حوارات هادفة (11)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع التاجر

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كان في بلدتنا مركزٌ تجاريٌ كبير، وكان يمتلكه أحد التجار الأثرياء.  وقد اشتكى إليّ بعض الإخوة الغيورين بأن المركز التجاري يبيع بعض المواد المحرمة والمشبوهة، وتلك التي لا ينبغي لمن يؤمن بالله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أن يبيعها، وألح عليَّ الإخوة أن أذهب إلى صاحب المركز وأكلمه في هذا الأمر، فتخيرتُ وقتاً أعلم أن صاحب المركز سيكون موجوداً في مكتبه في ذلك الوقت، ودخلتُ مكتبه وسلمتُ عليه، فقام وردَّ عليَّ السلام، وصافحني، وقال لي: "تفضل يا ابني، استرح.  هل أطلب لك شاياً أو قهوة؟"

قلتُ له: "أشكرك، ولكن عندي موضوع أريد أن أتحدث معك فيه".

قال: "تفضل".

قلتُ له: "سأبدأ بأن أطرح عليك سؤالاً".

فقال لي: "قل، وأنا أستمع".

قلتُ له: "لو أعطيتُك قائمة ببعض البضائع التي أريد أن أشتريها من هذا المركز، فأيَّ بضاعةٍ ستختار لي؟"

 ابتسم وقال: "هذا يعود إليك أنت!!"

قلتُ له: "وكيف ذلك؟"

قال: "بعض الناس يرغبون في كل ما هو ذي جودة عالية، حتى وإن كان غاليَ السعر، والبعض يرغب في ما رخص ثمنه، حتى وإن قلَّتْ جودته، فمن أيِّ الفريقين أنت؟!!"

قلتُ له: "أليس هنالك من فريقٍ ثالث؟"

قال: "ماذا تقصد؟"

قلتُ له: "إذا كنتُ أرغب فقط أن تبيعني ما هو حلال، ولا أرغب بالبضاعة الحرام أو المشبوهة!!"

لاحظتُ تغيُّراً في قَسَمات وجهه، وقال لي: "ماذا تقصد يا ولدي؟  إننا بحمد الله لا نبيع بضاعةً محرمة ولا مشبوهة، فكل ما لدينا حلالٌ بإذن الله!!"

قلتُ له: "وهذا هو عين الموضوع الذي جئتك من أجله!!"

فقال لي: "ماذا تقصد؟"

قلتُ له: "لقد وصل إلى علمي أنكم تبيعون بضائع محرمة أو مشبوهة!!"

فغضب الرجل، وقال: "هذا ليس بصحيح.  إننا نتحرى الحلال في كل شيء!!"

فقلتُ له: "يا سيدي، إن مركزكم التجاري كبيرٌ جداً، ولستَ تمتلك جميع المحلات الموجودة فيه، وإنما أنت تقوم بتأجيرها إلى أشخاص آخرين".

فقال لي: "هذا صحيح، ولكن ليست في تلك المحلات أمرٌ محرم!!"

قلتُ له: "وعندكم بقالةٌ كبيرة تبيعون فيها أصنافاً شتى من المواد الغذائية والملابس والكماليات والعطور والخضروات والفواكه واللحوم والأسماك وغير ذلك".

فقال لي: "ليس فيما نبيعه في تلك البقالة محرمٌ، فالمحرم معلوم ولسنا نبيعه!!"

فقلتُ له: "اعذرني يا سيدي، ولكن هل يمكنك أن تُعرِّف لي المحرم؟!!"

فغضب الرجل، وقال: "هل جئتَ إلى هنا لتمتحنني؟!!"

فقلتُ له: "العفو يا سيدي، ولكن أريد منك فقط أن تجيب على هذا السؤال لأوضح لك أمراً آخر".

قال: "معلومٌ لدى جميع الناس أن المحرم هو كل ما حرمه القرآن؛ كالخمر ولحم الخنزير، ونحن لا نبيع مثل هذه الأمور".

قلتُ له: "هذا صحيح، فالخمر ولحم الخنزير محرمان بصريح القرآن الكريم.  ولكن، هل أنت متأكد من أن هذه الأشياء لا تباع في مركزكم التجاري؟"

فقال: "نعم، أنا متأكدٌ من ذلك!!"

قلتُ له: "وهل تُشرِف بنفسك على كل بضاعةٍ تُجلَب إلى مركزكم التجاري؟!!"

فقال لي: "لا، ولكنني أثق فيمن يعملون عندي!!"

قلتُ له: "وهنا بيت القصيد.  إن دورك في هذا المركز يا سيدي لا يعدو أن يكون مديراً إداراياً؛ فأنت قد تهتم بتوظيف العمال ومتابعة الحسابات المالية، ولكنك لا تقوم بمتابعة ما يُجلَب إلى المركز من بضائع!!"

فقال لي: "هذا صحيح، ولكنني لم أرَ في البقالة لا لحم خنزيرٍ ولا خمور!!"

قلتُ له: "يا سيدي، إن بعض من يعملون لديكم يقومون بجلب هذه البضائع سراًّ، ويبيعونها إلى مَن يعرفون ويأمَنون من أن لا يكشف أمرهم!!"

فقال لي: "أظن أن هذه شائعات، وليس لها أيَّ دليل من الصحة!!"

قلتُ له: "عندي الدليل!!"

فقال لي: "وما هو؟"

قلتُ له: "عندك فلان وفلان، وهؤلاء نصارى ولا يتورعون في بيع المحرم، بل إنهم يتاجرون فيه!!"

فقال لي: "وهل أنت متأكدٌ من ذلك؟"

قلتُ له: "أنا أخبرك بهذا، وعليك أن تتحرى الأمر بنفسك".

قال: "سأفعل بإذن الله".

قلتُ له: "وماذا عن المطعم الموجود في الطابق العلوي من هذا المركز؟!!"

فقال لي: "وماذا به؟  هل يبيع أيضاً شيئاً محرماً؟!!"

قلتُ له: "إنه ليس شيئاً محرماً واحداً فقط، وإنما هي أشياء كثيرة!!"

بدا على ملامح الرجل أنه يعرف هذه الحقائق لأول مرة، ولذلك انصدم من سماعها، فقال لي: "مثل ماذا؟"

قلتُ له: "إنهم يقدمون الخمور ولحم الخنزير، وتوجد عندهم صالة خاصة لتدخين السجائر والشيشة!!"

فقال لي: "دعنا الآن من السجائر والشيشة، ولكن كيف عرفتَ أنهم يقدمون الخمور ولحم الخنزير، وقد أكلتُ عندهم عدة مرات، ولم أرَ في القائمة شيئاً من ذلك!!"

فقلتُ له: "اعذرني يا سيدي، ولكن فيما يبدو أنك تثق بكل الناس، ولا تحاول أن تقوم بواجبك في تحري المعاملات التي تجري في هذا المركز، وأنت تعلم أنك صاحب المركز، وأنك محاسب أمام الله- سبحانه وتعالى- عن كل ما يجري!!"

فقال لي: "إنني لا أقر بالخمر ولا بلحم الخنزير، ولكن لا أظن أن من واجبي أن أتهم الناس بدون دليل!!"

فقلتُ له: "إن من واجبك أن تتحرى الحلال من الحرام في كل شيء، حتى وإن أدى ذلك إلى أن تتحرى كل ما يجري هنا في المركز.  وليس الأمر بِسِرٍّ، فإنه يكفيك أن تطلب من أحد عمالك الذين لا يبدوا عليهم تمسك بدينٍ، وتطلب منه أن يذهب إلى ذلك المطعم، ويتعرف على الوجبات التي فيها لحم الخنزير، وأيضاً ما يتوفر لديهم من خمور!!"

فقال لي: "سأقوم بذلك بإذن الله".

قلتُ له: "وماذا قصدتَ بقولك بأن نَدَع السجائر والشيشة؟!!"

فقال لي: "تلك أمور منتشرة في كل الأماكن، وليس من حقي أن أمنعها في هذا المركز إذا كانت موجودة في معظم البلدان والمناطق!!"

ابتسمتُ من هذا المنطق المقلوب، وقلتُ له: "يا سيدي، إن الحكم على حِلِّية الأشياء وحرمتها لا يكون بمدى انتشارها بين الناس، ولكن بما جاء به الشرع الحنيف!!"

فردَّ عليَّ: "إنه لو كانت السجائر والشيشة محرمتان لما سمحت بهما الحكومة، ثم إنه لا يوجد في القرآن شيءٌ يحرمهما!!"

قلتُ له: "أما قولك بأنه لو كانتا محرمتين لمنعتهما الحكومة، فقد أخبرتُك بأنه تباع في بقالتك ما أنت تعرف أنه حرام، وهما الخمر ولحم الخنزير، ويباعان أيضاً في المطعم الموجود في هذا المركز.  ولماذا لم تقل أنه ما دامت الحكومة قد سمحت بهما فإنهما غير محرمان؟!!"

فقال لي: "أولاً، الحكومة قد لا تعرف شيئاً عن هذه الأشياء، وثانياً فتحريمهما موجود في القرآن".

قلتُ له: "أما قولك بأن الحكومة قد لا تعرف شيئاً عن هذا، فهو ليس بصحيح؛ لأن الفنادق المنتشرة في البلاد تُقدَّم فيها الخمور ولحوم الخنزير عياناً، بل إن فيها من حانات الخمر والمراقص وغير ذلك الشيء الكثير، ولا بُدَّ أن تكون تلك الفنادق قد حصلت على تصاريح بلدية لجلب تلك المحرمات من الخارج، وتقديمها في حاناتها.  ولا يمكن لأحدٍ أن يُهرِّب خموراً ولحوم خنزير سراًّ، ثم يبيعها جهاراً بين الناس، وهذا يعني أن هنالك من الجهات الحكومية التي صرَّحت بإدخال تلك الخمور ولحوم الخنزير إلى هذه البلاد.

وأما قولك بأنه لم يُذكَر تحريم السجائر والشيشة في القرآن، فهذا صحيح، حيث أنها لم تُذكَر تصريحاً، ولكن العلماء استنبطوا حرمتها من أمور أخرى، وأجمعوا على حرمتها.  ورغم أن حرمتها ثابتة بين العلماء، إلا أنك لو قلتَ بأنها لا تصل إلى درجة الحرمة، فهذا يعني أيضاً بأنها ليست بحلال مطلق، وهذا ما نعنيه في الشرع بالمتشابه أو الشبهة، وقد أنكرتَ في البداية أن يباع في المركز شيء فيه شبهة، ثم أريد أن أخبرك بأمر آخر".

قال لي: "وما هو؟"

قلتُ له: "إنه تباع في بقالتك بعض البضائع التي تحتوي على مكونات الخنزير، وهذا بإجماع العلماء يحرم استخدامه!!"

قال لي: "اضرب لي بعض الأمثلة".

قلتُ له: "هنالك أنواعٌ من معاجين الأسنان والصوابين وأصنافاً من العلك التي تحتوي على شحوم الخنزير!!"

فقال لي: "وهل أنت متأكدُ من ذلك؟"

قلتُ له: "إن عليك أن تتحرى هذا الأمر بنفسك، فأنت صاحب البقالة، والله سيسألك عن كل ذلك!!"

فقال لي: "إذن تريدني أن أذهب وأقرأ محتويات كل منتج من المنتجات التي نبيعها؟"

قلتُ له: "إذا كنتَ تدَّعي أنك مطيعٌ لله ورسوله، وأنك تخاف من عذاب الله، فإن عليك أن تقوم بذلك وأكثر!!"

فقال لي: "وإذا كنتُ قد فوَّضتُ الأمر إلى الموظفين، فهل سيلحقني إثم؟!!"

قلتُ له: "إنك المسئول الأول أمام الله عن كل ما يباع في بقالتك، وفي المركز بأجمعه، وعليك أن تعلم أن تلك المواد التي أخبرتك عنها ليس منصوصٌ في محتوياتها أنها تحتوي على شحوم الخنزير أو لحومها".

قال: "إذاً، وما الدليل على ذلك؟"

قلتُ له: "هنالك من الغيورين من المسلمين مَن يقومون بالتحري عن مكونات هذه المنتجات من الشركات المصنعة لها، وفي بعض الأحيان يرفعون قضايا على تلك الشركات إلى أن تعترف الشركات نفسها على احتواء منتجاتها على شحوم الخنزير أو لحومها، رغم أنها- في الغالب- لا تكون مذكورة في قائمة المحتويات لتلك المواد".

فقال لي: "أظن أن هذا تكلفٌ أكثر مما ينبغي، فنحن علينا بالظاهر، ونكل السرائر إلى الله!!"

قلتُ له: "اعذرني يا سيدي إن قلتُ لك بأن هذا هو منطق الجهلة من الناس، والذين لا يهمهم أمر دينهم.  أما الحريصون على مرضاة الله- سبحانه وتعالى- فإنهم يتحرَّون الحلال والحرام في أدق تفاصيله".

يبدو أن الرجل قد بدأ يضيق ذرعاً مما أخبره به، فقال لي ممتعضاً: "وهل عندك أشياء أخرى تريد أن تخبرني عنها؟"

قلتُ له: "نعم عندي شيئان!!"

قال: "وما هما؟"

قلتُ له: "أنتم تبيعون شتى أنواع اللحوم والدواجن".

فقال لي متهكِّماً: "وهل في اللحوم والدواجن أيضاً محرمات؟!!"

قلتُ له: "نعم.  إن اللحوم والدواجن إذا لم تُذبَح وفق تعاليم الشريعة الإسلامية فإنه يَحْرُم أكلها!!"

فقال لي: "نحن نستهلك الكثير من اللحوم والدواجن، ولا نقتصر على نوع بعينه وإنما نشتري أصنافاً مختلفة منها، ومكتوب على غلاف كل منها: "ذُبِح حسب الشريعة الإسلامية"، أفلا يكفي ذلك؟!!"

قلتُ له: "لا، فإن كثيراً من اللحوم والدواجن تُستورد من دول غير مسلمة، والشركات التي تقوم على تصنيع تلك اللحوم والدواجن تدَّعي بأنها تُؤجِّر مسلمين لذبحها.  وقد قامت بعض الجمعيات المهتمة بهذا الجانب بزيارة تلك المصانع والمسالخ، ووجدت كثيراً من المخالفات؛ فبعض الدواجن كانت تذبح بسكاكين آلية ودون أن يذكر عليها اسم الله، وكثيراً منها كانت تخرج غير مقطوعة الرأس.  وقد وجد كثير من الناس هنا دواجن برؤوسها ورقابها وليس فيها أي آثار للتذكية.  كذلك، فإن تلك الشركات تقوم بصعق الدواجن والمواشي قبل ذبحها، وهذا لا يحل في شرع الله؛ فإن ذلك الحيوان قد أصبح ميتةً، ولا يجوز أكل الميتة إلا إن ذُكِّي الذكاة الشرعية!!"

هزَّ الرجل رأسه وقال: "والله إني لأسمع هذه المعلومات لأول مرة، وأصدقك القول بأنني ما خامرني شكٌ يوماً أن في تلك اللحوم أو الدواجن حرمةٌ ولا حتى شبهة حتى أخبرتني أنت بذلك!!"

أحسستُ أن الرجل قد بدأ يتأثر بكلامي، فأحببتُ أن أستلطفه، فقلتُ له: "يا سيدي، إنك لست الوحيد من الناس مَن لا يدري عن هذا، فغالبية الناس لا يعرفون الحلال من الحرام، وبعض منهم يعلمون ذلك ولكنهم يكابرون ويتعذَّرون بأعذارٍ شتى!!"

فقال لي بنبرة يبدو عليها التأثر: "يبدو إذاً أن كثيراً من الأموال التي أجنيها من هذا المركز قد جاءت من حرامٍ، أو على الأقل مما فيه شبهة!!"

فقلتُ له: "إن على المسلم أن لا يكون همه فقط هو جمع المال وتكثيره بقدر ما يهمه من أين يحصل على ذلك المال وفيما ينفقه".

فقال لي: "قلتَ لي إن عندك أمران، وقد ذكرتَ أحدهما، فماذا عن الآخر؟"

قلتُ له: "إنك تعلم أن كثيراً من بلدان المسلمين قد شنَّ أعداء الإسلام عليها حروباً، وحاصروها، وضيقوا عليها الخناق، وأبادوا شعوبها، وبعضها ما زالت تئن تحت وطأة الاحتلال إلى يومنا هذا!!"

فقال لي: "أعلم ذلك، ولكن ما علاقة هذا الكلام بهذا المركز التجاري؟!!"

قلتُ له: "وهل يجوز لنا أن ندعم أعداءنا، ونمدهم بالمال من أجل أن يقتلوا إخواننا المسلمين؟!!"

فقال لي مستغرباً: "وهل أنا أفعل ذلك أيضاً؟!!"

قلتُ له: "نعم، أنت تفعل ذلك!!"

فصرخ في وجهي وقال: "وكيف؟!!"

قلتُ له: "إن كثيراً من البضاعة التي تباع في بقالتك مستوردة من هذه الدول، وأنت تعلم أن هذا المركز التجاري مشهور في البلاد، ويرتاده مئات وآلاف الناس في كل يوم، ولأن غالبية البضاعة التي لديكم هي مستوردة من الدول المحاربة للمسلمين أو المحتلة لأراضيهم فإنكم بفعلكم هذا تدعمون تلك الدول، بل وتُحرِّضونهم على قتل إخوانكم من المسلمين!!"

فقال لي: "وما هي الدول التي نستورد نحن منها، وهي محاربة للمسلمين؟"

قلتُ له: "غالبية الدول الغربية- بما فيها أمريكا وبريطانيا- تشن حروباً على المسلمين، وكثير من الدول الأخرى- وحتى الشرقية منها- لا تخفي عداءها للإسلام والمسلمين، بل إني أريد أن أخبرك أكثر من ذلك!!"

فقال لي: "وما ذاك؟"

قلتُ له: "إنك تبيع بضاعةً مصنعة في إسرائيل!!"

فقال: "هذا ليس بصحيح!!  إنه لا توجد في هذه البلاد أية بضاعة مصنعة في إسرائيل!!"

ابتسمتُ وقلتُ له: "إنك يا سيدي لا تدري عما يجري في العالم!!"

نكَّس الرجل رأسه وقال بصوتٍ متأوه: "يبدو أنني كذلك، ولكن أرجوك أوضح لي".

قلتُ له: "إن إسرائيل تغزو أسواق المسلمين ببضاعتها، ولكن بطريقةٍ غير مباشرة؛ فبضاعتها قد تصلنا عن طريق أمريكا أو دول أوروبا، وقد تصلنا- أحياناً- على أنها منتجات عربية.  بل إنك ستعجب إن قلتُ لك بأن إسرائيل قد فتحت لها مصانع في العديد من الدول الإسلامية، وفتحت شركاتها فروعاً لها في بعض البلدان العربية والإسلامية!!"

فقال لي: "وأين الحكومات عن هذه المهزلة التي تجري؟!!"

قلتُ له: "إن الحكومات على علم بذلك، بل إن وفود إسرائيل تأتي إلى بلداننا وتعقد صفقاتٍ مع مسئولي الحكومات!!  وكما أخبرتك من قبل، فإنه لا يمكن أن يدخل شيءٌ إلى بلدان المسلمين دون أن تعلم به الحكومات، فهم على علمٍ بما يجري، ولكن همَّ هؤلاء ليس الدين ومرضاة الله، ولكن همهم هو أن تمتلئ جيوبهم بالرشاوى.

كذلك، فهم يعلمون أن كثيراً من البضائع التي تجلب من الخارج فيها مخالفات شرعية، بل ويعلمون أكثر من ذلك؛ حيث أن هنالك الكثير من المنتجات التي تحتوي على مواد مسرطنة، وباتت تلك المنتجات منتشرة في أوساط المسلمين، والحكومات تعلم بذلك ولا تفعل شيئاً، لأنهم لا يريدون أن يقطعوا رافد المال عن جيوبهم!!"

تأثر الرجل من هذا الكلام، وبدأ يجيش بالبكاء، ويهزُّ رأسه، ويقول: "قاتلهم الله.. قاتلهم الله.. ألا يكفي أن يُدخِلوا أنفسهم النار؟!!  أيريدون أن يُدخِلونا معهم؟!!"

قلتُ له: "يا سيدي، إن الانفعال والدعاء عليهم بالويل والثبور لا يكفي، وإنما يحتاج أن يسعى الإنسان إلى تصحيح الأوضاع ومساعدة الناس في عدم الوقوع في مثل هذه الأمور".

فقال لي: "وبماذا تنصحني؟"

قلتُ له: "تعلم يا سيدي أن الله قد فتح عليك من النعم والرزق الشيء الكثير، وعليك أن تستغله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فعليك أولاً أن تخرج زكاة أموالك كما افترضها الله عليك.  ثم عليك ثانياً أن تُسخِّر أموالك في مساعدة الفقراء والمحتاجين، ويُفضَّل أن تكون مساعدتك لهم من خلال مشاريع يستفيدون منها.  أما ثالثاً فإن عليك أن تتخلَّص من كل ما يمكن أن يكون فيه حرمة أو شبهة، سواءً كان يباع في بقالتك أو في المركز بأكمله.

وأحب أن أنبهك هنا إلى أنه انتشر في كثير من المحلات بيع الملابس النسائية التي تخالف اللباس الشرعي الذي أمر به الإسلام، ولا يجوز بيع مثل هذه الملابس.  كذلك، فقد تجد في كثير من المحلات بيع أشرطة الأغاني والأفلام الماجنة والمجلات الهابطة، وكل هذا حرامٌ في شرع الله.

وما ذكرته لك هنا هو مجرد أمثلة، وما عليك القيام به هو أن تقوم أولاً بتحرياتك الخاصة عن البضائع والسلع التي تباع في بقالتك، ثم توسع تحرياتك لتشمل هذا المركز التجاري بأسره، ثم تخرج إلى محيط الناس وتفعل نفس الشيء".

فقال لي: "هل تقصد أن أقوم بكل هذه التحريات بنفسي؟!!"

قلتُ له: "ليس بالضرورة أن تقوم ذلك بنفسك، فأنت إنسانٌ مشغول، وما يمكنك هو انتقاء الأشخاص الذين يمكن أن يقوموا بذلك، والذين يجب أن يجمعوا بين الفقه في دين الله والغيرة عليه.  وبذلك تستطيع أن تُبرئ ذمتك أمام الله- سبحانه وتعالى- فيما يباع في بقالتك أو في هذا المركز التجاري، وبذلك أيضاً تضمن أن ما يدخل إلى جيبك من نقود هي حلال، وليس فيها ما يشتبه.  وعندما ترى أن الأمر قد بدأ يؤتي ثماره، فيمكنك أن تُكوِّن مؤسسة خاصة لذلك، بحيث تستطيع هذه المؤسسة أن تخدم شريحةً عريضة من المجتمع.

كذلك فعليك أن تستغل نفوذك في الدولة ومكانتك في المجتمع لتثقيف الناس والمسئولين في الحكومة حول الأمور التي تحدثنا عنها، ومحاولة إقناعهم أن ينتهجوا نفس النهج الذي أبنتُه لك قبل قليل، وبهذا تكون قد ساهمتَ في حماية المجتمع من الفساد وفي دفعه إلى الصلاح، وفوَّتَ الفرصة على أعداء هذه الأمة".

فقال لي: "إنها اقتراحاتٌ جيدة، وبإذن الله سأشرع في تنفيذها".

قلتُ له: "كذلك، فكما تعلم بأن كثيراً من الناس يلجؤون إلى كل ما هو مستورد، حتى وإن كانوا يعلمون حرمته أو تلبسه بشبهة، ويتعللون بأنه لا يوجد لديهم البديل، وإني أقترح عليك أن تساعد الناس في الحصول على البديل".

فقال لي: "وكيف ذلك؟"

قلتُ له: "لنأخذ مثالاً واحداً فقط.  لقد تحدثنا عن وجود لحوم ودواجن تباع هنا في هذا المركز وفي غيره من المراكز والبقالات، وذكرتُ لك بأن الكثير من تلك اللحوم والدواجن لم تُذبَح وفق الشريعة الإسلامية، وبإمكانك أن توجِد البديل بطريقتين: إما بإنشاء مزارع للمواشي والدواجن، ومسالخ لذبحها، ومصانع لتقطيعها وتغليفها، وتكون بذلك قد أسهمتَ في توفير الناتج المحلي، والله- سبحانه وتعالى- سيبارك لك في هذا الأمر، وعندها يمكنك أن توفر هذه اللحوم والدواجن كبديل لتلك المستوردة من الخارج، وعندما يعرف الناس وجود البديل فإنه سيطلبونه من هذا المركز أو من غيره".

فقال لي: "أظن أن هذا الأمر مقدورٌ عليه؛ فأنا بحمد الله أمتلك بعض المزارع والأراضي التجارية، ورزقني الله المال الذي أستطيع أن أفتح من خلاله المصانع والمسالخ، وبإذن الله سأبدأ في هذا أيضاً".

قلتُ له: "وأما إذا رأيتَ أن هذا الأمر فيه صعوبة، أو أن الناس ما زالوا يستوردون اللحوم والدواجن من الخارج، فيمكنك بحكم مكانتك في السوق أن تتفاوض مع الشركات الموردة لتقوم أنت بالإشراف على شرعية الإجراءات التي يقومون بها في الذبح والتقطيع والتغليف وغير ذلك، وبذلك تكون قد حقَّقْتَ ولو أمراً يسيراً في هذا الجانب، وهو طمأنة الناس بحِلِّية ما يأكلون.

ولتحقيق هذا الجانب، فيمكنك أن توظف فريقاً من ذوي العلم الشرعي والخبرة، وترسلهم إلى الدول المختلفة ليطلعوا على ما يجري هنالك في مصانع اللحوم والدواجن، ثم يمكنك بعدئذ أن توظف إما أفراداً من هذا الفريق أو أناساً من المسلمين من أهالي تلك الدول الذين تثق في أمانتهم وفهمهم لأحكام الشريعة، بحيث يقومون بدور التذكية الشرعية، بالإضافة إلى الإشراف على العمليات الأخرى لضمان موافقتها للشريعة الإسلامية".

 فقال لي: "قد يتطلب هذا الأمر الكثير من التنسيق، ولكنه- بلا شك- إن تحقق فإنه لن يخدم هذه البلاد فقط، وإنما الكثير من بلدان المسلمين، وأظن أن تلك الشركات حريصة على طمأنة زبائنها بجودة منتجاتها، وهو ما سأحاول- بإذن الله- إقناع تلك الشركات به".

قلتُ له: "بالتأكيد، فإن تلك الشركات حريصة على رفع مستوى مبيعاتها في مناطقنا، وإنها ستتشجع كثيراً عندما ترى أن هنالك ما يمكن أن يزيد من طمأنة زبائنها بحِلِّية وجودة منتجاتها".

فقال لي: "أظن أن الاقتراحات التي قدمتَها لي تكفيني في هذا الوقت، وبإذن الله سأكون على اتصال بك لأخبرك بالتطورات في هذا الجانب".

قلتُ له: "وأنا أوافقك الرأي، فإنه خيرٌ للإنسان أن ينجز ولو أمراً بسيطاً بدلاً من أن يشتت جهوده في نطاقات كثيرة قد لا يستطيع إنجاز شيء منها".

رأيتُ الانشراح بادٍ على وجه هذا الرجل، فقال لي: "والله يا ولدي، عندما بدأتَ تخبرني عما يجري في هذا المركز كنتُ أمقتك في قلبي، ولولا احترامي لمكانتي لهممتُ بضربك، ولكني أشهد الله بأني قد بدأتُ أحبك من قلبي، وإني أعاهدك وأعاهد الله- سبحانه وتعالى- بأن أتقيه في جميع معاملاتي، وسأتحرى- بإذن الله- ما يباع في هذا المركز، وإني أريد منك أن تعطيني رقم هاتفك، لأنني- بلا شك- سأحتاج إليك لأستشيرك في بعض الأمور!!"

قلتُ له: "سأعطيك رقم هاتفي، وإنني لن آلوك نصحاً بإذن الله، وإذا خفي عني أمر فسأحاول أن أتحرى ذلك من بعض المشائخ وأهل العلم".

فقال لي: "وأرجوك أن تلبي لي طلباً آخر!!"

قلتُ له: "تفضل، فأنا تحت خدمتك!!"

فقال لي: "أن تأتي معي، ونتناول الغداء سوياً!!"

قلتُ له: "أما هذا فأرجوك أن تعذرني يا سيدي!!"

ابتسم، وقال: "لا تخف، إننا لن نذهب إلى ذلك المطعم، وإنما سآخذك إلى البيت، ولن أقدم لك لحوماً أو دجاجاً، وإنما سمكاً مشوياً بإذن الله!!"

قلتُ له وأنا أبتسم: "ليس الأمر كذلك، ولكنني قد تواعدتُ من قبل مع أحد أصدقائي، وأظن أن موعدنا قد قارب".

فقال لي: "إذاً، تحدد لي موعداً آخر، وتأتي للغداء معي فأنا لن أعذرك!!"

قلتُ له: "إذا كنتَ مصراً، فإني سأترك لك رقم هاتفي كما طلبتَ، وعندما ترى أن الوقت مناسب لك فأخبرني".

قال: "سأفعل بإذن الله، وأريد أن أشكرك من أعماق قلبي على ما بصرتني به من أمور، وأسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يجزيك عني كل خير".

قلتُ له: "وأنت سامحني إن كنتُ أثقلتُ عليك في الحديث، أو أغلظتُ عليك في القول، فإني أشهد الله على أني ما أردتُ من فعل ذلك إلا الخير لي ولك".

قال: "إني أعلم ذلك".

فقلتُ له: "وإني أستأذنك الآن، وسنلتقي- بإذن الله- في وقتٍ آخر".

قال: "وهو كذلك".

خرجتُ من عنده، وأنا أحمد الله- سبحانه وتعالى- أن جعل حديثنا يثمر ويؤتي أكله، وبقيتُ أدعوا الله- سبحانه وتعالى- أن يُلين قلبه لمرضاته، وأن يفقهه في أمور دينه، وأن يعينه على تحري الحلال في ما يأتي وما يذر، وأن يبعد عنه الحرام والشُّبَه.