القلب الخالص المخلص لله

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه القصة)


_______________________________________

يُحكى أنه حلَّ جدبٌ بقومٍ من الأقوام حتى نضبت الأرض وازرقت السماء وصفت الجبال وأغبرت الأشجار وغاض الماء، حتى أن الشاة لتُذبح فتُعاف لخلوِّها من اللحم، ولم يبق منها إلا العظم والجلد، وحتى صارت شربة الماء صدقة أو هدية تقدم من شخص لآخر.  وطال الجدب، ولم تغب زرقة السماء عن أعين الناس، ولم يبقَ من قاطنٍ أو راحلٍ إلا سأل الله الغيث.  وكان الناس قد اعتادوا أن يخرجوا لتأدية صلاة الاستسقاء كل جمعة، يطلبون من الله أن يمنَّ عليهم بقطرٍ من السماء يطفئ جمر الأرض، الذي أحرق كل شيء حتى نفوس البشر والضأن.

وتوالت صلوات الاستسقاء، حتى صارت عادة للناس.  وكان جميع الناس يخرجون لتأدية صلاة الاستسقاء، الكبير والصغير، الرجال والنساء، حتى الماشية كانوا يخرجونها معهم، رجاء أن يُمطَروا بسببها.  وما كان يتخلَّف عنهم إلا عبدٌ أسود؛ ليس بالشهير فيُذكَر، ولا بالغني فيُبصَر.  لقد كان من عبيد القرية الذين لم يذكره أحد عند خروج الناس.  ولما تكررت صلوات الاستسقاء دون استجابة، تساءلوا فيما بينهم إن كان هناك شخصٌ من القرية لا يخرج معهم لتأدية الصلاة، فعلموا أن هنالك عبدٌ أسود، لا يرضى الخروج مع الناس في صلاتهم، فأرسل له ملك البلاد، وأمره أن يخرج مع الناس في الصلاة القادمة، فأجاب العبد بالرضى بشرط أن يؤمُّهم في صلاتهم.  ولم يلقَ الناس بُدًّا من الموافقة.

تجمَّع الناس في أحد الأودية المشهورة في البلاد، وخرج الرجال والنساء والصبيان والمواشي، ولم يبقَ في البيوت أحد إلا خرج.  وتقدَّم العبد الأسود ليؤم الناس، وصفَّ الناس خلفه، وكانت صفوفًا لا تحصى.  وقبل أن يكبِّر العبد الأسود تكبيرة الإحرام، توجَّه إلى المصلين، وقال لهم بصوتٍ مسموع: "ألا مَن اقترف خطيئة فلا يصلِّ خلفي".  ونظر الناس إلى بعضهم البعض، ولم يروا بُدًّا من الاعتراف بذنبهم وإطاعة إمامهم، علَّ في ذلك تكون الاستجابة.  وبدأ الناس في الانحسار من الصفوف، حتى لم يبقَ مع الإمام من تلك الجموع إلا شخصٌ واحدٌ، التفتَ إليه الإمام وقال له: "أأنتَ الوحيد من بين هؤلاء الذي لم يقترف ذنباً؟"  فردَّ الرجل بأنه سيجب على سؤاله بعد الصلاة.

كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام، وأدى صلاته بقلب خاشع.  وبعد الصلاة جأر الإمام بالدعاء بقلب خاشع عامر بالإيمان، أخلص حبه لله ورسوله، لم تغرُّه شهوة الدنيا وزينتها، وفاضت عيناه بالدموع، وقال: "ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا".  ولم يُتِمَّ الرجلان دعاءهما حتى بدأت السماء في الاكفهرار, وغابت عن الأنظار زرقة السماء، وبدأ الوميض والرعد من كل جانب، وهبَّت رياح اللقاح تحمل معها قطرات الدمع الخالص التي فاضت من عيني ذلك العبد الأسود لتجعله لقاحًا لسحب السماء.

وبعد الانتهاء من الصلاة، توجه الإمام نحو الرجل يسأله الإجابة على سؤاله، فأجاب الرجل: "إني لم أذكر أني اقترفتُ ذنبًا إلا مرة واحدة، وهي أنه كانت عندي فرس، فأفلتتْ من مربطها، وأردتُ أستجديها، فأخذتُ قفة خالية وأشرتُ بها نحو الفرس حتى تقرُب.  وقربت الفرس وأمسكتها، ولم يكن في القفة شيء، فقد كذبتُ على الفرس، واستغفرتُ ربي على ما فعلت".  وكانت المعجزة؛ فلم ينهيا حديثهما حتى سمع الناس صوت الأودية تهزُّ الأرض، وأمطرت السماء، وعادت للأرض نضرتها بفضل الله ثم بفضل قلب صادق أخلص لله الدعاء وإن كان عبدًا أسودًا.  وصدق- سبحانه- إذ يقول:  { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }.