أجهزة التلفاز

 

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذا المقال)


_______________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه.. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. مَن يهده الله فهو المهتدي ومَن يُضلِل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله.

أما بعد ...

في عالَمٍ كعالمنا هذا، تكثر الاختراعات يومًا بعد يوم، وكل اختراع يُقرِّب المسافة بين جوانب الكرة الأرضية شبرًا شبرًا، حتى ساغ لكثيرٍ من الناس في هذا الوقت أن يصف الكرة الأرضية بأكملها بالقرية الصغيرة.

فكلُّ إنسان في القرية الصغيرة يعرف مَن يعيش في قريته معرفة تامة، ويكاد يعرف موطئ كل قدمٍ فيها.  ومثل هذا يحدث في عالمنا اليوم؛ فوسائل الاتصالات المختلفة والأقمار الصناعية والتلفاز والراديو والهاتف تعدُّ بعض الجوانب التي قرَّبتْ بين جوانب الكرة الأرضية.

ومثل هذا التقارب له سلبيات- كما هو معروف- مثل ما له من إيجابيات.  فمن سلبيات هذا التقارب اضمحلال الخصوصية؛ فلم تعُد هناك تلك الفواصل والحدود بشكلها التقليدي المعروف، بل أصبحت تُغزى من كل صوبٍ عن طريق وسائل الاتصال المختلفة.

وكما هو مُدرَك، فإن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية قد أصبحت توجِّه الأجيال وتبني الثقافات لأنها في متناول كل فرد.  وفي نظري، فإن الإعلام المرئي المتمثل في التلفاز والفيديو يعلب الدور الأكبر في هذا التوجيه لانتشاره الواسع، واحتضانه أفرادَ الأسرة من مختلف الأعمار والمستويات، وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة.  وأجهزة التلفاز هي أشدُّ خطرًا من أجهزة الفيديو لأن ما يُبَثُّ في هذه الأجهزة- في غالبه- يكون موجَّهًا وليس للمشاهد أيَّ دخلٍ في اختياره.

وفي هذه الوريقات نحاول إلقاء الضوء على ما يُبَثُّ في شاشات التلفاز في عالمنا الإسلامي، ومناقشته من وجهة نظر إسلامية.  ولكي لا نكون سلبيين فإني سأحاول مناقشة بعض البدائل، وهي مجرد وجهة نظر، وأرجو من القُرَّاء الكرام دراستها، وإبداء الاقتراحات لي لكي نخرج بما هو أفضل وأسلم لأجيالنا الحاضرة والقادمة، واللهَ أسأل أن يعينني على هذا العمل، وأن يجعله في ميزان أعمالنا يوم القيام، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء.

الأهداف العامة لأجهزة التلفاز

كما قلتُ في المقدمة، فإنه قد أصبح لا يكاد يخلو منزل إلا وبه جهاز تلفاز، وهذا ما يجعلنا نتخوَّف من هذا الانتشار الواسع لهذه الأجهزة.  وتخوُّفنا هذا ليس من الأجهزة نفسها- كما يحلو للبعض أن يقول بأن التلفاز حرام- لأنها أدواتٌ تصلح لأن تُستخدَم للخير كما تُستخدَم للشرِّ.  لكن تخوُّفنا هو مما يُبَثُّ في هذه الأجهزة من برامج وفقرات، لأنها إما أن تكون موجَّهة للإفساد، أو أنها تُستَغلُّ من قِبَل بعض الفئات لتكون أدوات إفساد.  والمشاهِد لبرامج التلفاز يستطيع أن يستنتج سلبيات كثيرة، نذكر منها:

1- غرس الولاء والطاعة للحاكم:

أصبح التلفاز- مثله كسائر وسائل الإعلام الأخرى- الوسيلة الأمثل لإظهار الحاكم بمظهر الـمُنعِم والـمُتفضِّل والبطل المغوار، والعالِم المتبحِّر، والعابد المتنسِّك، والسياسي المحنَّك.  ويقوم التلفاز بتوجيه أغلب برامجه بصورة مباشرة أو غير مباشرة لخدمة هذا الهدف.

ويذهب الإعلام إلى مدى أبعد، حيث يجعل سِرَّ بقاء هذا العالَم بأسره هو بسبب هذا الحاكم، فتراه ينسب كل شيء إلى التوجيهات السامية والآراء السديدة والقيادة الراشدة لهذا الحاكم.  وفي بعض الأحيان يقوم الإعلام بتزوير الحقائق، فتراه ينسب ما يصيب الدولة من فشل وهزائم وفضائح إلى حنكة الحاكم ودهائه ودرايته بأمور السياسة.

وكما ترى يا أخي، فإن تكرار مثل هذا التزوير للحقائق والمديح الـمُزيَّف يجعل من المشاهدين- وهم في أغلب الأحيان يُحسِنون الظن بما يشاهدون ويسمعون- أشبه بعبيدٍ لهذا الحاكم، لأنه في نظرهم سِرُّ بقائهم.

2- غرس الولاء والطاعة للحكومة أو الحزب الحاكم:

وهذا منبني على غرس الولاء والطاعة للحاكم، لأن الحكومة هي واجهة الحاكم أمام الشعب، والحزب الحاكم هو الأسرة التي جاء منها الحاكم، فلا بُدَّ أن تكون هذه كلها معصومة من الخطأ، وإن كانت- في بعض الأحيان- تُوجَّه إليها ضربات مصطنعة لإظهار نزاهة الحاكم والحكومة والحزب.  ويظهر أفراد الحكومة أو الحزب- من حيث القداسة والعصمة- بمظهر الملائكة أو الأنبياء والرسل، وإن كانوا دون الصورة التي يُظهَر فيها الحاكم.

3- تدمير أخلاق العامة، وخاصة الشباب والنساء:

تأتي الأفلام الخليعة والبرامج الـمُوجَّهة لتحليل الشباب و "تحرير المرأة" في المرتبة الثانية بعد البرامج الـمُوجَّهة لغرس الولاء للحاكم والحكومة والحزب.  وهذه البرامج قد تكون مستهدَفة من قِبَل الحكومة مباشرة، وقد تخدم منظمات أخرى، ولكنها في النهاية فهي تخدم مصالح الجميع؛ ففي تحلُّل النساء والشباب إقصاءٌ لهم عن دينهم، وإبعادٌ لهم عما يُكاد لهم، وفي الوقت نفسه يجعل العامة لا تبالي بأمور السياسة، فتبقى تابعة قانعة بما يُشبِع غرائزها وشهواتها.

4- زحزحة الدين من صدور الناس:

وذلك بما ذكرنا من إشغال الناس بالـمُلهِيات من البرامج وجعلهم يُضيِّعون أوقاتهم فيما لا يعود عليهم بنفعٍ أخروي، ناهيك عما في تلك البرامج من محظورات شرعية.  لكن هناك من البرامج التي صُمِّمَتْ خصِّيصًا لهدم ما تبقى في أفئدة الناس من مفاهيم الدين وقِيَمه، وذلك إما بمحاربتها مباشرة، كما يحدث في قضية الحجاب، وإما بتفسيرها على غير ما أُنزِلتْ، كما يحدث في الربا والجهاد.

5- نشر الثقافات الأجنبية:

وذلك عن طريق الأفلام والبرامج الـمُوجَّهة، والدعايات الهابطة، والتحليلات الـمُزوَّرة، والتقارير الـمُستقاة من الإعلام الأجنبي.

الأهداف المنشودة من أجهزة التلفاز

بعد أن رأينا الأهداف التي من أجلها تُبثُّ برامج التلفاز في عالمنا الإسلامي اليوم، يجدر بنا أن نذكر بعض الأهداف التي نأمل أن تحلَّ محلَّ تلك الأهداف التي ذكرناها.  ومن الأهداف المنشودة ما يلي:

1- خدمة الدين الإسلامي:

يجب أن يكون هذا هو الهدف العام الذي تُصاغ تَبَعًا له كل البرامج والفقرات في أجهزة التلفاز.

2- نشر القيم والأخلاق الإسلامية في نفوس الجماهير:

وهذه إما أن تكون مباشرة من الكتاب والسُّنة والتاريخ الإسلامي، أو غير مباشرة من خلال البرامج الهادفة.

3- الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي للجماهير:

وذلك حتى يكون الناس على بصيرة بعالَمهم المعاصر وما فيه من ثقافات وأفكار، ولكي من مستوى التلقِّي والتشكُّل إلى مستوى البناء والإنتاج.

4- محاربة الثقافات والأفكار والأخلاق الدخيلة:

تعجُّ مجتمعاتنا المعاصرة بالكثير من المساوئ التي استُجلِبتْ إليه من الخارج، أو قامت بصناعتها أو الترويج لها عقولٌ مريضة تعيش على نفايات المجتمع.  وعلى أجهزة التلفاز أن يكون لها اليد الطولى في تنقية مجتمعاتنا من مثل هذه الرذائل والمفاسد، ومحاولة استبدالها بكل مفيد ونافع.

5- توجيه الناس لتصدير الفكر والثقافة الإسلامية للعالم:

لا شكَّ أن الشعوب المعاصرة- إسلامية كانت أو غير إسلامية- متعطِّشة لأن تكون على دراية بالهداية الربانية التي جاء بها نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يمكن أن تحمله الرسالة الخالدة من مضامين كفيلة لحلِّ مشاكل الحياة المعاصرة وأزماتها.  وبرامج التلفاز المعدة لهذا الغرض قد لا تصل إلى جميع أرجاء العالم، ولكن يجب أن يتم توجيه الجماهير لخدمة هذا الغرض، فإن كل واحدٍ من المسلمين يمكن أن يكون مشعل هداية لأمة بأسرها، وقد يستطيع إيصال كلمة الحق بطريقة يتعذَّر على أجهزة التلفاز القيام بها.