حوارات هادفة (6)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع المدرس

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

ذهبتُ اليوم لأتسوق في إحدى المحلات الكبرى في العاصمة، وبينما كنتُ أتجول في المحل لمحتُ أحد الأشخاص الذين أعرفهم، وكان صديقاً عزيزاً عليَّ في الثانوية، ثم تفرقنا بعد تخرجنا، ومضت السنون، وشاء الله سبحانه وتعالى أن ألتقي به اليوم.

توجهتُ نحوه، وسلمتُ عليه، فما إن رآني حتى ابتسم، وقال: "ما شاء الله، أبعد كل هذه السنين الطويلة نلتقي مجدداً ؟!!"

تعانقنا بحرارة، وقلتُ له: "لقد انقطعت أخبارك عني، فما هي أحوالك الآن؟"

فقال لي: "أنا موجود في البلد معظم أيامي، لكنك أنت الذي سافرتَ للدراسة، ثم التحقتَ بوظيفتك هنا في العاصمة، وأظنك لا تزور البلد كثيراً".

فقلتُ له: "هذا صحيح، فمشاغل الوظيفة والأسرة تجعل الواحد منا يعمل وكأنه طاحونة".

فقال لي: "أنا أوافقك في هذا، غير أن علينا أن لا ننساق مع التيار؛ فنعيش منهمكين في هذه الحياة الدنيا".

لمحتُ من كلامه وكأن عنده نمطاً من الحياة يختلف عما هو عند الآخرين، فأردتُ أن أستوضح منه ذلك، فقلت له: "وما لي أراك اليوم هنا في العاصمة؟"

فقال لي: "لقد وصلتُ في التو من المطار، فقلتُ أمرُّ وأشتري بعض الهدايا للزوجة والأولاد".

فقلتُ له: "خيراً إن شاء الله، ومن أين كنتَ قادم؟"

فقال لي: "كنتُ أحضر مؤتمراً في إحدى الدول الغربية".

ابتسمتُ، وقلتُ له: "ولكن، ما أعلمه هو أنك مدرس رياضيات في الثانوية!!"

فقال لي: "هذا صحيح".

فقلتُ له: "إذاً، وما شأنك بالمؤتمرات الدولية؟!!"

ابتسم، وقال لي ممازحاً: "وهل تريدون أن تحتكرون المؤتمرات عليكم أنتم فقط؟!!"

فقلتُ له: "العفو، لم أقصد ذلك، ولكن لم أسمع بأن هناك مدرس في المدارس الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية وله اهتمامات لحضور المؤتمرات الدولية!!"

فقال لي: "هذا صحيح، فالغالب هو ما ذكرتَ، ولكن- كما قلتُ لك سلفاً- لستُ ممن ينساق مع التيار!!"

فقلتُ له: "وعماذا كان المؤتمر؟"

فقال لي: "كان موضوع المؤتمر يدور حول رفع كفاءة معلم الثانوية في الإرشاد النفسي".

فقلتُ له: "وهذا غريبٌ أيضاً!!"

فقال لي: "وما الغرابة في ذلك؟"

فقلتُ له: "إنك مدرس رياضيات، وكنتُ أحسب أنك تحضر مؤتمراً في تخصصك، ولكن موضوع هذا المؤتمر هو بعيد جداًّ عن تخصصك!!"

فقال لي وهو يبتسم: "على العكس من ذلك يا أخي، فإنه في صميم تخصصي!!"

فقلتُ له: "وكيف ذلك؟!!"

فقال لي: "صحيح أنني أُدرِّس مادة الرياضيات، ولكن قبل ذلك فأنا مربي، فليست علاقتي بالطالب علاقة تلقين، وإنما هي علاقة مربي لأبنائه، ولذا فأنا أحتاج إلى جانب الإرشاد النفسي لأستطيع أن أتعامل مع أحوال الطلاب وظروفهم بكفاءة واقتدار!!"

فقلتُ له: "وماذا عن تخصصك الأصلي، وهو الرياضيات، ألا تحتاج إلى تقوية فيه أيضاً؟"

فقال لي: "بلى، وأنا قد وضعتُ لنفسي برنامجاً، وهو أن أكون على تواصلٍ مستمر مع ما يستجد في تخصصي، وخصصتُ شهرين من الإجازة الصيفية لهذا الغرض، فأنا أنتقل بين المؤتمرات والندوات، وأجعل هذه الفترة بمثابة التجديد والتطوير لقدراتي ومعلوماتي!!"

فقلتُ له: "يبدو أنك أنموذج فريدٌ من نوعه!!"

فقال لي: "ماذا تعني؟!!"

قلتُ له: "ما أعرفه أن غالبة المدرسين عندما يتخرجون من الكلية أو الجامعة فإنهم يلتحقون بمجال عملهم، وهو التدريس، ثم نادراً ما يهتم أحدهم بعد ذلك بتطوير نفسه، حتى ولو كان بقراءة مقال في تخصصه!!"

فقال لي: "نعم، هذه هي الحقيقة، ولقد أدركتُها حتى قبل تخرجي من الجامعة، فكنتُ مولعاً بالتحدث مع المدرسين، وأجريتُ بعض الدراسات حول ذلك.  وقد تبين لي أن أكثر من 90٪ من المدرسين لا يهتمون بجانب التطوير لذواتهم ومداركهم.  والفئة القليلة التي تقوم بذلك تقتصر فقط على مشاهدة بعض البرامج العلمية أو حضور بعض الندوات والدورات التي تقيمها الوزارة.  وقد آليتُ على نفسي منذ ذلك الحين أن لا أكون مثلهم، ولهذا وضعتُ لنفسي هذا البرنامج، كما ذكرتُه لك!!"

فقلتُ له: "وماذا عن بقية أشهر السنة؟"

فقال لي: "نظراً لارتباطات التدريس فإنه لا يمكنني حضور هذه المؤتمرات والدورات والندوات إلا في النادر، ولذلك جعلتُ أسلوب التطوير والإنماء في هذه الأشهر مرتكزاً على متابعة ما يستجد في مجال التعليم بشكل عام وتخصصي بشكل خاص من خلال المجلات العلمية ومن خلال مواقع الإنترنت المعنية بهذا المجال.  وفي بعض الأحيان تسنح لي الفرصة لحضور بعض الندوات والمحاضرات التي تعقد- في الغالب- في البلد".

فقلتُ له: "ولماذا لا تفكر في مواصلة دراستك وحصولك على الماجستير، فقد يتيح لك ذلك فرصاً أكبر من الإنماء والتطوير؟"

ابتسم وقال: "ما أظنني لأغفل عن ذلك، فقد وضعتُ من ضمن أهدافي أن أحصل على الماجستير في خلال الخمس سنوات الأولى بعد تخرجي.  وبحمد الله قد حققتُ ذلك منذ عامين.  ووضعتُ هدفاً آخر، وهو أن أحصل على الدكتوراة في غضون عشر سنوات بعد تخرجي، وقد شرعتُ في ذلك بحمد الله، وسأحتاج إلى بضع سنين إلى الانتهاء من ذلك!!"

فقلتُ له: "ولماذا لم تفكر في تغيير وظيفتك بعد حصولك على الماجستير؟"

ابتسم وقال: "يا أخي العزيز، أنا لم أشد الرحال للحصول على الماجستير أو الدكتوراة لأنتقل من سلك التدريس، فإن حبي للتدريس قد صار يمتزج بدمي!!"

فقلتُ له: "ولكن كان بإمكانك الانتقال إلى الجامعة، فإنها أنسب لك".

فقال لي: "ومَن قال بأن الجامعة هي الأنسب لحملة الماجستير والدكتوراة؟!!"

فقلتُ له: "إن مراحل ما قبل الجامعة لا تحتاج إلى شخص عنده مؤهلات علمية عالية!!"

فقال لي: "يا أخي، هذه هي الطامة الكبرى التي تعاني منها أمتنا!!"

فقلتُ له: "وماذا تقصد بذلك؟"

فقال لي: "مصيبتنا- كأمة إسلامية- أننا جعلنا مراحل ما قبل الجامعة لمن ليس عندهم من الكفاءات والقدرات العلمية والتربوية، ولذلك ضعف مستوى التعليم، بل وأقول بأنه قد تردى وانهار؛ لأنه أوكل الأمر إلى غير أهله!!"

فقلتُ له: "إن مناهج التعليم في مراحل ما قبل الجامعة بسيطة جداًّ، ولا تحتاج إلى متخصصين لأن يقوموا بشرحها!!"

فقال لي: "أولاً أنا لا أوافقك هذا الرأي؛ فما هو مكتوب في الكتب الدراسية يفترض أن يكون مجرد رؤوس أقلام تذكر المدرس بالمواضيع التي عليه أن يشرحها.  وبالنسبة للطالب فهي مجرد تلخيص عام للمواضيع.  أما حقيقة التدريس فيجب أن يتعمق كثيراً لكي نستطيع أن نخرج طلاباً عندهم من الفهم والدراية في فنون العلم المختلفة ما هو غير حاصلٍ الآن.

ومن ناحية أخرى، فإن مهمة المدرس- كما أسلفتُ لك- هي ليست مجرد التلقين، وإنما المهمة الكبرى المناطة بالمدرسين هي التربية.  وللأسف الشديد، فقد يستطيع الكثير من المدرسين أن يغطوا المادة العلمية الموجودة في الكتب الدراسية، ولكن غالبيتهم يفتقرون إلى جوانب التربية، فهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع طلابهم بما يستوجب منهم ذلك، فضلاً عن أن يوجهوهم ويرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم وصلاح أمتهم".

فقلتُ له: "إذاً، لو اشترطنا أن يكون كل مدرس متعمق في تخصصه، وفي نفس الوقت هو من المربين الناجحين، لما حصلنا إلا على النزر اليسير منهم!!"

فقال لي: "يا أخي، إنك تنظر إلى واقع أمتنا الحالي، ولا تنظر إلى ما يجب أن يكون.  إن معظم البلدان الإسلامية تنفق المليارات في كل عام على ما لا يعود بنفعٍ ظاهر على الأمة، أفلا يجدر بها أن تخصص ولو نسبة بسيطة من ذلك لتخريج الكفاءات التربوية؟!!"

فقلتُ له: "أنت محقٌّ في ذلك، وكما يقال فإن أزمة أمتنا هي ليست أزمة موارد وإنما هي أزمة قيادات، فنحن بحاجة إلى من يوجه الموارد البشرية والمالية لرفعة شأن هذه الأمة".

فقال لي: "وهذا ما دعاني لأن أغير النمط السائد في البيئات التعليمية؛ فما إن حصلتُ على الماجستير حتى بدأ زملائي يتساءلون لماذا أنا ما زلتُ باقياً بينهم، ولماذا لا أنتقل إلى وظيفة إدارية في الوزارة أو لأيِّ جهة أخرى، لأحصل من خلالها على راتبٍ أعلى وحوافز أفضل، وكنتُ أحاول أن أوضح لهم ما سردتُه عليك من مبررات، وكان غالبيتهم يسخر مني ويعتبرني أنني ممن ينفخ في رماد، وكنتُ أقول لهم: إن التغيير والإصلاح لا يكون- في البداية- بالجيوش والحشود من الدعاة والمصلحين، وإنما يبدأ غالباً بأفرادٍ قلائل، ثم بتوفيق الله- سبحانه وتعالى- وجهدهم يبارك- سبحانه- في تلك الخطوات، فيعم النفع والخير".

فقلتُ له: "أظن أن وجود مثل هذه العقليات في سلك التدريس ليشير إلى وجود خللٍ في آلية الانتقاء للمدرسين".

ابتسم وقال لي: "إنه ليست هنالك ثمة آلية، وإنما كل مَن يتخرج من الكلية أو الجامعة فإنه يلتحق بسلك التدريس!!"

فقلتُ له: "ولكن هذا لا يمكن أن يحصل، فإن هنالك من الطلاب الذين نعرف عنهم قبل تخرجهم من الجامعة أو الكلية بأنهم غير صالحين لا علمياًّ ولا سلوكياًّ لممارسة أية مهنة، فكيف بمهنة التعليم؟!!"

فقال لي: "صدقتَ، ولقد شاهدنا من أولئك الطلاب الذين كنا نعرف عن انحرافهم الخلقي والفكري وهم في مرحلة الدراسة، وبين يوم وليلة أصبحوا مدرسين، وأصبحوا يربون- أو بالأصح يفسدون- الأجيال على ما تعودوا عليه هم من فساد فكري وأخلاقي!!"

فقلتُ له: "إن هناك الكثير من الضوابط والمعايير التي يمكن أخذها في الاعتبار في حالة الرغبة في توظيف أحد هؤلاء الخريجين في سلك التدريس".

فقال لي: "نعم، أنت محقٌّ في ذلك، وليس الأمر هو في الافتقار إلى الضوابط والمعايير، ولكن هو في ضعف التخطيط بالنسبة للمعنيين بالأمر؛ فإن مَن يريد أن يخطط للبناء، سواءً كان البناء الفردي أو المجتمعي، فإنه لا بُدَّ أن يسير وفق ضوابط ومعايير معينة".

قلت له: "ومن خلال اطلاعك وتواصلك مع ذوي الاختصاص في المجال التعليمي، فما هي المعايير والضوابط التي تراها الأنسب والأصلح؟"

فقال لي: "إن أول أمرٍ يجب أن يوضع في الاعتبار هو واقع الشخص أثناء دراسته. للأسف، فإن هناك انطباعاً سائداً لدى كثيرٍ من مسؤولي التعليم مفاده بأن كل مَن درس ساعات محددة في تخصص ما صار صالحاً لتدريس ذلك التخصص.  لكن الجميع يعلم أن الكفاءة العلمية ما هي إلا شرطٌ واحدٌ فقط من شروط صلاحية الشخص لوظيفة ما.  لذا، فإنه يجب- في نظري- أن يتم أولاً اختيار مَن هم على درجة عالية من الأخلاق والسلوك والجدية والاجتهاد والمثابرة.

إن جانب الأخلاق والسلوك هو مهم في أية وظيفة، وهو أهم في حقِّ المعلم؛ فالمعلم ما هو إلا قدوة لأبنائه الطلاب، وكيف يتأتى له ذلك إذا كان يقترف من الأخلاق الشائنة والسلوكيات المستقبحة ما يجعله محل سخرية واشمئزاز لدى طلابه، بدلاً من أن يكون قدوة لهم؟"

قلتُ له: "أظن أن النقطة التي أشرتَ إليها هنا هي في غاية الأهمية والخطورة؛ فإقامة أيَّ بناء يتطلب البحث عن الكفاءات والقدرات التي يمكنها أن تُقيم ذلك البناء على أكمل وجه، وكلما كان البناء على درجة أعلى من الأهمية، كلما كانت الشروط اللازم توافرها في البنائين أصرم وأكثر تفصيلاً.  وإذا كان هذا الحال بالنسبة لبناء هيكل جامدٍ، فكيف ببناء نفسٍ بشرية يُعوَّل عليها بناء أمم وحضارات؟

ولكن- رغم موافقتي لما ذكرتَه- غير أني لا أدري كيف يمكن للجنة التقييم أن تتعرف على أحوال هؤلاء الطلاب أثناء دراستهم؟"

فقال لي: "إنه يجب أن تكون هناك متابعة لهؤلاء أثناء دراستهم؛ فتوجِد وزارة التربية لجاناً دائمة لها في الجامعات والكليات المعنية بتخريج المدرسين، وتستطيع هذه اللجنة أن تتعرف على سلوكيات هؤلاء الطلاب وتصوراتهم ومعتقداتهم من خلال الأنشطة التي يمارسونها، ومن خلال تقييم أساتذتهم لهم".

فقلتُ له: "إن كثيراً من الأساتذة في الجامعات لا يهتمون حتى بتقييم الجانب العلمي للطلاب، فكيف بتقييم الجانب السلوكي والفكري والأخلاقي؟!!  كذلك، فكما هو معلوم في معظم الدول العربية والإسلامية فإن غالبية أساتذة الجامعات لا يملكون الحد الأدنى من الجانب الروحي والفكري، فكيف يمكنهم أن يقوموا بدور التقييم لغيرهم؟!!"

فقال: "أما بالنسبة لنقطة الخواء الفكري والروحي عند أساتذة الجامعات فأنا أوافقك عليها، وهي قضية تحتاج أيضاً إلى دراسات عاجلة وجادة من قِبَل الحكومات ووزارات التعليم العالي.  أما من حيث الاهتمام بالتقييم، فإني أرى أن يتم جعل الأمر إلزامياًّ، وأن أيَّ إخلال به من جانب الأستاذ، فيعتبر إخلالاً بمهنته الأكاديمية".

فقلتُ له: "ولماذا ترى من المهم أيضاً التركيز على التحصيل العلمي؟"

فقال لي: "إن تفوق المدرس في دراسته الجامعية ليُعطي مؤشراً على مدى جدية هذا المدرس، حيث أن الطالب المتفوق لديه من سعة الأفق والقدرة على التفكير والإبداع والتطوير ما ليس عند الطلاب الآخرين الذين هم ليسوا على درجة عالية من التفوق.

والمدرس بحاجة إلى هذه الإمكانيات والقدرات لكي يستطيع أن ينشئ طلاباً عندهم مثل ما عند هذا المدرس من القدرات، وأيضاً لكي يستطيع أن يفي بمهام التدريس بما لديه من أساليب وحِيَل وفنون في عرض المادة العلمية، وفي تشويق الطلاب للمعرفة وتعويدهم على الجدِّ والاجتهاد.  والطالب المتفوق عنده أيضاً من الطموح والرغبة في التميُّز والنجاح ما يستطيع من خلاله أن ينقل ذلك إلى الطلاب وأن ينشأهم على هذه المبادئ المهمة التي تخدم عملية البناء الذهني والنفسي للطلاب".

قلتُ له: "وهل هنالك من معايير أخرى؟"

فقال لي: "يجب أن يخضع المرشح للتدريس لمقابلة، بحيث تشمل لجنة المقابلة أناساً متخصصين في المادة التي سيقوم المرشح بتدريسها فيما لو تم قبوله كمدرس، وأيضاً متخصصين في فنون التدريس ومهارات التطوير الذهني والفكري والسلوكي والعلمي.

ويجب أيضاً أن يتم التحقق من خلال المقابلة على قدرات المرشح في التعامل مع الأنماط المختلفة للطلاب، ومع المواقف العديدة التي ربما قد يصادفها المدرس أثناء تعامله مع طلابه؛ فالمدرس بالنسبة للطالب بمثابة القدوة، وإذا لم نحسن اختيار القدوات التي تربي أجيالناً فلا شكَّ أنه سيكون هنالك خللٌ كبير في العملية التربوية، ومَن ثم الحياة العملية بشكل عام.  ويجب أيضاً التركيز على مَن كانت عنده من الأساليب والحِيَل والمهارات التي تستطيع أن تتعامل مع هذه الجوانب بكفاءة واقتدار.

ويجب أن لا تتساهل اللجنة في التعمُّق في التعرُّف على شخصية المرشح، بحيث يتم اختيار المرشحين بناءً على توافق بين آراء أعضاء اللجنة، حيث أنه لو رأى أحد الأعضاء عدم جدارة المرشح للتدريس ولم يؤخذ رأيه في الاعتبار، فإن ذلك يعني قبول شخص عنده من النقص والخلل ما يمكن أن يؤثر على العملية التدريسية تأثيراً واضحاً".

فقلتُ له: "ألا ترى أنه من الأجدر أيضاً أن يكون هناك امتحان تحريري بالإضافة إلى الامتحان الشفهي الذي يكون من خلال المقابلة؟"

فقال لي: "طبعاً، يجب أن يكون هناك أيضاً امتحان تحريري يختبر المرشح في معظم المواد ذات العلاقة بتخصصه، وبالمواد التي سيقوم بتدريسها، وهذا أمرٌ ضروري لتلافي بعض الخلل الذي يحصل من تضخيم الدرجات من بعض أساتذة الجامعات والكليات، أو بسبب قدرة بعض الطلاب في الحصول على الدرجات العالية بوسائل قد تكون غير أخلاقية.  وأيضاً، فهذا أمرٌ ضرور لتلافي الفروقات في المستوى العلمي الذي عادة ما يكون بين الجامعات والكليات.

وفي نظري أنه يجب أن يشتمل الامتحان التحريري على مسائل تختبر قدرات المرشح في أمور أخرى بعيدة عن المادة العلمية التي سيقوم بتدريسها؛ فيجب أن تكون هنالك مثلاً أسئلة تحريرية تطلب من المرشح أن يبسط فيها حلولاً لقضايا تربوية أو إدارية أو نفسية ذات صلة بالعلاقة بين المدرس والطالب أو بين المدرس وزملائه المدرسين.  فإذا لم يكن بمقدور المرشح أن يوضح وجهة نظره في هذه القضايا على الورق، فقد يكون أيضاً من الصعب عليه التعامل معها عندما تحدث على أرض الواقع.

كذلك، فيمكن الاستفادة من الامتحان التحريري في تقييم جانبٍ مهمٍّ من جوانب شخصية المدرس، وهو تمكنه من اللغة العربية كتابياًّ؛ فكثيرٌ ممن يلتحقون بسلك التدريس لا يستطيعون كتابة ولو جمل قصيرة باللغة العربية الفصحى، ناهيك أن يكون ذلك تعبيراً عن مواضيع وقضايا تشمل جوانب الحياة المختلفة".

فقلتُ له: "هذا جيد، ولنفترض أنه تم قبول المرشح، وأصبح مدرساً، فهل يمكن أن يترك الأمر هكذا بعد ذلك، بحيث يصبح قبول المرشح في سلك التدريس إجازة له ليبقى في تلك المهنة ما شاء من السنوات؟"

فقال لي: "يا أخي العزيز، لقد تطرقتَ الآن إلى أمرٍ في بالغ الأهمية والخطورة، حيث أن ما يحدث الآن في معظم الدول هو أن يلتحق الشخص بسلك التدريس ثم يبقى في وظيفته إلى أن يتقاعد أو يتوفاه الله، ولا يكون هناك ثمة ضوابط ومعايير تحكم صلاحيته للاستمرار في مزاولة مهنة التدريس.

إن ما يحدث لدى الكثير من المدرسين هو أنهم قد يكونوا صالحين للتدريس في السنوات الأولى من وظيفتهم، لكنهم بعد ذلك- وبسبب انشغالاتهم في أمور الحياة الأخرى- يفقدون الرغبة في التدريس ويصبحون يمارسون التدريس على أنه روتين وليس كرسالة؛ فلا يهتمون بإنماء قدراتهم ومواهبهم أو تجديد معلوماتهم، وإنما يبقون في وظيفتهم يستمرؤون ما حصلوا عليه من معلومات أثناء فترة دراستهم في الجامعة أو الكلية.

وهذا الأمر يجب أن لا يُستهان به من قبل المسؤولين في وزارات التربية، حيث أنه يجب أن يتواصل تقييم المدرس بعد تعيينه باستمرار، وأن لا تُجدَّد رخصة مزاولة مهنة التدريس إلا لمن يُثبت جدارته لذلك.  وأقترح أن يكون هناك مقابلة وامتحان تحريري شبيهان باللذين أجريا للمرشح قبل قبوله في سلك التدريس، بحيث يتم التحقق من خلال المقابلة على مدى رغبة المدرس في مهنة التدريس، وقدرته على التطوير والإنجاز، وأيضاً على تقييم أخلاقياته وسلوكياته من خلال التقارير المدرسية التي عادة ما تقوم بها لجان متخصصة في ضمان الجودة، وتخضع لضوابط ومعايير دولية معروفة.

وأما بالنسبة للامتحان التحريري فيكون الغرض منه تقييم المعلومات التي عند المدرس ومدى مواكبتها لما يستجد في الجانب العلمي والتربوي من تطورات".

قلتُ له: "ولكن مع انشغالات المدرسين والأعباء التي تناط بهم فقد لا يستطيع المدرس لأن يفرغ نفسه لتطوير ذاته من خلال الالتحاق بالدورات أو المشاركة في المؤتمرات أو حتى من خلال ما يستجد في الجانب أو التخصص الذي يقوم بتدريسه من خلال المجلات والكتب، أفلا يجدر بالقائمين على الشؤون التربوية في وزارات التعليم أن يهتموا بهذا الجانب؟"

فقال لي: "طبعاً، في كثير من الأحيان فإنه لو يوكل الأمر إلى الشخص نفسه، فإن طبيعة النفس البشرية ضعيفة وتميل إلى الراحة، ولا تريد أن تتحمل أعباءً أكثر.  ولكن عندما يكون من ضمن خطط وزارات التعليم هو التطوير المستمر لقدرات ومعلومات المدرسين، فإن المدرس سيحصل على دورات تخصصية في كل عام، وسيتاح له أيضاً المشاركة في العديد من الدورات والندوات والمؤتمرات مما يعينه على تجديد ما لديه من معلومات.  كل هذه الأمور تجعل من المدرس شخصية قادرة على الوفاء برسالة التربية والتعليم في آنٍ واحد".

فقلتُ له: "دعني أسألك أمراً!!"

فقال لي: "تفضل".

فقلتُ له: "إذا كان الله قد آتاك مثل هذا الفكر النيِّر والفهم العميق، فلماذا تحتكر هذا الخير لنفسك، وأنت- حسبما عرفتُه الآن عنك- عندك من القدرات والإمكانيات ما يفتقر إليه غالبية المدرسين، بل وغالبية الناس؟!!"

ابتسم وقال: "يا أخي العزيز، إن المرء لا يكون على درجة من الصلاح والتقوى حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، كما جاء في الحديث الشريف.  وكيف يمكنني أن أحتكر أمراً رأيتُ فيه الخير والمنفعة لنفسي؟!!"

فقلتُ له: "إذاً، وكيف توصل هذا الخير للآخرين؟"

فقال لي: "إن المدرس المصلح الداعية لا تخونه الأساليب، بل على العكس من ذلك فإنه يقف عاجزاً أمام الوفاء بهذا الجانب لكثرة الفرص التي تتسابق أمام عينيه لخدمة دينه وأمته.  وأنا أقوم بهذا الأمر على عدة محاور: المحور الأساسي الذي أركز عليه كثيراً، وأيضاً أعول عليه- بعد تسديد الله سبحانه وهدايته- هو جانب الطلاب، فإنني أحاول من خلال احتكاكي بهم في الحصص والأنشطة الأخرى التي تقام في المدرسة وخارج المدرسة، أحاول أن أغرس في نفوسهم المبادئ والقيم التي يمكن- بإذن الله- أن تغير من واقع هذه الأمة.

وأما المحور الثاني فهو يركز على زملائي المدرسين، سواءً كانوا في المدرسة التي أعمل بها، أو في غيرها من المدارس، حتى وإن كانوا من مناطق أخرى.  وأحاول أن أوصل إليهم رسالة المعلم الصحيحة، والتي تركز على البناء والتربية قبل التلقين، وتركز على إنماء القدرات وبناء الشخصيات قبل أن تركز على بناء التبعية والولاء.

وأما المحور الثالث فإنه يستهدف شرائح المجتمع المختلفة.  وأحاول هنا أن أغير صورة المعلم في أذهان الناس، حيث أنه قد ارتسمت في أذهان الكثيرين أن المدرس هو شخصٌ يحمل الكتاب بيد والعصى باليد الأخرى، وأن المدرس هو من الطبقات الوضيعة في المجتمع، نظراً لقلة علمه وفهمه، ولعزلته عن المجتمع".

 قلتُ له: "ما شاء الله، هذه أمورٌ لا يقوى على حملها إلا من آتاه الله- سبحانه وتعالى- من الجلَد والصبر والفهم والحكمة".

فقال لي: "الحمد لله رب العالمين، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.  وقد صدقتَ يا أخي العزيز من أن هذا الأمر لا يقوى عليه إلا من استمدَّ العون والقوة من الله- سبحانه وتعالى-، وارتبط به برباطٍ وثيقٍ من الإيمان والتقوى".

فقلت له: "ولكن، كيف تستطيع أن توفق بين كل هذه الأمور وبين التزامات التدريس؟  وإن ما أعرفه أن غالبية المدرسين يصرخون من أعباء التدريس المناطة بهم؛ فهم يقضون معظم أوقاتهم بين الدوام والنوم في المساء في تحضير الدروس".

فقال لي: "يا أخي العزيز، أولاً هذا ليس بصحيح، فلو قضى المدرس غالبية وقته في تحضير الدروس لليوم التالي لتغيَّر حال التعليم عندنا.  لكن غالبية المدرسين يقضون أوقاتهم في أمورٍ تافهة لا تعود عليهم ولا على طلابهم بالنفع.  ثم إن التحضير لليوم التالي لا يحتاج إليه مَن كان عنده من التمكن والفهم- على الأقل في تخصصه- وقد يكون ما يحتاج إليه فقط هو في تنويع الأنشطة التي يقدمها لطلابه".

قلتُ له: "وأسألك عن المحور الأول".

قال لي: "تفضل".

قلتُ له: "ذكرتَ أنك تحاول أن ترتبط بطلابك وتغرس فيهم المبادئ والقيم، سواءً كانوا في المدرسة أو في خارجها، فكيف تلتقي بهم خارج المدرسة؟"

قال لي: "إن دور المعلم ليس في علاقته بطلابه في الصف الدراسي، وإنما يجب أن تكون أبعد من ذلك؛ فتشمل تواصله معهم من خلال أسرهم، وأيضاً من خلال احتكاكه بهم في المسجد وفي المناسبات الأخرى".

قلتُ له: "وما صيغة التواصل الأسري الذي تقوم به؟"

فقال لي: "في بداية العام الدراسي أقوم بتسجيل هواتف أولياء الأمور، ثم أتصل بهم واحداً واحداً، وأحدد معهم وقتاً مناسباً لهم لزيارتهم في بيوتهم.  وعندما أذهب إليهم أُعرِّف الأب بنفسي، ثم أوضح له الوسائل التي أعتقد بأنها ضرورية لبناء شخصية الطالب، ومنها التفاعل والتعاون بين البيت والمدرسة.

وتدريجياًّ أبدأ بتوطيد علاقتي بأولياء الأمور من خلال إطلاعهم على مستوى أبنائهم، وهذا يخدمني كثيراً في العملية التدريسية من نواحي عديدة، فأولها أن ارتباطي بعلاقة وطيدة مع الأسرة توطد أيضاً علاقتي بالطالب نفسه، فيصبح الطالب بالنسبة لي وكأنه أحد أبنائي، وأيضاً أصبح أنا في عين الطالب بمثابة صديق والده، ولذلك أحصل على الاحترام والتقدير من الطالب، مما يجعل الطالب يتقبل مني ما أريد أن أغرسه في نفسه من قيم ومبادئ.

أما الثاني، فإنه يسهل عليَّ الجانب العلمي، حيث أن الأسرة تقوم بدور المتابعة والمساعدة في فهم الدروس وحلِّ الواجبات.  وبهذا يتحسَّن مستوى التحصيل العلمي عند الطلاب، فهنالك من الأنشطة التي تستغرق وقتاً طويلاً لإنجازها، وتحتاج إلى فهم وتوضيح أكثر.

ومثل هذه الأنشطة لا أقوم بها أنا في الصف، وإنما أطلب من الطلاب أن يأخذوها إلى البيت، ويطلبوا من أولياء أمورهم أن يساعدوهم في إنجازها.  وأقوم أنا أيضاً بالتواصل مع وليِّ الأمر لإشعاره بالأنشطة المطلوب إنجازها.  وهذا أيضاً يوطد العلاقة بين المدرس والأسرة، فتكبر صورة المدرس في نظر الأسرة لما يشاهدونه من اهتمام من المدرس بأولادهم، ولما يرونه من الارتقاء بالتحصيل العلمي الذي يحصل عليه أبناؤهم.

ويخدمني هذا أيضاً في جانب آخر وهو القدرة على إشراك الطلاب في الأنشطة التي نقوم بها خارج المدرسة؛ فإن أولياء الأمور- في الغالب- قد لا يثقون بإرسال أولادهم إلى رحلات أو معسكرات أو مخيمات أو أية فعاليات أخرى تكون خارج المدرسة، وخاصة إذا كانت في خارج البلدة، أو كانت تستغرق وقتاً طويلاً، وقد تحتاج إلى المبيت خارج البيت.  ولكن عندما تعلم الأسرة أن من يشرف على هذه الأنشطة هو المدرس الذي يثقون به وبتعامله معهم، فإنهم لا يعارضون مشاركة أبنائهم في مثل هذه الأنشطة".

قلتُ له: "ما شاء الله، هذه استراتيجيات وأساليب لا يفطن إليها غالبية المدرسين".

فقال لي: "هذا صحيح، ولذلك حصل ما هو موجودٌ حالياً من الصورة القاتمة الموجودة في المجتمع عن المدرسة والمدرس".

قلتُ له: "وهل تصادفك عقبات؟"

ابتسم وقال: "لا يخلو أيَّ عملٍ شريفٍ وطموحٍ من تحديات.  والعقبة الكبرى التي أواجهها هي ليست مع الطلاب، ولا مع الأسرة، ولا مع المجتمع، ولكن هي مع زملائي المدرسين!!"

قلت له: "وكيف ذلك؟"

فقال لي: "ترى الكثير منهم عاجزاً عن أن يقدم شيئاً، لا علمياًّ ولا تربوياًّ، ولذلك فهو في حقيقته من الفاشلين، ولكنه لا يريد أن يعترف بذلك، ولذلك تراه يسخر مني ومن الأساليب التي أقوم بها، ويكيل لي التهم، وفي بعض الأحيان يلفق عليَّ- زوراً وبهتاناً- ما أنا لستُ منه؛ فيعتبر علاقتي بطلابي لأغراضٍ مشينة- والعياذ بالله-، ويعتبر علاقتي بالأسر لمصالح مادية أو اجتماعية، ولذلك تراهم عندما تسنح لهم أية فرصة للتجمع مع بعضهم البعض لا يذكرون عني وعن أمثالي إلا المثالب، ويتندرون بأحوالنا وأساليبنا!!"

قلتُ له: "إن عليكم أن تصبروا، وأن لا تعبؤوا بما يقوله أولئك".

فقال لي: "يا أخي العزيز، إن ما يصيبني ويصيب أمثالي من المصلحين والدعاة هو ليس بغريب؛ فقد واجه أنبياء الله ورسله من التحديات والمعارضات والمكائد من أقوامهم ما يفوق ما نواجهه نحن بكثير.  وما علينا إلا أن نثبت على مبادئنا ونصبر، ونحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى".

فقلتُ له: "وهل تواجهون أية عقبات من إدارة المدرسة أو المسؤولين في الوزارة؟"

فقال لي: "إن جهود بعض الزملاء في تشويه صورتنا لا تقتصر فقط على أحاديثهم وسهراتهم، وإنما يحاولون تسميم عقول الطلاب من خلال التندر بنا أمامهم، وتلفيق الشائعات علينا عندهم.  وأيضاً كثيراً ما يتجمهرون عند مدير المدرسة ويتشكَّوْون من الأساليب التي أقوم بها، ويدَّعون تقصيري في المهام المناطة بي، وأيضاً كلما سنحت فرصة لهم للالتقاء بأحد المسؤولين وأولياء الأمور فإنهم لا يتوانون في القيام بنفس الشيء.

وكم من المرات تم استدعائي من قبل بعض المسؤولين في الوزارة، وطلبوا مني تبريرات لبعض الأعمال التي أقوم بها، والتي فُسِّرت لهم على أنها لأهداف تخالف سياسات الوزارة وأنظمتها.  ولكن بحمد الله { من يتق الله يجعل له من أمره مخرجا }، ويكون الله سبحانه وتعالى معي، وما إن أوضح لهم ما تشوَّه في أذهانهم من تفسيرات ومبررات عما أقوم به، حتى يوافقونني، بل ومنهم مَن يساندني، ويطلب مني أن لا أتوانى في الاستمرار فيما أقوم به، وأيضاً في طلب العون والمساعدة منهم".

قلتُ له: "يبدو أن مهمة التدريس- كما تبينت لي الآن- هي في حقيقتها من أشرف المهمات، وإن الرسالة التي يحملها المعلم هي رسالة الإصلاح التي جاء بها الأنبياء والرسل.  وصدق أحمد شوقي عندما قال: كاد المعلم أن يكون رسولا!!"

فقال لي: "يا أخي العزيز، إن رسالة الإصلاح ليست مناطة فقط بالمدرسة ولا بالمدرسين، وإنما هي رسالة يفترض أن تستهدف جميع الناس بجميع مستوياتهم وتخصصاتهم وأعمالهم.  ولو تتبعنا حقيقة كل مهنة يقوم بها أفراد المجتمع لوجدنا أنها المهنة الشريفة التي يناط بها همُّ البناء والإصلاح".

ابتسمتُ وقلتُ له: "يا أخي العزيز، لقد سررتُ كثيراً عندما رأيتُك، وأنا الآن في غاية السرور والابتهاج لما عرفتُه عنك، وجزاك الله خيراً عما أفدتني به من هذا الفهم والتوضيح، وأعتذر لك عن إيقافك هنا طويلاً، ولكن الحديث قد جرَّ بعضه بعضاً".

ابتسم وقال: "لا عليك يا أخي، فإني أحتسب مثل هذه الأوقات عند الله سبحانه وتعالى، وأعتبرها بمثابة الفرص لأن أؤدي رسالتي في هذه الحياة.  وكم سرني تفاعلك مع هذا الحديث، وتفهمك لأبعاده.  وأسأله- سبحانه وتعالى- أن يجمعني بك في لقاءات أخرى".

ابتسمتُ له وقلتُ: "لقائي بك اليوم قد يحفزني على أن أُكثِر من زياراتي للبلد، وأعتبرها سياحة علمية وفكرية، وخاصة عندما ألتقي بك وبأمثالك".

فقال: "جزاك الله خيراً يا أخي الكريم، وجعلني الله عند حسن ظنك بي، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن نلتقي قريباً بإذن الله".

فقلتُ له: "وأشكرك مجددا على هذ اللقاء، ويمكنك الآن أن تشتري ما شئتَ، وعجِّل بذلك قبل أن تلتقي بزميل آخر من زملائك فيوقفك لساعة أخرى!!"

ابتسم وقال: "لا بأس بذلك، فذلك أمتع لي من تسوقي".

فارقتُه وأنا أقول له: "في حفظ الله ورعايته".

فردَّ عليَّ قائلاً: "وأنت كذلك يا أخي، وأستودعك الله".

انصرف كل واحد منا في شأنه، وبقيتُ أفكر في هذا الأستاذ الفاضل، وكيف أنه استطاع أن يحقق أموراً عجز عنها الملايين من أقرانه، وما ذلك إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى.  أسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لما فيه مرضاته سبحانه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.