راتب الشهر

 

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الخاطرة)


_______________________________________

الساعة الآن تقترب من العاشرة صباحًا.  استأذنتُ المسؤول في مغسلة السيارات التي أعمل فيها لأن يسمح لي باستلام راتبي من مكتب المحطة.  كم كانت فرحتي وأنا أخطو خطواتي المرتبكة متجِّهًا صوب مكتب المحطة، لأستلم راتبي الأول.  لقد طلبتُ من أحد زملائي أن يلتقط لي صورة وأنا أستلم راتبي، فهو بالنسبة لي ذكرى مهمة وحدثًا سيُغيِّر حياتي كثيرًا، فقد عشتُ طيلة سنِيِّ حياتي التسعة عشر الماضية، وعاشت أسرتي قبل ذلك، ونحن نقتات ما تجود به أيادي الكرماء من أهل بلدتي، فنحن نعدُّ من الأُسَر الفقيرة في البلدة، حيث أن أبي أصيب بالعمى عندما كان يعمل في إحدى الشركات الأجنبية، ولم تدفع له الشركة أية تعويضات، وقد بقيَتْ أمي تحاول توفير لقمة العيش لي ولإخواني الثلاثة، فكانت تعمل لبعض المزارعين في البلدة مقابل أن تحصل على حزمة من البرسيم تعلفها للبقرة الوحيدة التي نمتلكها، والتي نشرب لبنها ونبيع سمنها.

وبالنسبة لي، فستكون هذه أول مرة أقبض فيها مئة ريال بيدي، فلم تقع في يدي من قبل أكثر من عشرين ريال، وهي مرتَّب وزارة الشؤون الاجتماعية الذي نستلمه كأسرة فقيرة.  كذلك، فإن هذا هو أول شهر أتأكد فيه أن لي قيمة في المجتمع؛ فقد لبثتُ أكثر من عشرين شهرًا بعد إنهائي الثانوية العامة وأنا أبحث عن عمل، ولبثتُ بعدها ما يزيد عن ستة أشهر منذ أن سجلتُ في هذه الشركة وبدأتُ العمل فيها.  على كل حال، فإن هذا الراتب سيُغيِّر مجرى حياتي وحياة أسرتي.

وصلتُ إلى مكتب المحطة، ووجدتُ زميلي قد سبقني إليه.  سلَّمتُ على مدير المحطة، ثم تقدَّمتُ نحو طاولته لأُوَقِّع في سجلِّ الرواتب، وأثناءها بدء المدير يعُدُّ لي المئة والعشرين ريالاً التي سأستلمها.  وعندما انتهى من العدِّ، مدَّ يده إليَّ بالنقود، ومددتُ كِلتا يديَّ لاستلامها، وقد كان زميلي جاهزًا لالتقاط الصورة.  ويا لثقل تلك النقود عندما وقعتْ في يدي، ويا لجمالها وأنا أتصفَّحها ورقة ورقة.  أخذتُ النقود إلى شفتي وقبَّلتها، ثم شكرتُ المدير، وخرجنا أنا وزميلي من المكتب.