حوارات هادفة (12)

 

د. صالح بن مطر الهطالي

حوار مع الطبيب

الإصدار الأول

1432 هـ - 2011 م



 

(اضغط هنا لتحميل هذا الحوار)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

كنتُ أتردد بين المستشفيات، أحاول أن أجد إجابات مرضية لما أعاني منه من أوجاع وآلام شديدة في الظهر والرجلين، رغم أنني قد أجريتُ عمليتين في الظهر في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات.  وكان بعض الأطباء الذين كنتُ أقابلهم يقترحون عليَّ العلاج الطبيعي، وبعضهم كان يقترح تخفيف الوزن، وغيرهم كان يقترح تغيير نمط الوجبات التي أتناولها وأنواعها، بالإضافة إلى طريقة النوم والقعود، وغير ذلك.  وقد جربتُ معظمها إلا أنها لم تجدي شيئاً غير تسكين الوجع لفترات قصيرة.

وشاء الله سبحانه وتعالى أن يتصل بي أحد زملاء العمل ويقول لي بأن هنالك أخصائي مشهور في أمراض الظهر سيزور أحد المستشفيات الخاصة.  فقلت: إذاً، هذه فرصتي لألتقي بهذا الطبيب.  وعندما أخبرني باسم الطبيب عرفته على التوِّ، نظراً لشهرته وحديث الناس عنه.

اتصلتُ بالمستشفى، وطلبتُ منهم أن يحددوا لي موعداً مع الدكتور إبراهيم.  ذهبتُ في يوم الموعد، وقمتُ بتسجيل بعض البيانات، ثم انتظرتُ قليلاً، وأُدخلتُ على الطبيب.  أول ما شدَّ انتباهي عندما شاهدتُ الدكتور إبراهيم هو هيئته، فلو كنتُ قد قابلتُه في مكان آخر لظننتُ أنه أحد المفتين أو مشائخ العلم؛ فكان عليه لحية طويلة وكثيفة، ويضع على رأسه الطاقية، ويرتدي الزيِّ الإسلامي، ووضع أعلاه قميص المهنة الأبيض، وكان يبدو عليه من الوقار والسكينة وبشاشة الوجه ما يشدُّ انتباه أيَّ قادم عليه، فقلتُ في نفسي: هذه بشرى خير بإذن الله.

سلمتُ عليه، وعندما رآني قام من كرسيه، وقدم إليَّ ليصافحني.  وعندما رآني وبوادر الوجع بادية عليَّ أمسك بي وأجلسني رويداً رويداً على الكرسي، ثم عاد إلى كرسيه، وقال لي: يبدو عليك أنك تتألم كثيراً.

قلتُ له: هذا صحيح، فأنا أعاني من وجع الظهر لسنوات طويلة، وقد أجريتُ العملية الأولى منذ سنتين ونصف، وأحسستُ بتحسُّنٍ مؤقت، ولكن الأوجاع عادت إليَّ مرة أخرى، فأجريتُ عملية ثانية منذ حوالي عام، وها أنا أعاني مرة أخرى من تلك الأوجاع التي كنتُ أعاني منها سابقاً، وأحسُّ الآن بأوجاع شديدة في الخاصرة والرجلين.

مددتُ بيدي بملف الأشعة والتقارير الطبية التي أحضرتها معي، وناولتها للدكتور إبراهيم، وقلتُ له: حاولتُ أن أحضر لك كل شيء.

أخذ الدكتور إبراهيم يتصفح التقارير، ثم تصفح الأشعة، ثم قال لي: للأسف يا أخي العزيز، إن العمليات الجراحية التي أجريتَها لم تكن صائبة.

فقلتُ له بسرعة: وهذا أظنه يتضح من عودة الآلام بسرعة.

فقال لي: إن عمليات العمود الفقري لا يتقنها إلا القليلون، وكثير من الناس يقعون فريسة للأطباء الجهلة الذين لا يتقنون مهنتهم، وإنما همهم الحصول على أموال الناس!!

قلتُ له: أظن لكونك أخصائياًّ في مجال تخصصك فأنت أدرى بأحوال هؤلاء، ولكن ماذا ترى الآن؟

فقال لي: يمكنني القيام بعملية ثالثة لتصحيح العمليتين السابقتين، وأيضاً لعلاج الأعراض التي ما زلتَ تعاني منها الآن.

فقلتُ له: وهل تضمن لي بأن كل ما أعاني منه الآن سيزول؟

فقال لي: يا أخي الكريم، نحن الأطباء نحاول جهدنا أن نساعد المريض بكل ما آتانا الله سبحانه وتعالى من علم وفهم وخبرة، ولكن- كما تعلم- فإن إعطاء الضمانات هو ليس من شيمة الأطباء الناجحين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضاء والقدر والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فنحن نتوكل على الله، ونطلب من المريض أن يتوكل على الله، ونخبره بأننا سنحاول- بإذن الله- أن نقدم له ما نستطيع تقديمه من علاج، ولكن مع ذلك نوقن كله بيد الله- سبحانه وتعالى-، ونحاول أن نُفهِم المريض بأنه إذا أراد الله شيئاً فلا راد لمشيئته.

أحسستُ بالاطمئنان من هذا الكلام، فهو ينم عن صدقٍ وإيمانٍ عميق بالله- سبحانه وتعالى-، فقلتُ له: إنني أكل أمري إلى الله- سبحانه وتعالى-، وأظنني في أيدٍ أمينة.

نكَّس الدكتور إبراهيم رأسه، وقال: جزاك الله خيراً، وكما قلتُ لك فمهما أوتينا من علم، فطبيعتنا نحن البشر القصور والضعف.

فقلتُ له: هذا صحيح، وإني أريدك أن تحدد لي موعداً للعملية في أقرب وقت.

أخرج الدكتور إبراهيم بعض الأوراق، ثم قال لي: سنقوم أولاً ببعض الفحوصات المبدئية، ثم نتفق فيما بعد حول العملية نفسها.

فقلتُ له: وكم ستكلفني هذه العملية؟

فقال لي: بإذن الله لن تكلف إلا الشيء اليسير، حيث أنني لا أتخذ هذه المهنة للربح، وإن ما أحصل عليه هو فقط لتغطية نفقاتي ونفقات أسرتي!!

فقلتُ له: ولكنك أخصائياًّ معروفاً، ومن حقك أن تشترط المبالغ التي تراها مكافئة للعمليات التي تقوم بها.

فقال لي: هذا صحيح في عرف الناس اليوم، ولكنني لا أريد أن أكون مثلهم.

قلتُ له: وكيف ذاك؟

فقال لي: إنني أدرك أن ما لديَّ من علم وفهم وخبرة هو ليس من حولي ولا قوتي، وإنما هي منة من الله سبحانه وتعالى، ولذا فإن عليَّ أن لا أستغل تلك النعمة التي امتنَّ بها عليَّ الله- سبحانه وتعالى- لامتصاص أموال الناس. وأدرك أيضاً أن غالبية المصابين بهذه الأمراض هم من الفقراء والضعفاء وممن تقلُّ المادة والاستطاعة عندهم، ولولا ما يعانون منه من أمراض وعلل لما كان بمقدور أحدهم أن ينفق ولو جزءاً يسيراً مما ينفقه أثناء ترداده على المستشفيات.

فقلتُ له: ما شاء الله، هذا فكرٌ وفهمٌ ينمُّ عن رسوخٍ في الإيمان والاعتقاد ونبلٍ في المبادئ والقيم.

فقال لي: الحمد لله، هذا كله من فضل ربي، وإنني أكثر ما أخاف منه أن أسيء استغلال هذه النعمة فيسحبها ربي مني.

فقلتُ له: إن غالبية الناس في هذا الزمان- سواءً كانوا من الأطباء أو غيرهم من المهنيين- فإنهم يعتبرون المهنة هي فرصتهم لتجميع الثروات، حتى وإن كانت على حساب الآخرين.

فقال لي: هذا صحيح، وللأسف الشديد فإن أولئك قد لا يدركون أن هذه النعم قد آتاهم الله إياها سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه قادرٌ على أن يسحبها منهم في أيِّ وقت.

ابتسمتُ وقلتُ له: اعذرني يا دكتور إبراهيم، ولكن يدور بداخلي تساؤل، فأتمنى لو تجيبني عليه.

فقال لي: تفضل.

قلتُ له: ما أعرفه وأشاهده في مهنة الطب هو أن كثيراً ممن ينتسبون إليها يكونون في البداية ممن آتاهم الله سبحانه وتعالى من الذكاء والفطنة والدراية، وبحكم ذلك فكثيرٌ منهم يكون على درجة من الإيمان والتقوى.  ولكن ما إن يُمضي الشاب بعض السنوات في تخصصه حتى يبدأ في البعد عن الاستقامة، ويكون ذلك واضحاً في التغيُّر الذي يحدث في ملامح وجهه وملابسه وعلاقاته وغيرها من الجوانب.  وتتطور الأمور حتى ينأى الشخص بعد تخرجه وممارسته لمهنة الطب عن حياة الناس، ويتدنى مستواه الإيماني، وفي بعض الأحيان الفكري والعقدي، وما يحيرني هو أنه كيف استطعتَ أنت أن تبقى على هذه الحال من الإيمان والتقوى والفكر السديد رغم وصولك إلى مرتبة الأخصائيين، ورغم شهرتك ليست فقط القُطرية ولكن حتى الدولية؟

فقال لي: اعلم يا أخي أن الحياة الدنيا هي دار ابتلاء، وما تفوُّق الطالب في الثانوية ونبوغه إلا نوع من الابتلاء من الله سبحانه وتعالى، ليرى منه هل يحسن شكر تلك النعم ويستغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى.  وقد كنتُ بحمد الله- كما ذكرتَ- مثل كثيرٍ من إخواني، وخاصة في المرحلة الأولى في الجامعة، حيث كان المناخ مناسباً للاستقامة والتمسُّك بالدين.  ولكن مهنة الطب لها من المزالق لو لم يكن الشاب أو الفتاة على دراية بها لأودت بهم إلى أمورٍ قد تؤثر عليهم في دنياهم وآخرتهم.  وما ذكرتَه من انحراف بين الشباب والفتيات ممن سلكوا في تخصص الطب هو صحيح، وقد كان بعض زملائي يُعتبرون من الدعاة، وكان لا يقرُّ لهم قرار إلا وهم ينشرون كلمة الحق، ويصدعون بها سواءً في أرجاء الجامعة أو خارجها، ولكن لوجود تلك المزالق، تم استدراج أولئك الشباب والفتيات رويداً رويداً إلى أن تركوا الدعوة، ثم فرَّطوا إلى في كثيرٍ من العبادات، ثم آل الحال ببعضهم إلى أن ينزلق ويتردى فينخلع من دينه وإيمانه.  ولقد كنتُ أُذكِّر نفسي في تلك المراحل بأنني صاحب رسالة، وأن مطيتي لتبليغ تلك الرسالة هي مهنة الطب، ولذلك كنتُ أتنبه إلى ما يمكن أن أقع فيه من تلك المزالق، وكان بعض الإخوة- جزاهم الله خيراً- يذكرونني دوماً بذلك.  وكنتُ أحاول أن لا يطغى اهتمامي بالمهنة عن اهتمامي بديني ودعوتي وأمتي.

فقلتُ له ممازحاً: يبدو أنك شخصٌ من كوكب آخر!!

ابتسم، وقال: ولم ذاك؟

فقلتُ له: من ناحية المبدأ فإن الأمر كما أشرتَ إليه، وهو أننا كلنا أصحاب رسالة، وأن الله قد ائتمننا عليها كما ائتمن مَن قبلنا ومَن سيأتي بعدنا.  ولكن مغريات هذه الحياة وقسوة ظروفها قد جعلت الناس ينسون أو يتناسون تلك الغاية.  وإني موقنٌ بأن مهنة الطب هي من أسمى الغايات ومن أشرف المهن، ليست فقط لأنها تلامس حياة الناس بصورة مباشرة، ولكن لأنها أيضاً وسيلة لتبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى إلى العالمين.

فقال لي: صدقتَ يا أخي العزيز، فغالبية الأطباء من المسلمين يتقنون اللغة الإنجليزية، وهي فرصتهم للتواصل مع عالم فسيح ممن ينتظر منا أن نوصل إليه كلمة الحق.  ولكن هناك أمرٌ مهم جداًّ، وخاصة في مجال الطب.

فقلتُ له: وما هو؟

فقال لي: إن غالبية الأطباء إلا مَن رحم الله يعانون من داء الكِبْر؛ فهم يرون أنفسهم طبقاً راقية علمياًّ وفكرياًّ ومادياًّ، ولذلك فكما أنهم لا ينزلون بأنفسهم إلى مستويات الناس، فكذلك لا ينزلون إلى مستويات بعضهم البعض إلا في النادر اليسير، ولذلك فإن إيصال الحق إليهم من عامة الناس هو ليس باليسير، وكذلك فإيصاله من خلال زملائهم في المهنة هو ليس باليسير.

فقلتُ له: إذاً، ويبقى الحال هكذا؟

فقال لي: طبعاً لا، فهناك وسيلة مهمة لإيصال هذه الرسالة إلى هؤلاء، وهي من خلال تميُّز الطبيب؛ فعندما يكون الطبيب على درجة عالية من التميُّز في تخصصه، ويحظى بمكانة مرموقة علمياًّ فإن كلمته بلا شك ستكون ذات أثر، سواءً كان مع المرضى أو مع زملاء مهنته.

قلتُ له: لا بُدَّ أنكم كأطباء تتعرضون لكثير من الضغوطات والتحديات، فكيف استطعتَ أن تتجاوز كل ذلك، وتبقى متمسِّكاً بدينك؟

فقال لي: يا أخي العزيز إن من يدرك أنه يحمل رسالة تحدد مصيره الدنيوي والأخروي فلا بُدَّ من أن يستميت في تبليغها للناس، وبأكمل وجه.  وبحمد الله ومنته فقد رسخت هذه العقيدة في قلبي منذ أن كنتُ في السنوات الأولى في الجامعة، وقد نبهني كثيرٌ من زملائي الطلاب الذين يدرسون الطب في ذلك الوقت، وبعض الإخوة والأساتذة الفضلاء من أن طالب الطب يتعرض للكثير من التحديات، ومنها الاختلاط، ومنها أهمية تكريس الوقت للتعمُّق في التخصص بحيث تؤهل الطالب ليصل إلى مرحلة التميُّز، وأيضاً في نفس الوقت أن لا ينعزل عن مجتمعه، وإنما يقوم بما يفترضه عليه دينه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأيضاً نبهني هؤلاء الإخوة- جزاهم الله خيراً- إلى أمرٍ خطير يتعرض له كثير من الأطباء وهو التكبُّر والتعالي على الآخرين بحكم مستوى الطبيب العلمي والفكري وحتى المالي والاجتماعي.  وقد وجهوني لأن أستفيد من هذا الجانب لا للتعالي على الناس، وإنما في التقرُّب إليهم وإيصال كلمة الحق إليهم.

وعندما يضع الإنسان كل تلك الجوانب بعين الاعتبار، ويشحذ همته للوصول إلى مراده، وفي كل ذلك يكون متمسِّكاً بدينه متوكلاً على خالقه، فإن تلك الصعوبات والتحديات تصبح بمثابة الفرص للإنسان، وما عليه إلا أن يحس استغلالها وتوجيهها لما يخدم دينه وأمته.

قلتُ له: إنه حسب معلوماتي واحتكاكي ببعض الأطباء ومن يدرسون الطب فإنهم يقولون بأنه من أخطر التحديات التي تواجه الطبيب سواءً كان في دراسته أو مهنته هي الاختلاط، فما تعليقك على ذلك؟

فقال لي: إنك لم تتجاوز الحق في وصفك هذه الظاهرة بأنها خطيرة، وأنها قد تودي بالإنسان- وخاصة الطبيب- إذا لم يتنبه إليها إلى مزالق كثيرة في حياته؛ فطالب الطب يحتك بزميلاته الطالبات واللواتي يتفنَّن في لباسهن واقتناء ما استجدَّ من أصباغ وعطورات، وأيضاً بحكم مستواهن الثقافي والعلمي تندفع النفس بسهولة إلى الجنس الآخر، إذا لم يستطع صاحبها أن يتحكم فيها.

وكثير من بيئات الطب تحفِّز على هذا الاختلاط؛ فالأساتذة يدعون طلابهم للتشكُّل في مجموعات، وتقديم العروض وحضور حلقات النقاش كمجموعات، مما يؤدي إلى قضاء الساعات الطوال جنباً إلى جنب، ولا يشعر الواحد منهم إلا وقد أفضى إلى أمورٍ لا يرضاها الله سبحانه وتعالى من الخلوة والكلام الماجن وغير ذلك، ناهيك عن النظرات والضحكات والبسمات.

كل هذه الأمور لا تؤثر على الطالب من ناحية دينية فقط، وإنما حتى من الناحية العلمية؛ فيصبح هم الطالب التواصل مع زميلته، وهمها هي تأنيق وتجميل مظهرها لكي يجلب إليها الآخرين، فتضيع الأوقات في هذه الأمور وفي الأحاديث الغزلية وغير ذلك مما تؤثر سلباً على الدراسة، مما تجعل الطالب يتخرج بمعدلات لا تؤهله لأن يمارس مهنة الطب، وقد تجبرها إلى أن يتحول إلى تخصصات أخرى.

قلتُ له: وهل تتوقف خطورة هذا الأمر على مرحلة الدراسة فقط؟

فقال لي: طبعاً لا، فالطبيب وهو يمارس مهنته يتعرض إلى فتنة الاختلاط بأسوأ مما كان عليه الوضع وهو في الدراسة؛ فهو يحتك بصفة يومية بوجوه جديدة من الجنس الآخر، ويتفنن الطبيب في حديثه وتصرفاته بحيث يجذب انتباه المترددين عليه من المرضى والمراجعين.  كذلك، فقد يحتاج الطبيب لأن يكشف على مرضاه من الجنس الآخر، ويرى مواضع لا تجوز له رؤيتها، ولكن الخطورة هنا هو أن يتمادى الطبيب في النظرات والتشهي بما يرى دون أن يكون هناك في ذلك الحين خوفٌ من مراقبة الله ومحاسبته على ما يقوم به، وأن لا يتعدى مقدار ما يراه من المريض حاجته لتشخيصه أو علاجه.  كذلك، فالطبيب يحتك بصفة يومية مع زميلاته الطبيبات والموظفات الأخريات، فتحدث- وخاصة في ساعات المناوبة الليلية- الكثير من الفرص للجلوس سوياًّ، والحديث في الأمور التي يدخل الشيطان من خلالها لتهيئة الأجواء في الوقوع في المحرمات.

قلتُ له: إني أعلم أن هناك بعض الإخوة الأطباء المتمسكين بدينهم، والذين استطاعوا أن يتجاوزوا تلك العقبات والتحديات التي ذكرناها من قبل، ولكن المشكلة أنهم لم يتجاوزوا مرحلة الاستقامة والالتزام إلى الاستفادة من الفرص المتاحة لهم من خلال مهنتهم واستغلالها في الدعوة إلى الله، فكيف تنظر إلى هذا الأمر؟

فقال لي: إنني أكاد أجزم أنه لا تتاح فرص للدعوة إلى الله لأحد من الناس مثل ما هي متاحة للطبيب؛ فالطبيب يقدم خدمات للآخرين، وفي هذه الحالة فهو بمثابة اليد العليا التي تعطي، والناس مجبولون على ذكر المعروف، وشكر من يُقدِّم لهم صنيع الخير.  ولذلك فقد يكون هذا باباً يستطيع الطبيب الداعية أن ينفذ من خلاله إلى مرضاه، وأن يبني معهم علاقات طيبة من خلال مراجعاتهم له، أو حتى بالتواصل معهم في خارج عيادته، ولكن بشرط أن تكون حسب الضوابط الشرعية.

كذلك، فيمكن للطبيب الداعية أن يستفيد من مركزه الاجتماعي وقدراته المالية في خدمة هذا الدين وأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكلمة الطبيب نافذة ومسموعة ومرحب بها في معظم المواقف.  وإذا اقترن فقه الطبيب في تخصصه ومهنته مع فقهه في دينه وواقعه لكان ذلك سبباً لأن يفتح له آفاقاً لا يستطيع لأن يلج إليها غيره من شرائح المجتمع؛ فالطبيب عندما يريد أن يرسخ معاني الإيمان في نفوس الناس ويأتي لهم بآية أو حديث فيه من الإعجاز ما يطمئن القلوب الحائرة والتائهة يكون كلامه ذا وقع مما لو قال ذلك الكلام واعظٌ أو فقيهٌ متخصص في علوم الشرع.  وما يمكن أن يقوي ذلك الكلام هو استناد الطبيب إلى الحقائق العلمية في تخصصه، فيقرن هذا بذاك، فيصبح للكلام وزنٌ في قلوب الناس.  والطبيب يتعرض أيضاً لكثير من المواقف والحالات مع مرضاه، فيستطيع أن ينقل قصصاً عن تلك المواقف للناس بحيث ترطب القلوب وتشدُّ العقول.

وأما بالنسبة للمال، فبإمكان الطبيب أن يعين إخوانه من أبناء جلدته وممن ينتسبون إلى أمته، سواءً كانت إعانة مالية مباشرة، أو كانت من خلال إقامة المؤسسات النافعة، أو من خلال وضع برامج تعليمية وتدريبية ترتقي بمستوى أبناء هذه الأمة.

كذلك، فللطبيب المتعمق في تخصصه، المتفقه في دينه، دورٌ مهم في دفع زملاءه من الطلاب والمهنيين في مجال الطب، وحتى في غيره من المجالات، بأن يكرسوا الأوقات للتميُّز في تخصصهم، وأيضاً لأن يلتزموا بدينهم ويستقيموا على منهج ربهم.

قلتُ له: ما شاء الله، إنك محقٌّ عندما قلتَ بأن الفرص الدعوية المتاحة للطبيب قد لا تتاح لغيره من الناس، وأجزم أنا أيضاً بأن مكانة الطبيب العلمية وتمسكه بدينه قد يكون له أثر حتى غير المسلمين.

فقال لي: هذا صحيح؛ فنحن كثيراً ما نحضر المؤتمرات والندوات العلمية، سواءً في بلداننا أو في الدول الأخرى، وقد يثير منظر الطبيب المسلم المستقيم على دينه، وهو بلحيته وسكينته ووقاره، أو المرأة الطبيبة المسلمة بحجابها المتميز، قد يثير كل ذلك تساؤلات في أفئدة الآخرين، وقد يدفعهم الأمر إلى فتح أحاديث وحوارات مع هؤلاء، وتكون فرصة الطبيب المسلم الداعية هنا في إبلاغ كلمة الحق إلى الآخر؛ فكثير من غير المسلمين ينظرون إلى الوقائع والحقائق نظرة تجريدية، وأنها ترتبط بالطبيعة، وليس لها علاقة بالله سبحانه وتعالى، وبعضهم قد يجزم بأن هناك قوة روحية لها أثر في تسيير هذا العالم، ولكنه لا يعرف بأن الله سبحانه وتعالى هو المهيمن والمسيطر على هذا الكون، وأنه لا ينفذ أمر إلا بمشيئته وإرادته.

وعندما يبدأ الآخر بالتعرف على هذه الجوانب فإنها تكون فرصة له وللطبيب المسلم للتواصل والتحاور، وقد يستفيدان من بعضهما البعض بما يتعلق بمهنة الطب، وأيضاً بما يتعلق بالتمسك بهذا الأمر ودعوة غير المسلمين إليه.