حوارات هادفة (9)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع رجل الإعلام

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

ذهبتُ اليوم إلى أحد الشواطئ المعروفة في البلدة، وبينما كنت أمشي إذ التقيتُ بأحد زملاء دراستي القدامى، والذي يعمل صحفياً في إحدى الجرائد الحكومية.

عندما رآني بادرني قائلاً: "السلام عليكم، ما شاء الله ما أحلى هذه المفاجآت!"

فقلتُ له: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حقاً إنها لمفاجئة طيبة.  كيف أحوالك يا إبراهيم؟"

فقال لي: "الحمد لله أنا بخير، وكيف أحوالك أنت؟  إننا لم نلتق منذ سنوات!!"

قلتُ له: "وماذا أفعل بك وقد شغلتك الوظيفة عن زملائك وأحبابك!!"

فقال لي: "صحيح يا أخي، فقد استعبدتنا الوظائف فأصبح الواحد منا لا يجد متنفساً حتى للجلوس مع أهله، ولكنني أتابع أخبارك أولاً بأول، وخاصة ما تنشره على الإنترنت من مقالات".

قلتُ له: "أشكرك على اهتمامك، والحقيقة أننا متطفلون على موائدكم؛ فمَن يكتبون على الإنترنت هم- في الغالب- ليسوا بصحفيين، وإنما أثارتهم الظروف والأحوال للكتابة".

فقال لي: "إن ما تكتبه هو بحق رائعٌ جداً، ولكن لماذا لا تكتب معنا في الجريدة؟"

ابتسمتُ إليه، وقلتُ له: "وهل ترضى جريدكتم أن تنشر مثل تلك المقالات؟!!"

ابتسم إبراهيم، وقال: "الحقيقة أن مثل تلك المقالات لن ترى النور لا في جريدتنا ولا في غيرها من الجرائد، سواءً كانت حكومية أو أهلية!!"

فقلتُ له: "هذا ما يدفعنا لأن نكتب على مواقع الإنترنت، فإنك تعلم أنه لا بُدَّ من إيصال رأينا إلى الناس حول ما يستجد في هذا العالم من قضايا، وليست هناك قنوات إعلامية يمكن أن تغطي هذا الجانب!!"

فقال لي: "صدقتَ يا أخي، والله إني لأحس بالشفقة على نفسي عندما يُطلَب مني أن أغطي فعالياتٍ هي أتفه ما يكون؛ فطلبٌ لمقابلة المزارع الفلاني حول حجم ثمار الطماطم التي أنتجها هذا العام، وطلب لتغطية حفلٍ في إحدى روضات الأطفال لتوزيع البالونات على الطلاب المتفوقين، وحفلٌ لتغطية أسعار المواشي والأبقار أيام الأعياد!!"

قلتُ له: "ولماذا تبقى هناك؟  إن ما أعرفه عنك أن لديك أسلوباً رائعاً في الكتابة، وأيضاً في الحوارات الإعلامية، فلماذا لا تنتقل إلى مكان آخر؟"

فقال لي: "وأين أذهب؟  إن كل وسائل الإعلام قد أصبحت ليس لها من همٍّ إلا تمجيد الحكام وتغطية ما يقومون به من تفاهات، ومحاولة تضليل الرأي العام حول القضايا التي تتعلق بالمسلمين!!"

قلتُ له: "اعذرني يا أخي إن قلتُ لكم أنكم مسؤولون أمام الله- سبحانه وتعالى- عن كل ما تكتبونه وما تقولونه، وأنت تدرك خطورة الإعلام في هذا الزمان، حيث أنه يشكل عقليات الناس وأفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم!!"

قال لي: "هذا صحيح، وإن الإعلام يلعب على الحبلين كما يقال؛ فهو من جانب ينقض كل الثوابت والقِيَم والمبادئ والعادات التي هي من أصول الدين، فيصفونها بالبائدة والمتخلفة وغير المواكبة لتطورات العصر، وفي نفس الوقت هم يثيرون الأفكار الهدامة التي تُغيِّر من معتقدات الناس ونظرتهم حول الدين والقِيَم والأخلاق وتشكل علاقات الناس بغيرهم من الأجناس.  كذلك، تجد أن مَن يُفترض أن يوصموا بأنهم أعداء يُروَّج لهم على أنهم أهل الحضارة والتقدم والحرية وحملة النور والهداية للعالم، ومَن هم- في الأصل- أصحاب الحق وأهل الإيمان يوصمون بالإرهاب والتطرف!!  إنها لمفارقاتٌ كبيرة!!"

فقلتُ له: "إن الرسالة التي يحملها الإعلام المعاصر لا تقف عند حدِّ ما ذكرتَ، وإنما تحاول تركيع العالم بأسره ليستطيعوا تحقيق مآربهم وفق خطط أعدُّوها مسبقاً".

قال لي: "هل تعرف يا أخي العزيز أنني أشعر بأنني لستُ آمناً لا في نفسي ولا في أهلي!!"

ابتسمتُ له وقلتُ: "وهل تخاف أن يأتي أحدهم فيغتالك أو يغتال أحداً من أهلك؟!!"

فقال لي: "إن الأمر ليس كما فهمتَ، وإنما هو أخطر من ذلك!!"

قلتُ له متعجِّباً: "خيراً إن شاء الله.  أوضح لي".

فقال لي: "تعلم أني أقضي الساعات الطوال في الوظيفة، وبيتي مهجور؛ الأم منشغلة بتنظيف المنزل والملابس وإعداد الطعام.  وعندما تحتاج إلى راحة فإنها تتوجه إلى التلفاز فتستقي منه ما يسمم أفكارها.  وعندما يعود أطفالي فإنهم لا يتوجهون إلى المسجد فيمسكون بالمصحف يحفظونه ويرتلونه، ولكنهم يجلسون أمام التلفاز فيقوم بفعله في غسل أدمغتهم البريئة، وعندما أعود أنا إلى البيت أعود منهكاً، وليس لي من حولٍ ولا قوة في توجيه أحد أطفالي أو مساعدته في دراسته، ولا أستطيع حتى الحديث مع زوجتي.  كل ما نفعله هو أن نلتقي أمام التلفاز، ويُقدَّم الطعام، وكل واحد منا سارح بفكره، مشدود إلى الفلم أو البرنامج الذي نشاهده، والذي يهدم أكثر مما يبني.  وماذا عسى أن تكون حالتنا كأسرة؟؟  هل فهمتَ قصدي؟!!"

قلتُ له: "يا أخي العزيز، إن ما ذكرتَ هي ليست المشكلة التي تعاني منها أنت فقط، وإنما هي مشكلة غالبية المجتمعات الإسلامية، بل والعالم بأسره.  إن مَن أصبح يقوم بتحديد أهدافنا وصنع قراراتنا هو ليس الدين ولا المبادئ ولا القيم، وإنما هو الإعلام، وليته يكون إعلاماً عادلاً ومنصفاً، وإنما هو إعلام جائرٌ بكل المعايير!!"

فقال لي: "إنني أشعر بالإحباط من جانبين؛ فأنا كأيِّ إنسان يعيش على هذه الأرض معرض لسخط هذا الإعلام وإرهابه، وأيضاً أنا معرضٌ لسخط الله- سبحانه وتعالى- لعدم قيامي بمهمتي في هذه الحياة!!"

فقلت له: "إن حالك يا أخي هو أفضل من حال غالبية الناس؛ فعلى الأقل أنت مدرك لما يدور في هذا العالم، وأيضاً عندك من الحس والفهم والأخلاق ما يجعلك تسعى إلى الإصلاح والتغيير".

فقال لي: "ولكنك تعلم بأننا لو تقصينا جوانب الحياة المختلفة في هذا الزمان لوجدنا أنه لا يخلو جانبٌ من جانبها إلا وقد غزاه الإعلام بمخططاته وبرامجه، واستطاع أن يؤثر في الشرائح المستهدفة دون أيما عراقيل أو عقبات!!"

قلتُ له: "هذا صحيح، ولكن علينا- كمسلمين مدركين لحقيقة رسالتنا- أن لا نستسلم لواقعنا، وأن لا نيأس من أحوالنا، وإنما علينا أن نجِدَّ ونجتهد في كل ما يسعنا فعله".

فقال لي: "ولكن هنالك من القضايا الخطيرة التي ليس عندي أنا ولا عند الكثيرين من أصحاب التوجُّه الخيِّر من الإعلاميين ما يمكن أن يعالجوا من خلاله تلك القضايا، فما عسى أن يكون موقفنا في مقابل ما يقوم به الإعلام المضاد؟!!"

قلتُ له: "كل ما علينا القيام به- كمسلمين- هو أن نعد العدة ثم نكل الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب الشأن وبمقدوره- سبحانه- أن يبارك في الجهود القليلة فتنتج ثماراً عظيماً بإذن الله.

وما أريد أن أنبهك إليه هو أن المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً، وعلى الإعلاميين بشكل أخص، تدور في الأساس حول الإعداد والتهيئة.  والإعداد يكون على أصعدة مختلفة ومراحل متعددة؛ فيجب على الإعلامي أن يُعِدَّ أولاً نفسه بالتمسك بمبادئ هذا الدين وقيمه، ثم التفقه في أمور الدين، لكي لا يُسيء إلى الإسلام من غير أن يشعر، فإن الله لا يمكن أن يُعبَد على جهل.

بعد ذلك على الإعلامي أن ينتقل ليوجِد القاعدة الصلبة من ذوي الشأن والتأثير في المجتمع، والذين يجب أن يتم إعدادهم إعداداً متميِّزاً؛ عقدياًّ وفكرياًّ وسلوكياًّ.  وكلما زاد اتساع هذه القاعدة، كلما زاد انتشار الخير وانحسار الشرِّ.

ثم علينا جميعاً أن نعلم أن صناعة الإعلام في هذا العصر لا تقوم على أكتاف أشخاص فرادى لديهم الرغبة والتفاني في نشر رسالتهم، سواءً كانت رسالة خير أم رسالة هدم، وإنما يحمل همَّ الإعلام المعاصر مؤسسات متمكنة وراسخة، سواءً كانت في إمكانياتها المادية ومواردها المالية، أو كانت في الكفاءات والكوادر التي ترعاها وتقوم على تسيير أمورها.

وإيجاد مثل هذه المؤسسات هو ليس بالمستحيل؛ فعندنا- كمسلمين- من الموارد ما يفوق مئات أو ربما ملايين أضعاف ما عند الآخرين.  وكذلك، فعندنا من أصحاب العقول النيرة والرؤى السديدة مَن يمكنهم أن يحملوا همَّ رسالة الإعلام في وقتنا الحاضر وأن يجعلوها أداة بناء لأمتهم بأكملها".

فقال لي: "صدقني يا أخي، عندما أسمع هذا الكلام تتضارب المشاعر بداخلي؛ فمن ناحية أشعر بالسعادة والغبطة وكأنني أتصور ما تقوله يتحقق على أرض الواقع، ولكن ما تلبث تلك المشاعر إلا لحظات يسيرة حتى أحس بالإحباط والقلق على مستقبل هذه الأمة؛ فالمشوار فيما يبدو لي طويلٌ جداًّ، وأبناء الأمة في ذهول، وأعداؤهم يقومون على طمس كل ما يمتُّ بهوية هذه الأمة، فماذا يمكنني أن أفعل كفرد؟!!"

قلتُ له: "أولاً، أريد أن أعقب على نقطة مهمة ذكرتَها، وهي طمس معالم هوية هذه الأمة، فأنتَ محقٌّ في هذا؛ فرسالة الإعلام الجائر في هذا الزمان هي ليست في حرف الأفراد ولا حتى الأسر أخلاقيا وسلوكيا، وإنما هي في محاولة انتزاع جميع أبناء هذه الأمة عن أية روابط تربطهم بدينهم وعقيدتهم، ومَن ثمَّ أمتهم.  وأضرب لك مثالاً على ذلك".

فقال لي: "تفضل".

قلتُ له: "ذكرتَ في حديث سابق أنك تشعر بالقلق من حالك وحال أسرتك، ولكن هل تعلم أن الإعلام قد أصبح في هذا العصر يتولى دور المربي في البيت، ودور المعلم في المدرسة؟!!  بل إنه يقوم بأنكى من ذلك؛ حيث أنه يشوه صورة المعلم في المدرسة، ويقلل- بل يهمش، وفي أحيانٍ كثيرة يهاجم- دور الأسرة في بناء شخصية الفرد.  وإذا حاول رب الأسرة أو أحد أفرادها الاهتمام بالأسرة وتوجيهها نحو الخير والصلاح فإن الإعلام يجعل ذلك تدخلاً في الحريات الشخصية لأفراد الأسرة.

وأنت محقٌّ فيما قلتَه من قبل من أن غالبية الآباء منهمكون في أعمالهم، أو منشغلون بوسائل الترفيه التي لا تكاد تخلو منها غرفة من غرف البيت.  أما الأطفال فإنه يجري مسخهم وهم يتنقلون بين أفلام الكرتون والأفلام الخليعة والأغاني الماجنة والرقصات الهابطة.

وما يقوم به الإعلام هو أنه يحاول طمس كل ما يمُتُّ إلى هوية هذه الأمة بصلة؛ فهو يقوم بتحطيم القيم والمبادئ والأخلاق الفاضلة في نفوس الناشئة، ويُحل محلها مبادئ الولاء للغرب والشرق والقيم والأخلاق الهابطة والوضيعة.  فلو تتبع أحدنا ما يبث في وسائل الإعلام لوجد أنها تحاول تمييع المبادئ والأخلاق التي تشكل هوية الأمة؛ فمثلاً يصف العلاقات الغرامية على أنها حب، ويجعل من الزنا واللواط والشذوذ الجنسي على أنها حريات شخصية.

ولا يكتفي بذلك، وإنما يحاول تحطيم رموز الدين والقدوات التي يمكن أن تبقى محفزاً في نفوس الناشئة؛ فتجد الإعلام يسخر من رموز الدين ومشاهير الأمة، وفي نفس الوقت هو يوجِد لهم البديل من القدوات المنحطة والهابطة من الفنانين والمغنين ومن مشاهير الغرب من الكفار والملحدين ومن السياسيين وغيرهم، ويجعل هؤلاء بمثابة القدوات التي يجب على الناشئة أن تحذوا حذوها".

رأيتُ صاحبي يهز رأسه وهو يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله!!  ماذا بقي لهم أن يفعلوا؟!!"

فقلتُ له: "إن ما أذكره هو مجرد أمثلة، وإلا فإنه يجري أكثر من ذلك؛ فهناك حملات لتجهيل الأمة بأسرها؛ فالبرامج التي تبث في الإذاعة والتلفاز، والمقالات والتحليلات التي تنشر في الجرائد والصحف ومواقع الإنترنت، فغالبيتها إن لم تكن مخربة فهي ليست بذات قيمة، ولا يستطيع الفرد أن يكسب من خلالها علماً يستطيع أن يعينه على انتزاع نفسه من الدوامة التي أُوقِع فيها.

وماذا عسى أن يكون حال الطفل عندما يذهب إلى المدرسة، وقد قضى ليلته في مشاهدة المباريات والأفلام، والتنقل بين مواقع الإنترنت؟  وماذا عسى أن يدور في مخيلته وهو يشاهد أمامه شخصية تدعى المدرس، وهذه الشخصية يتم تحطيمها والسخرية منها والانتقاص من دورها بشتى الوسائل؟!!  وماذا عسى أن يكون حال المدرس نفسه، وقد قضى هو الآخر ليلته متنقلاً بين هذه القناة وتلك، أو متجوِّلاً بين هذا الموقع وذاك؟!!  إنها بلا شك مهزلة وأيُّ مهزلة!!"

فقال لي: "لقد قمنا ببعض الدراسات المتعلقة بالتعليم، وقد شاهدنا العجب العجاب؛ فقد رأينا كثيراً من الطلاب يتجمعون قبل دخولهم المدرسة وبعد خروجهم منها وأثناء الاستراحات.  وكنا في بعض الأحيان نتجسس على ما يدور بينهم من أحاديث.

وصدقني يا أخي، لقد وجدنا أن غالبية الأطفال، رغم أنهم ما زالوا في المرحلة الابتدائية، إلا أن جُلَّ حديثهم هو عن أفلام الكرتون والمسلسلات والأفلام التي يشاهدوها، والكبار منهم كان يتحدث عن الأفلام الهابطة وما فيها من لقطات مشينة.

وقمنا أيضاً بفعل نفس الشيء مع المدرسين والمدرسات، وللأسف الشديد، فقد كانت أحاديثهم تدور حول المباريات والأفلام والموضات، وهموم الشباب والفتيات في هذا العصر من الديون المتراكمة والقروض البنكية وموديلات البيوت والسيارات وغير ذلك.  ونادراً ما كنا نسمع كلمات أو عبارات تنم عن أيِّ ارتباط بالدين".

قلتُ له: "وأنا أصدق ما قلتَه وما توصلتم إليه.  ولكن ما يحيرني هو أن هناك من الدراسات التي نقرؤها، وربما بشكل يومي في صحفنا وإعلامنا، تقول بغير ذلك".

ابتسم لي، ثم قال: "وهذا ما وجدناه بالفعل؛ فقد كنا نجري أيضاً مقابلات، ونوزع استبانات، ونطلب من الطلاب والمدرسين أن يخبرونا عن بعض المعلومات، أو عن آرائهم في بعض القضايا، وكان ما يقولونه أو يكتبونه يتناقض تماماً مع ما يمارسونه فعلاً!!".

قلتُ له: "ولكن هذا تناقضٌ عجيب، وهو من الطامات الكبرى التي ابتليت بها أمتنا في هذا العصر؛ فالإعلام الخائن يزور الحقائق ويوهِم الناس بأن واقعهم بخير وأنه ليس هناك ما يستدعي القلق!!"

فقال لي: "هذا صحيح، فقد حاولنا أن ننشر ما توصلنا إليه من خلال التحريات السرية التي قمنا بها، ولكن رفضت الجريدة التي أعمل بها أن تقوم بذلك، وفي نفس الوقت فقد رحبت كثيراً بالنتائج التي حصلنا عليها من خلال المقابلات والاستبانات، وهذا يؤكد ما قلتَه من أن الإعلام لا يريد للناس أن يعرفوا أن هناك خللاً ونقصاً وضعفاً يحتاج إلى علاج أو إصلاح".

قلتُ له: "إن قضية التعتيم الإعلامي تسير إلى أبعد من ذلك، وأنت تعرف أنه عندما تُشنُّ حرب على أيِّ بلدٍ إسلامي، أو يفرض عليه حصار اقتصادي أو جوي، أو يتهم بأيِّ تهمة مختلقة، فإن الأخبار التي تصل إلى المشاهد أو المستمع أو القارئ تكون مزورة ومشوهة، بل تكون في أحيان كثيرة تقف في صف المعتدي؛ فبالرغم من أن الدولة الكافرة تكون هي التي شنت الحرب على الأبرياء العُزَّل من المسلمين، إلا أن الإعلام الجائر والخائن يصور المعتدي بأنه صاحب رسالة وبأنه المنقذ للبشرية وبأنه جاء لإرساء الحرية والديمقراطية ولتحرير الشعوب.  وبالمقابل، فإنه يصور الأبرياء المعتدى عليهم على أنهم إرهابيين وخونة، وبأنهم متخلفون لا يريدون أيَّ تطويرٍ لأوطانهم ومجتمعاتهم".

فقال لي: "يا أخي العزيز، إننا نعرف حقائق كثيرة عن هذا الجانب قد لا تصل إلى غالبية الناس؛ فالإعلام الغربي والشرقي لا يكتفي فقط بتعتيم الحقائق وتزويرها وتشويهها، وإنما يقوم بدور الإرهاب على كافة الأصعدة؛ فإذا تجرأت مؤسسة من المؤسسات في الكشف عن بعض الحقائق التي يجري تزويرها أو التعتيم عليها فإنه يتم مهاجمة تلك المؤسسة وتشويه سمعتها، بل- وفي بعض الأحيان- يتم ضربها بالصواريخ وتفجيرها بالقنابل.

وأما الصحفيون والإعلاميون الذين تكون عندهم من الغيرة والحمية لأوطانهم وأمتهم فإنهم يتعاملون- في معظم الأحيان- مع الأحداث بحذر شديد؛ لأنه إن تجرأ أحدهم وقام بتغطية إعلامية أو كتب موضوعاً صحفياً معيناً لا يوافق أمزجة الدول المعتدية فإنه يتم التخلص منه فوراً دون أن يكون هنالك من مجال لعودته مرة أخرى!!"

قلتُ له: "والإرهاب الإعلامي- كما أسمَيتَه- لا ينحصر فقط في الحروب والمظاهرات والانقلابات التي لا يكاد أن تخلو منها بلدٌ إسلامي، ولكن هذا الإرهاب يُمارَس حتى في الأمور التي تعتبر من ثوابت الدين؛ فأنت تعلم مثلاً أن هناك من الكُتَّاب مَن يؤلفون الكتب والروايات وينشرون من المقالات التي تهاجم رموز وثوابت الدين، بل وتهاجم الله- تعالى الله عما يقولون- أو تهاجم شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو زوجاته أو غير ذلك.

والإعلام- كما تعلم- يقوم بدور المروِّج لتلك التفاهات والشِّركيات، بل وتجد أن هناك من الدول والمنظمات التي تقوم بحماية أولئك المنحرفين، والذين يتولون مهمة نقض ثوابت هذا الدين ومحاربة رموزه.  وفي نفس الوقت فلو ثار بعض المخلصين للتصدي لهم والدفاع عن الله ورسوله فإنهم يوصَمون بالإرهاب، ويكون حالهم كحال من يوصَمون بالإرهاب في الحروب!!"

فقال لي: "صدقتَ يا أخي؛ وما قضية سلمان رشدي وآياته الشيطانية، وما قضية الكاتب السوري حيدر حيدر وروايته "وليمة أعشاب البحر"، ولا بقضية محمود محمد طه السوداني المرتد، الذي ثارت جميع وسائل الإعلام والمنظمات والدول عندما تم تطبيق حد الردة عليه بعدما أساء إلى الدين وأهله بشتى الوسائل، ما عنا تلك الوقائع ببعيد!!"

فقلتُ له: "إن ما ذكرتَ هي وقائع مشهورة وربما يعرفها الجميع، ولكن هناك من الوقائع التي تجري بصفة يومية وعلى مختلف الأصعدة، ولا تبوح بها وسائل الإعلام الخائنة، وإنما تُمرَّر على الجماهير المسلمة التائهة على أنها أموراً من عامة معاش الناس، وأنها لا تمس الدين لا من قريب ولا بعيد!!"

فقال لي: "يا أخي، إنني بقدر ما أعرف عن هذا الإعلام، أبقى متحيِّراً لا أدري ما يمكنني فعله، فبماذا تنصحني؟".

فقلتُ له: "يا إبراهيم، إنني لا أشك في أن فكرك نقياً صافياً، وأنك لا ترضى بما يُكتَب أو يُبَث من تزويرٍ للواقع وقلبٍ للحقائق وتضليلٍ للناس، وأنت رجل إعلام، ودورك خطيرٌ جداً في هذا العصر، وكل ما تقوم به الآن أنك تستسلم للواقع وترضخ بما أوقعتَ نفسك فيه من قبولٍ للعمل في تلك الجريدة!!"

فقال لي: "يا أخي، إنك تعلم أنه لا سبيل لي لأن أعيش عالةً على غيري، أستجدي لقمة العيش لي ولأهلي!!"

ابتسمتُ، وقلتُ له: "ولكن ما تفعله الآن هو نفس الشيء، بل هو أسوأ من ذلك؛ إنه ليس مجرد استجداء وإنما استعباد، فإن الجريدة قد اشترتْ منك دينك ومبادءك وقِيَمك وعلمك وفكرك مقابل راتبٍ ضئيلٍ تستلمه منها في نهاية كل شهر".

فقال لي: "وما البديل، فأنت تعلم أنه لا بُدَّ لي من وظيفة؟"

قلتُ له: "إنك تدرك أن هذه الأمة مستهدفة من أعدائها، سواءً كانوا من أعدائها التقليديين كاليهود والنصارى وغيرهم، أو كانوا من أبناء جلدتها وممن ينتسبون إلى لغتها ودينها وأرضها.  وإذا كان الواحد منا يمكن أن يُضحِّي بدينه ومبادئه وقِيَمه وعلمه من أجل بعض الدراهم التي يحصل عليها فلا شك بأنها بئست الحياة.

اعلم يا أخي أن الرزق موكول بيد الله- سبحانه وتعالى-، وأنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها الذي كتبه الله لها، ولذلك فليس هناك من داعٍ للتخوف مما يفكر فيه الناس من فقرٍ وضيق حال، فالأمر موكول إلى الله سبحانه وتعالى".

فقال لي: "وإن قررتُ أن أترك الجريدة فأين أذهب؟  وماذا أفعل؟!!"

فقلتُ له: "أما سؤالك (وماذا أفعل؟) فهذا لا ينبغي لمثلك أن يسأله، فأنت صاحب رسالة ومؤتمن من قِبَل الله- سبحانه وتعالى- على تبليغ تلك الرسالة إلى البشرية كلها على أكمل وجه.  وأما قولك (أين أذهب؟) فكما أخبرتك فإن الأرزاق بيد الله، وأنه يمكنك أن تتخذ أيَّة حرفةٍ أخرى، ولكن ما تحتاج إليه هو أن تكون حراً طليقاً يمكنك أن تؤدي رسالتك على أكمل وجه".

فقال لي: "ولكن، هل في تصورك أن قراري أنا وقرار غيري من الشرفاء للاستقالة من وسائل الإعلام سيحل قضايانا ويخطو بالأمة خطوات للأمام، أم أنه سيكون نذير شؤمٍ للأمة بأسرها؟"

قلتُ له: "إن غالبية الإعلاميين- بلا شك- هم ممن يحملون الفكر النيِّر والعقيدة السليمة، ولكنهم مستعبدون من قبل مؤسساتهم والأنظمة التي تحكمهم.  وكما ذكرتُ، فإن أمثال هؤلاء لو أخلوا الساحة لبقية الإعلاميين الذين لا يراعون في الله إلاًّ ولا ذمة فإنه بلا شك ستكون كارثة كبيرة تحل بالأمة".

فقال لي إبراهيم: "اعذرني يا أخي إن قلتُ لك أن كلامك هذا يتناقض مع ما قلتَه من قبل، فتريدني أنا أن أترك وظيفتي، وبالمقابل تقول أنه لا يجب للمخلصين من الإعلاميين أن يُخلوا الساحة لخواة الضمير والدين!!"

قلتُ له: "على العكس يا إبراهيم، فإنه ليس في كلامي تناقضاً، وإنما ما قصدته هو أن كل الإعلاميين الذين يحملون هموم هذه الأمة ويسعون بإخلاصٍ للدفاع عن قضاياها وهم قادرون على ذلك فإن الدين والواقع يحتم عليهم أن يبقوا في وظائفهم في المؤسسات الإعلامية التي يعملون بها.

وأما ضعاف النفوس الذين يستسلمون لواقعهم، وكل ما يقومون به هو فقط التشكي من هذا الواقع دون أن يخطوا خطوات عملية للتغيير والإصلاح، فإني أعتقد أن المكان غير مناسب لهم، وخيرٌ لهم أن يتركوا مناصبهم ووظائفهم لغيرهم الذين يمكن أن يكون عندهم همُّ التغيير والإصلاح".

نكَّس إبراهيم رأسه، وكأنه فهم قصدي، وأنني أوجه الكلام إليه هو، فقال لي: "لقد عرفتُ قصدك يا أخي، وإني مقر بضعفي، فأنا أحس بأنه ليس بيدي أيَّ قدرة على التغيير والإصلاح!!"

قلتُ له: "بل على العكس من ذلك، إن مشكلتكم أنتم أيها الإعلاميون أنكم تتخوفون من العواقب أكثر مما تستحق، فلماذا لا تجرؤ أن تكتب مقالاً حول قضية ما وتبدي رأيك فيها بكل صدق وأمانة؟"

فقال لي وهو يبتسم: "إنني لو فعلتُ ذلك لوُجِّهتْ إليَّ رسالة إنذار على الفور!!"

قلتُ له: "ثم ماذا بعد ذلك؟"

فقال لي: "لو تكرر الأمر مني لربما أدى إلى طردي!!"

قلتُ له: "هذا صحيح، ولكن هناك احتمال آخر، وهو أنك إن بدأتَ تكتب مقالات قيِّمة فستشجع غيرك من الصحفيين على انتهاج نفس الطريقة، وعندما يكثر أمثالك وتبدأ المقالات المثيرة والمفيدة تتوالى فإنه بلا شك سيثير اهتمام الناس بجرائدكم وصحفكم، وستزيد المبيعات، ولا تنسى أن غالبية وسائل الإعلام همها في الدرجة الأولى هو الربح، ولا تتقيد بالأنظمة والقوانين إلا بقدر ما يعينها على البقاء والاستمرار!!"

فقال لي: "إنك تعلم أنه إن كتبتُ أنا مقالاً يستفز جريدتي والمسؤولين فيها أو يستهدف أحد المسؤولين في الحكومة، فإنه عندما يسمع بقية الصحفيين بردود فعل الحكومة والجريدة فإنهم لن يجرؤوا على الكتابة، وأكون أنا الضحية!!"

قلتُ له: "يا أخي، إن كل ما تقوم به حالياً- كما ذكرتَ لي- هو تغطية الأحداث والمواضيع التافهة التي لا تخدم مصالح الناس بقدر ما تضرهم.  وليس المطلوب منك أن تبدأ منذ الغد في التخلي عن الكتابة في تلك المواضيع التافهة وتبدأ في الحديث والكتابة في القضايا الكبرى.  إن مثل ذلك التصرف سيثير فعلاً حفيظة الكثيرين عليك.  ولكن ما أنصحك به هو التدرج وأخذ الأمور بحكمة وروية، فإن الإصلاح والتغيير للأمة لن يحدث بين عشية وضحاها، وإنما هي مسيرة طويلة وشاقة.  ويحتاج المخلصون من أبناء هذه الأمة إلى مضافرة جهودهم لتحقيق الأهداف العامة التي يسعون إليها ".

فقال لي إبراهيم: "قد بدأتُ أفهم ما ترمي إليه، وأظن أن كلامك منطقي، فمثلاً يمكنني أن أقوم بتغطية إحدى الفعاليات الزراعية أو الرياضية أو الصحية، وفي ثنايا حديثي أدخل عبارةً أعتقد أنها يمكن أن توجه فكر الناس إلى الصلاح والخير، حتى وإن كانت بشكل بسيط".

قلتُ له: "كلامك هذا في محله، وهذا ما كنتُ أقصده بالتدرج، فتبدأ في البداية بإدخال كلمة هنا وكلمة هنالك، أو بالكثير عبارات بسيطة، ثم تبدأ تدريجياً على مرور الأيام والأسابيع في الارتقاء بأسلوبك من خلال طرحك لتلك القضايا، وبعد أن تلاحظ أن أسلوبك بدأ يأخذ منحىً آخر، تبدأ في الكتابة في قضايا المجتمع والأمة، وتبدأ بالقضايا البسيطة التي تتحدث عنها غالبية وسائل الإعلام، ثم تتدرج إلى القضايا الأهم والأكبر".

ابتسم إليَّ إبراهيم، وقال: "هل تصدق يا أخي أنني بدأت أحس بالنشوة؟!  أريد أن أبدأ في انتهاج هذا الأسلوب من اليوم!!"

قلتُ له: "يا أخي، عليك أن تعلم أنه لن يتغير شيء كبير إذا كنتَ ستحاول القيام بعمل الإصلاح بنفسك، ولكن ما نحتاجه هو أن يتكرر هذا الفعل والتوجه من صحفيين وإعلاميين آخرين.  وعندما يبدأ العدد في التزايد، ستكون هنالك نهضة ملحوظة وتغير في أسلوب الطرح والمحاورة لن يخفى لا على الناس ولا على المسؤولين".

فقال لي إبراهيم: "ولكن قد أقتنع أنا بالفكرة، وقد أستطيع أن أبدأ في التطبيق، ولكن كيف لي أن أقنع الآخرين؟"

قلتُ له: "إنكم معاشر الإعلاميين- كغيركم من أصحاب التخصصات الأخرى- لا بُدَّ وأن لكم تجمعات وملتقيات".

فقال لي: "هذا صحيح، فكثيراً ما نلتقي مع بعض الزملاء عند تغطية الوقائع والأحداث، وكذلك فكثيراً ما نتصل ببعضنا البعض".

قلتُ له: "إذاً، فالجو مهيؤٌ لأن تبدأ في تمرير الأفكار التي تقتنع بصحتها وفعاليتها إلى الآخرين، وكل ما يلزمك القيام به هو أن تبني علاقات طيبة مع زملائك".

فقال لي: "ولكن تعلم يا أخي أننا عندما نلتقي فإننا نتحدث في أمور الحياة وفي أمور المهنة، ولكن ليس بأسلوب النقد أو التوجيه، ولو شعر أحدهم بأنني أنتقد أسلوبه في الكتابة أو المحاورة أو أنني أحاول أن أوجهه لعمل أمر ما أو لتبني فكرة معينة فإنه- بلا شك- سينفر مني!!"

قلتُ له: "إن عليك أن تتعامل مع زملائك بالحكمة، وليس بأن تملي عليهم آراءك وأفكارك.  وإن عليك أن تنتهج مع زملائك نفس الأسلوب الذي تنتهجه في مخاطبة الناس، فلا تتصادم مع زملائك لا بقول ولا بفعل، ولا تحاول أن تملي عليهم شيئاً حتى وإن كنتَ تعتقد بصحته، وإنما عليك أن تتخير الفرص السانحة لتوجيه نقد أو نصيحة أو غرس فكرة أو مبدأ معين، ولكن بطريقة غير مباشرة وغير ملحوظة.

إذاً، ما أنصحك القيام به هو أن تبدأ أولاً بالتحدث مع زملائك بنفس الأسلوب الذي كنتَ تتحدث معهم الآن، وليكن هدفك في البداية هو كسب ودهم وجعلهم يثقون بك وبكلامك، ثم عندما تراهم يألفون التحدث إليك والجلوس معك عندها تبدأ تدريجياً في غرس الأفكار والمبادئ والقيم التي تريد الآخرين أن يؤمنوا بها، ولكن باستخدام طريقة التدرج؛ فتبدأ أولاً بأن تدخل في ثنايا حديثك كلمات أو عبارات تثير من خلالها اهتمام الآخرين، وتلفت نظرهم إلى قضية معينة.

وتواصل في هذا الجانب بالتدرج إلى أن تلحظ تقبلاً وتجاوباً من قِبَل أحدهم، وعندها تبدأ معه في مناقشة بعض القضايا البسيطة التي عادة ما تتجاهلونها في صحفكم وفي وسائل الإعلام الأخرى، ثم عندما ترى تجاوباً ملحوظاً في التفاعل مع هذه القضايا البسيطة تبدأ في طرح قضايا أكبر، وهكذا".

قال لي: "إذاً، عليَّ أن أستخدم تقريباً نفس الأسلوب الذي أستخدمه عند مخاطبة الناس؟"

قلتُ له: "هذا صحيح، فأساليب الدعوة والإصلاح في الغالب متشابهة، وإن كانت تراعي الظروف والأحوال".

فقال لي: "ولكنها مسيرة طويلة، وستستغرق مني الكثير من الجهد والوقت!!"

فقلتُ له: "ليس التعجُّل في صالحكم كإعلاميين، ولا في صالح الأمة؛ فإن أيَّ تعجُّل في اتخاذ الخطوات المناسبة قد يفضي إلى تكالب الآخرين عليكم.  ولا تنسوا أنه يراد لأمثالكم أن يغرقوا في وحل التبعية، وأن يعيشوا في ذلٍّ واستكانة، ومتى لوحظ عليكم تغير في أسلوبكم أو منهجكم فإنه قد يفضي ذلك إلى نبزكم بالألقاب، أو ربما إعاقة دوركم كإعلاميين، ولذا فيجب أن تكون حكيماً في كل ما تقوله أو تفعله".

فقال لي: "ولكن، كما تعلم فإن غالبية وسائل الإعلام في بلداننا تستقي معلوماتها وتحليلاتها من وكالات الأنباء الشرقية والغربية، فكيف يمكننا التصرف حيال ما يأتينا من تلك المعلومات أو الأخبار؟"

قلتُ له: "هناك الكثير من المعلومات التي يمكنكم أن تستقوها بأنفسكم.  كذلك، فيمكنكم التعامل حيال ما يصلكم من الشرق أو الغرب بحكمة وموضوعية؛ فما رأيتموه موافقاً لمبادئ وأخلاقيات هذا الدين وأهداف الأمة وقضاياها مرَّرتموه، وربما بمزيد دعم وتوثيق، وما رأيتموه عكس ذلك أخذتموه بحذر، وقدمتموه للناس على أنه خبر مشكوك في صحته أو قدمتموه إلى الناس ومعه آراءكم ونظرتكم حياله!!"

فقال لي: "ولكن، كيف لنا أن نميز الغثَّ من السمين مما يصلنا من أخبار ومعلومات؟"

قلتُ له: "أنت صاحب رسالة، وعليك أن تُبلِّغها بأمانة وإتقان، ولذا يستوجب عليك أن تؤدي واجبك في تحري صحة الأخبار والمعلومات التي تصل إليكم".

فقال لي: "ولكن، تعلم أنه في اليوم الواحد قد تصلنا مئات بل ربما آلاف الأخبار والمعلومات، فأنى يتسنى لمثلي التحقق من مصداقيتها وصحتها؟!!"

قلتُ له: "لقد تحدثنا من قبل أن عليك أن تكسب إلى صفك أناساً آخرين، وعندما يكثر عددكم ستكونون بإذن الله قادرين على توزيع الأدوار بينكم، ويمكنكم عندئذ أن تؤسسوا وكالتكم الخاصة بتحري الأخبار والمعلومات!!"

فقال لي: "ولكن كما تبينا من قبل فإننا ما زلنا بعيدين عن الوصول إلى تلك المرحلة، فماذا علينا أن نفعله الآن كأفراد؟"

قلتُ له: "إن عليك أن تعمل جاهداً في كسب وُدِّ زملائك وتغيير فكرهم ليتساير مع الفكر الذي تتبناه أنت، وفي نفس الوقت يمكنك أن تهتم ببعض القضايا، وتحاول أن تتحرى صحتها وصدقها ولو بصورة مبسطة.  كذلك، فيمكنك الاستعانة ببعض من تثق بهم، حتى وإن لم يكونوا من الإعلاميين، فهنالك من الناس المخلصين الذين يتابعون ما يجري في العالم من أحداث ووقائع، وعند الكثيرين منهم النظر الثاقب والفكر السديد في تحليل القضايا والأحداث.  وأريد أن أنبهك إلى أمر مهم!!"

قال لي: "وما هو؟"

قلتُ له: "إن مسيرة الإصلاح والتغيير التي عليكم كإعلاميين الاهتمام بها لا تتعلق فقط بالجوانب السياسية، وإنما المجتمع والأمة بحاجة إلى تثقيف وتوعية وتوجيه في كثير من الأمور الأخرى، وعليكم أن تفتشوا عن هموم الناس وشؤونهم، وتطرحوا تلك القضايا من وجهات نظر سليمة، ولن تُقابَل أطروحاتكم بالرفض، وخاصة إذا كانت تصبُّ في خدمة المجتمع!!"

فقال لي: "هل يمكنك أن توضح لي بعض تلك القضايا؟"

قلتُ له: "تعلم أن غالبية الشعوب الإسلامية تئن من وطأة الفقر والجهل والبطالة، ولو استطعتم أنت وزملاؤك أن تتبنَّوا هذه القضايا وتحاولوا علاجها بعيداً عن مصطلحات السياسة لحققتم هدفين: الأول، أن طرحكم لمثل هذه القضايا لن يثير عليكم السياسيين.  وأما الثاني فإن هذه القضايا هي مما يشغل كثير من الناس، ولذا فإن طرحكم لها سيُمهِّد لكم النفوذ إلى قلوبهم!!"

فقال لي: "ولكن مثل هذه القضايا تحتاج إلى أصحاب رؤى سديدة ونظرات ثاقبة لطرح حلول لها، ولو كانت بتلك البساطة لما أنَّت منها شعوب كثيرة!!"

قلتُ له: "هذا صحيح، ولكن اهتمامكم بهذه القضايا سيكون في البداية من خلال إثارتها إعلامياًّ، وبهذا سيصبح للإعلام غايات نبيلة؛ فبدلاً من أن تضيع صفحات الجرائد وساعات الشاشات في قضايا تافهة- بل ومخربة في كثير من الأحيان- فإنكم ستستطيعون أن تستبدلوها بقضايا ذات شأن في المجتمع.

وليس المطلوب منكم أن تكونوا علماء وفلاسفة وخبراء، توجِدون الحلول لكل مُشكِل، وإنما دوركم كإعلاميين هو التنقيب والبحث عن ذوي الاختصاص وأهل المروءة والصلاح ليستطيعوا المشاركة في مسيرة التغيير، وبهذا أيضاً تكونون قد أديتم أمراً مهماً، وهو تفعيل الطاقات المبعثرة والكامنة في المجتمع.

وقد تثير تغطياتكم الإعلامية لمثل هذه القضايا اهتمام بعض الموسِرين، فيتبرعون لمثل هذه القضايا إما بإنشاء مؤسسات أو بتثقيف الناس حيالها أو بصيغ وصور أخرى، وهنا أيضاً تكونون قد استطعتم البدء في استغلال موارد هذه الأمة لخدمتها بدلاً من أن تزهق للإضرار بأبنائها وهويتها".

فقال لي: "وكيف يمكننا أن نستعين بالمخلصين في المجتمع للتفاعل معنا في طرحنا الإعلامي لمثل هذه القضايا؟"

قلتُ له: "إن عليكم أن تخرجوا من صوامعكم وأبراجكم العاجية، وأن تهبطوا إلى الشارع وتغشَوْا الناس في منتدياتهم ومحافلهم.  وليس من الضروري أن تختلطوا بالناس كإعلاميين، فأنتم من أهل المجتمع وأفراداً فيه، وهمومكم وقضاياكم خارج نطاق وظيفتكم هي متشابهة مع هموم وقضايا غيركم من أفراد المجتمع.

وعليكم أن تعلموا أن الناس يعرفونكم أكثر مما يعرفون غيركم من ذوي التخصصات الأخرى؛ فأسماؤكم ووجوهكم يراها الناس كل يوم، وعندما تقتربون من الناس فإنكم ستلاحظون أنكم ستنزلون عليهم ضيوفاً مُكرَّمين.  ومتى ما أردتم تحقيق أمر يخدم قضيتكم الإعلامية فإنكم ستجدون تجاوباً ملحوظاً من الناس.

وهنا، يمكنكم أن تنتقوا المؤسسات والشخصيات التي تتواصلون معها بحيث تكون ذات شأن وتأثير في المجتمع.  وعندما تقومون بلقاء صحفي مع أحد المهتمين بقضايا التعليم أو الاقتصاد أو الصحة فسيكون لتغطياتكم الصحفية عندئذ أثر كبير في نفوس الناس.  كذلك، فعندما تكونون على علاقات وطيدة مع المؤسسات الرائدة في المجتمع فإن تغطياتكم الإعلامية ستكون مباركة من قبل تلك المؤسسات، وربما تدعمكم المؤسسات في أنشطتكم الإعلامية المختلفة".

قال لي: "وكيف يمكننا أن نساهم- كإعلاميين- في تثقيف المجتمع ورفع مستواه في المجالات المختلفة؟"

قلتُ له: "إن قضية تثقيف المجتمع هي من القضايا المهمة، والحساسة في نفس الوقت؛ فرسالة الإعلامي هي ليست في إغراق الجماهير بالمعلومات بقدر ما تكون للارتقاء بالمستوى الثقافي والعلمي للمجتمع بأسره.

وأظن أن الاهتمام بهذه القضية قد تكون أنسب وسيلة تستطيعون البدء بها للنفاذ إلى شرائح المجتمع المختلفة؛ فالمعلومات التي ستعرضونها هي محايدة؛ بمعنى أنها ليست سياسية ولا دينية ولا غير ذلك، ولن تثير حفيظة أحد في المجتمع، وإنما ستكون معلومات مجردة.  كذلك، فيمكنكم الاستفادة مما تنتجه وسائل الإعلام الغربية والشرقية في هذا الجانب، فهم يتكلمون عن الفلك والزراعة والتجارة والاقتصاد وغير ذلك في برامج هادفة وتحليلات رائعة، وما عليكم إلا نقل تلك البرامج إلى المشاهد والقارئ، وربما ببعض الترجمة أو الإخراج لتتناسب مع مبادئنا وقيمنا.

كذلك، فيمكنكم إنتاج برامج تعليمية وأفلام وثائقية وتحليلات موضوعية في قضايا كثيرة كالطب والهندسة والزراعة والتعليم، وتلك التي تهتم بالمرأة والطفل والوظائف والمال والاقتصاد، وغير ذلك.

وإذا استطعتم تحقيق هذا الجانب فإنكم تكونون قد قمتم بخدمة جليلة لهذه الأمة؛ فبتقديمكم لمثل هذه البرامج فإنكم تنتشلون أبناءها من التخلف والجهل الذين هم واقعون فيه.  كذلك، فإن إنتاج برامج تعليمية ذات قيمة يحتاج إلى الاستفادة من الخبراء في التخصصات المختلفة، وهذا يعني أنكم ستقومون بتفعيل كثير من الكوادر والطاقات المغمورة في المجتمع.

مثلاً، هنالك من الأخصائيين في جوانب الطب المختلفة، ولكنهم لا يُعرَفون إلا في دائرتهم المحدودة، وبين زملائهم ومسؤوليهم.  ولو قمتم بتشجيع أمثال هؤلاء لطرح بعض قضايا الطب التي تكون محل نقاش في المجتمع، فإنهم سيطرحونها كخبراء في هذا الجانب، وسيكونون محل ثقة بالنسبة لمن يتلقى عنهم.

فمثلاً، إن قام أحد هؤلاء بالحديث عن التغذية ودورها، وأساليب العناية بالصحة والوقاية من الأمراض، لكان لما يقدمونه صدىً كبيراً في نفوس الناس.  وعندما يتجاوب المجتمع معهم فإنه- بلا شك- سيصبح في حال أفضل، وعندها تكونون أنتم الإعلاميون مَن بدأتم في نشر ذلك الخير في المجتمع.  والحديث عن التخصصات الأخرى كالتعليم والتجارة والزراعة وغيرها ينطبق على ما سقناه في هذا المثال عن الطب".

فقال لي: "والله، إنه لكلام جميل وأفكار لا تصدر إلا من مُحنَّك!!"

فقلتُ له: "أشكرك يا أخي على هذا الكلام، وعليك أن تعلم أن هذه الأمة تعج بالكوادر والطاقات المخبئة والتي تنتظر مَن يكتشفها ويُفعِّل دورها، وقد تكونون أنتم الإعلاميون السبيل لذلك!!"

فقال لي: "جزاك الله خيراً على ما سردته لي من اقتراحات، وإنني بإذن الله سأعمل جاهداً على تحقيقها على أرض الواقع".

قلتُ له: "بارك الله يا أخي فيك وفي أمثالك، وإن الأمة تنتظركم لأن ترفعوا رايتها وتنصروا دينها.  وأريدك أن تسامحني إن جرحتُ مشاعرك أو أغلظتُ عليك في القول، فإنك تعلم محبتي لك، وإنني أتمنى أن أراك يوماً واحداً من الإعلاميين الكبار الذين يوجهون هذه الأمة إلى الخير والصلاح".

فقال لي وهو يبتسم: "يا أخي الحبيب، أنت لم تجرح مشاعري ولم تغلظ عليَّ في الأسلوب، بل وعلى العكس من ذلك فإنك كنتُ مشفقاً عليَّ وموجهاً لي، وأسأل الله أن يعينني لأن أكون عند حسن ظنك وظن غيرك من المخلصين".

فقلتُ له: "واعذرني أيضاً إن قطعتُ مشوارك، وأوقفتُك هنا طويلاً".

فقال لي: "لقد كانت هذه الوقفة خيراً لي من الساعات الطوال التي أقضيها في جريدتي!!"

فقلتُ له: "على كل حال، أتمنى أن نبقى على تواصل لكي نستطيع أن نتعاون لخدمة ديننا وأمتنا".

فقال لي: "أتمنى ذلك.  والآن أستودعك الله، فإني أريد أن أرجع إلى البيت قبل توجهي إلى الجريدة".

فقلتُ له: "أسأل الله أن يحفظك ويوفقك، ولنا لقاءات أخرى بإذن الله".

فقال لي: "شكراً لك، وإلى لقاء".

فقلتُ له: "في أمان الله".

انصرف إبراهيم إلى بغيته بينما واصلتُ أنا تجوالي في الشاطئ لفترة، ثم عدتُ إلى البيت.