد لنا المنافذ التي نستطيع من خلالها أن نلج إلى أفئدة الناس فنوصِل إليهم كلمة الحق".

فقلتُ له: "لقد شرحتَ لي كيف توزعون الجهود لإقامة الأنشطة بين الطلاب والجهات المختلفة في الجامعة، ولكن ماذا عن تمويل تلك الأنشطة؟  ألا تصادفكم عقبات مالية؟"

فقال لي: "الجانب المالي هو أحد الركائز المهمة في إقامة ونجاح مثل تلك الفعاليات، ولكن استطعنا بحمد الله أن نتغلب على هذا التحدي بوسائل عدة، منها:

1) طلبنا من الإخوة الذين نثق في صدق توجههم إلى الله- سبحانه وتعالى- أن يساهموا شهرياًّ ببعض المبالغ، ولو كانت يسيرة، وجعلناها جزءاً من التزاماتهم الدعوية.

2) والوسيلة الأخرى هي أن نستفيد من تمويل بعض الأنشطة التي تقام من خلال الجماعات الطلابية وجهات الجامعة المختلفة ذات الصلة، ففي بعض الأحيان يتم تغطية فعاليات بأكملها، وفي أحيان أخرى نحصل على تمويل جزئي، ونقوم بتعويض الباقي من خلال الوسائل الأخرى.

3) كذلك، فنحن على تواصل مستمر مع الشباب والفتيات المهتمين بالأمور الدعوية والحريصين على نصرة الأمة، سواءً كانوا داخل الجامعة أو خارجها، ونقوم بإشراكهم في التخطيط والإعداد للفعاليات التي نقوم بها، مما يجعلهم حريصين على إنجاح تلك الفعاليات، وهذا بدوره يجعلهم يبادرون بالمساهمة المالية طوعاً".

قلتُ له: "ولكن ما أعلمه أن الإعداد للمؤتمرات- وخاصة الدولية منها- يحتاج إلى تخطيط وتمويل كبيرين، فكيف يتسنى لكم ذلك؟!!"

فقال لي: "أما بالنسبة للإعداد والتخطيط للمؤتمرات فإننا ألزمنا أنفسنا منذ البداية بأن لا نسمع عن رغبة أية جهة من جهات الجامعة في إقامة مؤتمر ما إلا ونعرض عليهم المشاركة في الإعداد لذلك المؤتمر، وكانوا هم يرحبون بذلك كثيراً.  لذلك، فقد أكسبتنا تلك المشاركات الفهم والخبرة في الإعداد والتخطيط لإقامة مؤتمرات مشابهة.  وأما بخصوص التمويل، فإنه عندما نكون بحاجة إلى إقامة مؤتمر فإننا نحاول أولاً البحث عن جهة يمكن أن تتبنى ذلك المؤتمر، ونَعِدهم بأن نتحمل نحن القسط الأكبر من الإعداد والتخطيط له، ونفوض لهم أمر التمويل والإشراف.  وبطبيعة الحال، فإخواننا الطلاب يساهمون معنا بتفانٍ يفوق النظير".

قلتُ له: "وهل تُشرِكون الفتيات في الإعداد والتخطيط لتلك الفعاليات؟"

فقال لي: "طبعاً، عندما تأتي فكرة لإقامة فعالية معينة فإننا نوصِل تلك الفكرة إلى الفتيات، سواءً داخل الجامعة أو خارجها، ومن خلال القنوات التي أشرتُ إليها سابقاً، ونطلب منهن أن يُبدِين الرأي والاقتراحات، ونحن- في كثير من الأحيان- نأخذ بآرائهن.  وأيضاً فهن يعينَّنا على تمويل الكثير من الفعاليات، بجانب أنهن يساهمنَ في إقامة الفعاليات نفسها، فهن يتولَّيْن الجانب النسائي، ونحن نتولى جانب الرجال.  كذلك، فإننا ندرك أهمية المرأة والاهتمام بها، وخاصة من خلال إقامة هذه الفعاليات، ولذلك فإننا نخصص فعاليات تخدم النساء فقط، ونقوم نحن بدور الإعداد والتخطيط والتمويل، ويَقُمْن هن بالمشاركة في هذه الجوانب، بالإضافة إلى تنفيذ تلك الفعاليات".

قلتُ له: "ذكرتَ لي أنكم في بعض الأحيان تقيمون مؤتمرات دولية، فكيف يتسنى لكم التعرُّف على العلماء والمفكرين والمشاهير من الدول الأخرى؟"

فقال لي: "كما أننا نحاول إقامة مؤتمرات دولية ليتسنى لنا الاستفادة من خبرات وعلوم مَن هم في البلدان الأخرى، فإننا أيضاً نتواصل مع مَن لهم اهتمامات بالفكر والدعوة في تلك البلدان".

فقلتُ له: "وكيف تقومون بذلك؟"

فقال لي: "كما تعلم يا أستاذي، فإنه لا تكاد تخلو جامعة من جامعات العالم من جماعات واتحادات ومنظمات طلابية، وما نقوم به هو أن نمسك أولاً بزمام بعض الاتحادات والمنظمات الطلابية الموجودة عندنا في هذه الجامعة، ونحاول أن نوجهها لخدمة الإسلام وأمة الإسلام، ثم بعد ذلك ننطلق للتعرف على ما هو موجود في الجامعات الأخرى الموجودة عندنا في البلد.

وإذا رأينا قصوراً في بعض الاتحادات والمنظمات الطلابية الموجودة في الجامعات الأخرى وسوء توجيه لها، فإننا نحاول أولاً إيجاد حلقات وصل بيننا وبين تلك الاتحادات والمنظمات الطلابية، والذين غالباً ما يكونون من الطلاب والطالبات.  ثم بعد ذلك نحاول أن ندفع أولئك الطلاب والطالبات لأن يشاركوا في تلك الاتحادات والمنظمات الطلابية ليتسنى لهم القيام بتوجيهها الوجهة الصحيحة.

وبنفس الطريقة نقوم أيضاً بالتعرف على الاتحادات والمنظمات الطلابية الموجودة في جامعات الدول الأخرى، وحتى الأجنبية منها، ونتواصل معهم عبر البريد الإلكتروني.  وفي حالة إقامتهم لبعض الفعاليات ذات الشأن، وخاصة المؤتمرات، فإننا نقوم بالمشاركة فيها بالحضور.

ومن خلال مشاركتنا في تلك المؤتمرات، فإننا نحاول التعرف على أحوال الاتحادات والمنظمات الطلابية في تلك الجامعات، ونبني جسور التواصل مع قياداتها والفاعلين فيها.  وبذلك نكون قد جعلنا هذه الحلقات المتواصلة من العلاقات التي تربط بين الاتحادات والمنظمات الطلابية المختلفة تكوِّن لنا ما يشبه الشبكة الواحدة التي نستطيع من خلالها خدمة هذا الدين ونصرته بالصور الأجدى والأنفع".

قلتُ له: "جزاك الله خيراً يا ولدي، وبارك الله لكم في هذه الجهود التي تقومون بها، وإني أدعوكم مرة أخرى بأن تهتموا بأساتذتكم كما تهتمون بزملائكم الطلاب!!"

فقال لي: "العفو يا أستاذي، فالخير فيكم بإذن الله".

قلتُ له: "يا ابني، أنا لا أحاول من كلامي هذا- بعد كل ما سمعتُه منك- أن أجاملك، ولكن كما تعلم فإن الهيئات التدريسية في معظم جامعات العالم الإسلامي تعاني من تدني القيم والمبادئ وضعفها في نفوس الكثيرين منهم!!"

فقال لي: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!  إنك بهذا تدرك يا أستاذي أن أمتنا بحاجة ماسة إلى مَن يعيد أبناءها إلى جادة الصواب، وفي نظري أن دوركم أنتم الأساتذة يمكن أن يكون أعظم من دورنا نحن الطلاب، وإن كان لا عذر لأحدنا أمام الله سبحانه وتعالى!!"

قلتُ له: "يا ابني، إن قطاعات المجتمع كلها بحاجة إلى إصلاح، بل وفي كثير من الأحيان إلى إعادة بناء.  والبيئات الجامعية هي من أحوج تلك القطاعات للإصلاح، حيث أنها تشكل بيئة خصبة لضياع الشباب والفتيات وانحرافهم!!"

فقال لي: "وما رأيك يا أستاذي أن نتعاون جميعاً لأن نخدم دين الله، سواءً كان في الجامعة أو خارجها، وسواءً كان الأمر يتعلق بالطلاب أم بالأساتذة أم بغيرهم؟"

قلتُ له: "وهل يحتاج هذا إلى جواب؟!!  طبعاً، أنا مستعد لأن أكون بجانبكم وأساندكم بما أستطيع، وأن تتولى أنت دور التوجيه والإرشاد لنا نحن الأساتذة كما تفعل ذلك مع الطلاب!!"

رأيتُ الشاب ينكِّس رأسه، ويقول: "أستغفر الله يا أستاذي، لا تقل هذا، فأنتم ستبقون قدوتنا".

قلتُ له: "ها نحن قد قاربنا الوصول، فدع عنك هذه المجاملات، وهذه بطاقتي وفيها رقم مكتبي وهاتفي النقال وبريدي الإلكتروني، ويمكن أن تتواصل معي بأيِّ طريقة تراها مناسبة.  وإن أحببتَ أن يكون تواصلنا في خارج الجامعة، فالأمر متاحٌ لك".

مددتُ بيدي وأعطيته بطاقتي، فاستلمها مني، وقال لي: "شكراً لك يا أستاذي على ما أفدتني به، وشكراً لك على توصيلك لي، وبإذن الله سنكون على تواصل مستمر".

قلتُ له: "العفو يا ولدي فأنا سُعِدْتُ بالحديث إليك كثيراً، وما رأيك أن تتناول العشاء معي بدلاً من أن تذهب وتطبخ عشاءك بنفسك؟"

فقال لي: "أشكرك يا أستاذي، ولكن لا أريد أن أكسر عادة تعودتُّها مخافة أن تميل نفسي إلى المساومات!!"

قلتُ له: "رغم أنه يشرفني حضورك إلى بيتي، غير أني أيضاً أقدر لك ما عوَّدتَ نفسك عليه.  والآن، دلَّني على الطريق الموصِل إلى شقتك".

أخذ الشاب يرشدني إلى الطريق الموصِل إلى شقته.  وعندما وصلنا مدَّ يده وسلَّم عليَّ، ثم قال لي: "شكراً لك يا أستاذي مرة أخرى على توصيلك لي، وأسأل الله أن يبارك في لقائنا هذا، وأن يجعله بذرة خير للعمل سوياًّ لخدمة دينه وأمة نبيه صلى الله عليه وسلم".

فقلتُ له: "أسأل الله ذلك، ولا تتأخر عليَّ كثيراً، فأنا بحاجة لأن أقف بجانبكم فأقدم لهذا الدين ما أستطيع القيام به".

فقال لي وهو يبتسم: "بإذن الله، ستجدني منذ الغد عندك!!"

قلتُ له: "وأنا بإذن الله سأكون في انتظارك".

خرج الشاب من السيارة، وقبل أن يغلق الباب قال لي: "في أمان الله".

قلتُ له: "في حفظ الله ورعايته".

أغلق الشاب باب السيارة، ولوَّح بيده لتوديعي، فلوَّحتُ بيدي نحوه، ثم تحركتُ نحو بيتي، وأنا أحمد الله أن وفقني بمثل هذا الشاب ليأخذ بيدي إلى طريق الصلاح والاستقامة، وتذكرتُ قول الله سبحانه وتعالى: { وفوق كل ذي علمٍ عليم }.