هموم خريج

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الخاطرة)


_______________________________________

جلستُ على الكرسي وأنا أكاد أطيرُ فرحًا، فها هي لحظة الانتظار قد حانت، ولم تبقَ إلا لحظات وبعدها أستلم شهادة التخرُّج، وعندها سيُغني العالم طربًا لتخرُّجي.  كنتُ أتمالك نفسي خشية أن يراني أحدٌ وأنا أبتسم حينًا، وأتنفس الصعداء حينًا آخر.

ها هو صاحب الميكروفون يُذيع اسمي..  كدتُ أقفز من الفرح..  قمتُ إلى المنصة لاستلام شهادتي، وكلي بهجة وسرور..  ها أنا أقف أمام رئيس الجامعة..  ها هو يمدُّ يده ليصافحني بيده اليمنى، وبيده اليسرى الشهادة المرتقبة..  كنتُ أتظاهر أني أنظر إليه، ولكن عيني في الشهادة نفسها..  ها هو يمدُّ يده ليسلِّمني الشهادة..  ها هي الكاميرات تُصوِّر..  وبلا وعيٍ جذبتُ الشهادة من يده، وبسرعة قبَّلتُها ثم ضممتُها إلى صدري..  هرولتُ مسرعاً إلى كرسيِّي..  جلستُ على الكرسي وأنا لا أزال أحتظن الشهادة على صدري..  بدأتُ أسرحُ بمخيِّلتي وكأنني في حُلم..  وفجأة..

وفجأة انتابتني سحابة كثيفة من الأسى..  لقد عاودتني تلك الأفكار التي طالما شغلتْ بالي وأقلقتني كثيرًا..  تبًّا لها..  أما وجدتْ إلا هذا الوقت لتفسِد عليَّ أحلى لحظة في حياتي..  لم أستطع تمالك نفسي، فأزحتُ الشهادة من على صدري، ثم أسدلتُ رأسي للكرسي، وبقيَتْ الأفكار تتقاذفني بين أمواجها العاتية..

لم أفِق إلا على صوت أحد زملائي الأمريكان..

زميلي:

مالكَ؟!!  أراك سارحًا..  (مازحًا) لا عليك..  فالحق لمثلك أن يسح، وقد حصلتَ على مرتبة الشرف الأولى..  على العموم، مبارك عليك هذا التفوُّق، وعقبال الدكتوراة.

أنا:

شكراً..

زميلي:

(مازحًا) "شكرًا"..  هكذا؟!!  مالَك؟!!  أراك حزينًا..  هل أنت بخير؟!!

أنا:

أجل، إنها مجرد نوبة أفكار..

زميلي:

(مقاطعًا) أفكار؟!!  حتى في هذه المناسبة؟!!  يجب أن تدَعْ الأفكار الآن، وعليك أن تفرح كما يفرح الآخرون..

أنا:

(بسخرية) أفرح؟!!  إنك لا تدري ماذا تعني هذه الشهادة بالنسبة لي..

زميلي:

أجل أدري..  إنها المفتاح الذي سيفتح لك أبواب عالَم آخر ملئٍ بالغبطة والسرور والحياة السعيدة..

أنا:

(بتهكُّم) حياة سعيدة؟!!  أيُّ حياة سعيدة؟!!  إن هذه الشهادة تعني الحُكم عليَّ بالسجن المؤبَّد في محيط من التخلُّف والأوهام!!  (بتهكُّم) تقولَ لي: حياة سعيدة!!

زميلي:

بل، على العكس..  إني لا أرى ما قلتَه..  إن هذه الشهادة وهذا التفوُّق الذي أحرزتَه سيمكِّنانك من الحصول على أفضل عمل، وفي المكان الذي ترغب فيه..

أنا:

(بتأوُّه) إنك لا تدري شيئًا عن الأوضاع في بلدي..  إن هذه الشهادة أو ذاك التفوُّق الذي تتكلم عنه لا يأتيان لك بنظرة اعتبار، فضلاً عن عمل مناسب!!

زميلي:

(مستغربًا) إذًا، كيف يحصل المرء على عملٍ في بلادكم؟!!

أنا:

(متهكِّمًا) بقدر الفيتامينات التي يملكها!!

زميلي:

(مبتسمًا) فهمتُ..

أنا:

يا صاحبي: إنهم في بلدي لا يُميِّزون من أيِّ الجامعات تخرِّجْتَ، ولا مقدار الدرجات التي حصلتَ عليها!!  ثم لنفترض أني حصلتُ على عمل..  فماذا سيكون عملي؟!!

زميلي:

(بسرعة) طبعًا، في مجال الكمبيوتر.

أنا:

قد يُحالفك الحظ فتعمل في دائرة تسمى بدائرة الكمبيوتر..

زميلي:

وإذًا؟!!

أنا:

أما العمل نفسه، فقد يكون ليس له علاقة بالكمبيوتر!!

زميلي:

(مستغربًا) لم أفهم..

أنا:

لا يوجد في بلادي ما يُسمى بالوصف الوظيفي، ولذا فإن عليك أن تكون مستعدًّا للقيام بأيِّ عمل، حتى ولو كان خارجًا عن نطاق تخصصك، أو حتى رغباتك..  وما يُسمى بوظيفة الكمبيوتر في بلادي لا تعدو أن تكون استخدامًا لبرامج وأجهزة مرت عليها عقودٌ من السنين!!  ثم مع مَن سأعمل؟!!

زميلي:

طبعًا، مع زملائك في العمل..

أنا:

(أضحك) أيُّ زملاء؟!!  صحيحٌ أنه سيكون هناك غيري في الدائرة، ولكنهم تعوَّدوا على المكيف والكرسي الدوار والشاي بالنعناع الذي يأتيه به إلى طاولتهم الأنيقة أحد الوافدين..

زميلي:

إذًا، فهذه فرصة لك لتُثبِتَ وجودك، فإنك- لا شك- لن تكون مثلهم.

أنا:

وفرضًا أنني قمتُ بعملي على أحسن وجه..  فمَن سيعرف ما أقوم به؟!!  ومَن سيكافئُني على جهدي؟!!

زميلي:

لا شك أن مسؤوليك سيعرفون عنك كل شيء من خلال التقارير التي سيرسلها عنك مسؤوولك المباشر..

أنا:

(بتهكُّم) أيُّ تقارير؟!!  ليس في بلادي تقارير عن حُسْن الأداء، لأن مسؤولَك يخاف أن يزكيك فتكون أحسن منه!!

زميلي:

إذًا، فعليك انتقاء الخيرة من زملائك، وتحاول أن تغرس فيهم روح الإخلاص والتفاني..

أنا:

(بتهكُّم) إذًا، سأُعتَقَل من أول يوم!!

زميلي:

(باستغراب) ولماذا؟!!

أنا:

يا صاحبي: إن مثل هذه التجمُّعات محظورة في بلادي، لأنها تُشكِّل تهديدًا لأمن الدولة!!

زميلي:

(يصرخ) كيف؟!!  وما علاقة هذه بتلك؟!!

أنا:

إن أيَّ تجمُّعٍ علميٍّ أو غير علميٍّ يحتاج إلى تصريحٍ مسبق من الدولة!!

زميلي:

إذًا، فماذا عن النوادي العلمية؟!!

أنا:

توجد نوادٍ علمية في بعض البلدان، ولكن عملها لا يتعدى أن يكون للدعاية للدولة، لا أكثر ولا أقل!!

زميلي:

إذًا، فكيف تُقام الندوات والمحاضرات وورشات العمل العلمية؟!!

أنا:

يحدث قليلٌ من مثل هذه..  وحتى لو أقيمت، فإنها لا تتعدى أن تكون إحدى الوسائل للدعاية للدولة..  أما المناقشات والتوصيات، فليس لها من مستمع!!

زميلي:

وماذا عن المجلات والدوريات العلمية؟!!

أنا:

نادرًا أن تصدر مجلة علمية تصدر في بلادي!!  وقد تصل بعض المجلات والدوريات التي تصدر في الدول الأجنبية، ولكنها تُباع بأسعار باهظة، وكذلك فهي تصل متأخرة، لأنها لا بُدَّ من أن تمرَّ على دائرة الرقابة!!

زميلي:

(مستغربًا) حتى هذه تحتاج إلى رقابة؟!!  إذًا، لا أرى لك من خَيار لتبقى على تواصل مع ما يستجدُّ في مجال الكمبيوتر إلا من خلال شبكات الكمبيوتر الموجودة عندكم..

أنا:

الشبكات التي تتصل بالعالم الخارجي ممنوعة!!

زميلي:

(يصرخ مقاطعًا) وكيف؟!!

أنا:

(أبتسم) لأنهم يريدون الرقابة على المعلومات المارة عبر هذه الشبكة!!

زميلي:

هذا شيءٌ لا يُطاق!!

أنا:

هذا غيضٌ من فيضٍ مما يجري هناك!!

زميلي:

(بتنهُّد) إذًا، فلك الحق أن تحزن يا صاحبي..  وليس عندي ما أواسيك به إلا أن أقول لك: أحسن الله عزاءك في حصولك على هذه الشهادة، وكان الله في عونك!!

أنا:

لا عليك يا صاحبي..

عندها، ودَّعني صاحبي وانصرف..  أما أنا فقد قمتُ متثاقلاً إلى سيارتي أفكر فيما سيأتي.