رسالة إلى الأخ الداعية

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الرسالة)


_______________________________________

أخي الداعية، ومن يؤنسني في موكب الإيمان ،،،

عندما أطلَلْتَ إلى هذه الحياة بنضارة وجهك وبهاء مُحياَّك، ورأيتُ اهتمامك بشؤون أمتك وحرصِكَ على رفعة لوائها ونصرة أبنائها ...

عندما وجدتُّكَ تحثُّ الخُطى للارتقاء بذاتك وإصلاح نفسك، ورأيتُكَ تسعى بجِدٍّ لإصلاح مجتمعك وتعليم إخوانك ...

عندما رأيتُ كل ذلك فيك، عندها تاقت نفسي للقياك والتسامر معك ...

وها أنذا أضع بين يديك بعض نقاط علَّها أن تُبَصِّرك بالطريق، وتضيء لك الدرب، فاحرص يا أخي على قراءتها بتأمُّلٍ، وناقشها مع إخوانك بتدبُّر، فلعلَّ الله أن ينفعكم بها، وينفع بكم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ...

 

الارتقاء بالنفس

·     احرص يا أخي أن تعمل جاهدًا لتجعل من نفسك وممن تقوم على تربيتهم لا مجرَّد دعاة فقط، وإنما دعاة ناجحين، فإن الساحة تعجُّ بمن ينتسبون للدعوة، ولكن قليلٌ منهم مَن هم بحق دعاة ناجحين.  الداعية الناجح باختصار هو مَن تلمس الدعوةُ أثر الدور الذي يقوم به.

·     أن لا تكتفي بإيصال نفسك ومَن تقوم على تربيتهم إلى مرتبة الداعية الناجح ذي الأثر المحدود، وإنما عليكم أن تمتلكوا من الأساليب المؤثرة التي بمقدورها استقطاب شرائح مختلفة من المجتمع.  الوصول إلى هذه المرتبة سيجعل دوركم ذا فاعلية أكبر وجودة أفضل.

·     عليك أيضًا- وبعد أن امتَلَكْتَ الأساليب المؤثرة- أن تسمو بنفسك وبنفوس أتباعك لتصبحوا من ذوي الشخصيات المؤثرة؛ فإن هناك فارق كبير بين هذه المرتبة وسابقتها؛ فامتلاك الأساليب المؤثرة- وإن كان لها شأن عظيم- إلا أن أثرها يبقى مرهونًا بعددها وحِدَّة تأثيرها، وهي- بهذا المعنى- ليس بها من القوة ما يجعلها تَنفَذ إلى جميع شرائح المجتمع، ولا من الحيوية ما يضمن من عدم نكوص المتأثرين بها على أعقابهم.  كذلك، فإن عبارة "الأساليب المؤثرة" توحي بشيء من النفوذ يفرضه الداعية على المدعو، وهو قد يكون له أثر عكسي إذا لم يؤثر أسلوب الداعية في نفس المدعو لدرجة يصعب زوال أثرها فيما بعد.  أما عندما تصبحون من ذوي الشخصيات المؤثرة، فإنكم- من ناحية- قد نقلتم شعاع التأثير لا ليصدر منكم فيستقبله المدعو وإن شاء قَبِله وإن شاء أعرض عنه، ولكن ليصبح له تأثيرٌ جذبيٌّ نابعٌ عن قناعة في نفس المستقبِل بسِمات شخصيتكم، ورغبة مُلِحَّة منه للارتقاء بشخصيته هو (أي المستقبِل) ليصبح مثلكم.  بمعنى آخر، لقد أصبحتم النموذج الذي يتهافت إليه الآخرون للاحتذاء به.  هذا التأثر الاختياري ذو أثر عميق في النفس؛ حيث أنه لم ينتج عن مجاملة للداعية أو خوفٍ منه أو عن مصلحة يرجوها المدعو من تقبُّله لأسلوب الداعية، ولكن- كما قلتُ- عن قناعة ورغبة منه.  كذلك، فإن عبارة "الشخصية المؤثرة" توحي بأن كل جانب من جوانب هذه الشخصية يلعب دورًا رئيسيًّا لا يقل أهمية عن الأدوار الأخرى التي تلعبها الجوانب الأخرى في تلك الشخصية.  هذا يعني أنه لم يعد هناك حصر في فئات المجتمع التي يمكن تأثرها بالداعية، فالمجال متاح للجميع؛ فمن الناس مَن سيتأثر بأسلوب حديثكم، ومنهم مَن سيعجبه نقاء سريرتكم، ومنهم مَن ستأسره محاسن أخلاقكم، ومنهم مَن ستنشرح أساريره بزكي طيبكم وروائحكم، ومنهم مَن سيجذب انتباهه نظافة هندامكم، ومنهم مَن سترنو نفسه إلى درجات الإيمان التي وصلتم إليها، ومنهم مَن ستستوقفه عُلُوُّ هممكم، ومنهم مَن ستهفو نفسه للأنس بمرافقتكم، ومنهم مَن سيحاول تقمُّص رائع أساليبكم في تنظيمكم لأوقاتكم واستغلالها أو في التخطيط لحياتكم وتحقيق أهدافكم، ومنهم، ومنهم، ومنهم، ....  بمعنى آخر، لقد وصلتُم إلى مرتبة يتجسَّد فيها الإسلام تجسُّدًا شموليًّا واضحًا، وهي مرتبة عظيمة الأثر، عظيمة المنفعة لكم وللمتأثرين بشخصيتكم، ولكنها أيضًا عظيمة الخطر عليكم وعلى الآخرين.  لقد أصبح الآخرون ينظرون إلى الإسلام من خلال أقوالكم وأفعالكم وما تحملونه من فكر، وإن أيَّ خلل يطرأ على أيٍّ من هذه الجوانب سيُحتَسب على الإسلام، وسيَزِلَّ بسبب تقصيركم أنتم في ذلك الجانب خلقٌ كثير ستتحملون وزرهم إلى يوم القيامة.  كذلك، فإن وصولكم إلى هذه المرتبة السامقة في سُلَّم الدعوة سيجعلكم محطَّ اهتمام المبغضين لكم وفي مقدمتهم إبليس وحاشيته من الجن والإنس، وإذا كان دور شياطين الجن سيقتصر على التلبيس عليكم ومحاولة إغوائكم بالعُجْب والغرور والكِبر وغيرها من الأمراض القلبية المعروفة، والتي تكفي واحدة منها لهدم بنائكم السامق، غير أن شياطين الإنس قد يلجأون إلى أساليب أكثر وحشية كالدعاية المضادة والتهديد وربما التنكيل والتعذيب.  فهنيئًا لمن رام الوصول إلى هذه المرتبة العظيمة ثم استفاضت عليه رحمات ربه في البقاء والتمكين والنماء.

الارتقاء بالفكر

·     عليك يا أخي الداعية أن لا يكن همُّك مُنْصَبًّا في بناء وتزويق شخصيتك الدعوية وشخصيات من تقوم على تربيتهم فحسب، وإنما عليكم أن تحملوا رياح التغيير للارتقاء بمستوى البيئة التي تتعايشون معها؛ فإن العهد الذي أبرمتموه مع ربكم ليَستوجِب عليكم أن لا تحصروا اهتمامكم في دائرة الشخصية الفردية وإنما ليَطال المجتمع بأسره.

·     وعليكم أن تعلموا أن مفهوم الأمة لا ينحصر في المجتمع الذي ترعرعتم فيه ولا القُطر الذي شُكِّلَت أحاسيسكم حياله، وإنما الأمة هي تلك الرقعة الممتدة من مشرق الأرض إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها أينما وجد فيها مسلم وكبَّر فيها مكبِّر.

·     واعلم يا أخي الداعية أن الله قد خلقك من جسد وروح وأنه كما أعانك على حمل جسدك على الحَبْو ثم المشي ثم الجري، فإن عليك أن تستعين بخالقك لكي تنتقل بروحك من مستوى الركود الوجداني إلى قمم الشموخ العقلي.  إن وصولك إلى تلك المراتب العليا من السمو الفكري لهو أكثر أهمية من اقتنائك للأساليب المادية والعلمية في مهنتك الدعوية.

·     إن الخطوة الأولى لتشييد فكرك السامق هي أن تكسر شرنقة الأحاسيس التي ربما تستأسر دعائم تفكيرك ومنطقك في الوقت الحالي، وأن تخرج من حيِّز التقوقع الذي يقف حائلًا بينك وبين أبعاد الأمة المستفيضة شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.  بمعنى آخر، عليك أن توسِّع دائرة اهتماماتك لتشمل الأمة الإسلامية بمفهومها الواسع.  إن الأغلال القُطرية التي تستعبد الكثيرين من المنتسبين للدعوة في يومنا هذا تَحْرِم أصحابها أولًا من الأجر العظيم الذي يمكن أن يتحصلوه لو طارت أفئدتهم فشملت بحنانها وعطائها أبناء الأمة أينما وُجِدوا، وهي ثانيًا تحرم أبناء الأمة أنفسهم من خير عميم طالما تاقت أنفسهم لملاقاته منذ أن أعلنوا انتسابهم لهذا الدين، وهي ثالثًا تحرم الأمة نفسها من النماء والاطراد بسبب قلة البناة وضعف الصَّنعة.

·     وعليك يا أخي الداعية كذلك أن تفُكَّ عنك أغلال الاهتمامات المحصورة في الجوانب الضيقة التي ألِفتها منذ أن بدأت ترضع لبان الدعوة إلى الله، وأن تسيح بفكرك في الجوانب اللامتناهية من تلك التي تحتاجها الأمة في حاضرها ومستقبلها.  إن الجمود الفكري الذي تغلغل في عقول أبناء الأمة بشكل عام- وحملة الدعوة بشكل أخص- ليعمل في هدم كيان الأمة أكثر مما تفعله معاول أعدائها بها.  ولا تنس أن النفس من طبيعتها أن تركن إلى المألوف والميسور، سواءً كان في الفكر أو التطبيق، ونزولك عند رغبات نفسك يعتبر نوعًا من استرقاقها لك، ونمطًا من أنماط تعذيبها لروحك؛ فالتجديد يبعث في الروح الحيوية والصفاء، والروتين المتمثل في أنماط التفكير التي تتعاورها ما بقي من خلايا دماغك هو- في حدِّ ذاته- تكبيل لتلك الروح وتعذيب لها، ولا أحسبك ترضى أن تبقى أيامًا- فضلًا عن عيشة أبدية- على صنفٍ واحدٍ أو أصنافٍ محدودة من الأكل أو الشراب، فكيف ترضى لروحك أن تلوكَ طرائق التفكير التي نَشَأْتَ عليها في طفولتك ولا تعمل جاهدًا على سقياها بجديد الشراب الفكري وإطعامها من جديد الغذاء الروحي؟

·     وبعد أن تتحرَّر من أغلال القُطرية الفكرية وأغلال الجمود الذهني، عليك أن تستمطر من خالقك العظيم جوامع القوة ومكامن البقاء لتغوص بروحك في أعماق الفكر الثاقب المتحفِّز فتستطيع أن تفرز منه المهم والأهم، فتطير بالأهم قبل المهم وبالأنفع قبل النافع وبالأعم قبل العام، فتضاعف بهذا التصرُّف الخير الذي تجنيه والعطاء الذي تبذله وبذلك يشتد بناء الأمة ويقوى، وينتشر حياضها في كل الأرجاء ويبقى.  إن عليك أن تعلم أن عمرك قصير وطاقاتك محدودة وواجباتك كثيرة وعظيمة وليس لك أن تكتفي بخشاش المهام فتنجزها ولا بعاجل المطالب فتقضيها، ولكن عليك أن تتخيَّر الأصوب والأصلح والأعم والأكثر تأثيرًا والأقوى على البقاء لتطيل بذلك عمرك الدعوي وتستغل طاقاتك ومواهبك أيما استغلال.


الارتقاء بالأمة

·     إن الأمة التي شرَّفك الله يا أخي الداعية بالانتساب إليها لتذرف الدموع وتُعلي الآهات مما أصابها بسبب تخاذل أبنائها وتآمر أعدائها، وعليك واجب عظيم وهو أن تمسح عنها تلك الدموع وتفرِّج عنها تلك الكروب لتعود الأمة باسمة وضَّاءة مشرقة.

·     إن أوْلى مهامك كداعية هي أن تنفض عن أمتك ما علق بجسدها من أدران، وبأثوابها من أقذاء، وأن تصفِّي لها منابعها، وأن تنظف لها مجاريها، ليعود لها النقاء والبِشْر، وينعم أبناؤها بحاني بسماتها وطيِّب مطعمها ولذيذ شرابها.  وإذا كنتَ على بصيرة بواقع الأمة فإنك ستدرك عِظَم المهمة التي أندُبك إليها، وجليل الدور الذي عليك أن تلعبه.  وكلما كثر البناة وتنوعت أدواتهم وشحذت خبراتهم، كلما كان انجلاء البلاء أسرع ورفع الخطب عنها أبلغ وأثمر.

 

وأخيراً أقول لك يا أخي الداعية ،،،

هذه مجرد شذرات متناثرة من بنود العقد الذي أبرمتَه مع خالقك، وعليك أن تجِدَّ لتكتشف آفاقًا أرحب وفضاءات أوسع توصلك إلى مرضاته سبحانه ..

وعليك أن تعلم يا أخي أن الله ناصرٌ هذا الدين بعزِّ عزيزٍ أو بذل ذليل، وما الدعوة إلا فرصة قد ساقها الله لك ليُعلي مكانتك عنده، ويُعظِم أجرك يوم تلقاه ..

وقبل أن أختم، أضع بين يديك اختبارًا بسيطًا لترى هل أنتَ حقًّا من الدعاة، ومن ذوي الشخصيات المؤثرة.  وإن أجبتَ على أيٍّ منها بالنفي، فإني أقول لك بأنك في خطرٍ عظيم، وعليك أن تتدارك نفسك قبل أن يفاجئك ريب المنون:


þ           هل تحافظ على أداء جميع صلواتك جماعة وفي المسجد ؟؟

þ           هل تحافظ على قراءة حزبك من القرآن (جزءٌ واحدٌ على الأقل) يوميًّا وبدون انقطاع ؟؟

þ           هل أنت مهتمٌ بحفظ كتاب الله بصفة يومية، أم أن هذا أمرٌ لا يعنيك ؟؟

þ           هل تحافظ على حضور دروس العلم والمحاضرات وقراءة الكتب بصورة منتظمة ؟؟

þ           هل تحافظ على النوافل كما تحافظ على الفرائض ؟؟

þ           هل تحافظ على قيام الليل وبصورة منتظمة ؟؟

þ           هل تحافظ على صيام الاثنين والخميس وأيام البيض بصورة منتظمة ؟؟

þ           هل تخصص قسطًا من مالك لإنفاقه على الدعوة ؟؟

þ           هل تتابع أخبار بلدك وأمتك بصورة منتظمة ؟؟

þ           هل تتفاعل مع ما يجري في العالم من أحداث، أم أن الأمر لا يعنيك ؟؟

þ           هل لديك أشخاصٌ تهتم بهم دعويًّا، وهل تقوم بتعليمهم أمور دينهم، وتوجيههم فكريًّا ودعويًّا ؟؟

þ           هل تبادر بالقيام بالأنشطة الدعوية بنفسك، أم تنتظر مَن يأتي إليك ويكلفك ببعض المهام ؟؟

þ           إذا جاءك أحد إخوانك الدعاة وطلب منك القيام بنشاط دعوي أو المساهمة بشيءٍ من مالك لخدمة الدعوة، فهل تستجيب في الحال، أم تتلكأ وتقدم له الأعذار ؟؟

þ           هل تقوم بعملك الدعوي بالتنسيق مع الدعاة الآخرين، أم أنك تمارس اهتماماتك الدعوية بمفردك ؟؟

þ           هل تهتم بالعمل الدعوي المؤسسي، أم أنك فقط من هواة العمل الفردي ؟؟

أسأل الله لي ولك الهداية والرشاد والثبات على هذا الدين، وأن يُعلي هممنا ويوفقنا لنصرة دينه ورفعة لواء المجد والسؤدد لأمتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.