أصناف المرضى العمانيين

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الخاطرة)


_______________________________________

يمكن تقسيم المرضى العمانيين إلى الأصناف التالية:

الصنف الأول: طبقة الصفوة:

في الغالب، فإن هؤلاء لا يعالجون في مستشفيات عمان، وإنما يُنتقى لهم أشهر المستشفيات في العالم، وُترتَّب لهم ولمرافقيهم الحجوزات، وتُخلَّص لهم إجراءات السفر والمعاملات، ويُستقبَلون ويُودَّعون في المطارات.  ولا يكفي أن تتحمل الحكومة كامل مصاريف ذهاب هؤلاء وإيابهم وتكاليف إقامتهم ونفقات علاجهم، وإنما يُدفع لهم ولمرافقيهم مصروف يومي قد يزيد في بعض الأحيان عن المرتب الشهري لكثير من العاملين، ويعود هؤلاء وقد جمعوا من سفرتهم العلاجية آلاف الريالات.  أمثال هؤلاء لا يعنيهم إنشاء مستشفيات جديدة ولا تردِّي أحوال المستشفيات الموجودة، ولا الأخطاء الطبية التي كثيرًا ما تؤدي إلى إعاقات مستديمة أو وفيات "طبيعية".

الصنف الثاني: طبقة النخبة:

وهؤلاء إما أن يكونوا ذوي شأنٍ كبير في المجتمع أو يكون أحد أقربائهم (وخاصة إذا كان طبيبًا) من الذين لهم وزنهم في المجتمع.  أمثال هؤلاء قد لا يحصلون على علاج مجاني خارج عمان، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحتاجون للوصول إلى مشارف الموت من أجل أن يُرحَّب بهم في المستشفيات.  هؤلاء- في الغالب- يُستقبَلون (طبعًا بترتيب مسبق) أحرَّ استقبال، ويحصلون على غرف خاصة واهتمام كبير من قبل الأطباء.  وأمثال هؤلاء تُهيَّأ لهم أسباب العلاج وسبل الراحة رغم أن حالاتهم الصحية ليست بالحرجة ولا تتطلب رعاية خاصة.

الصنف الثالث: طبقة الميسورين:

 وهؤلاء- في الغالب- هم من عامة الناس ولكن عندهم مبالغ مالية كبيرة أو بمقدورهم اقتراض مبالغ كبيرة من معارفهم.  وعندما يعاني أمثال هؤلاء من أمراض فإنهم- في الغالب- لا يلجؤون إلى مستشفيات حكومية؛ لأنهم- من سابق خبرتهم- قد يئسوا من الحصول على فرصة علاج فيها أو أن العلاج الذي حصلوا عليه لم يداوي عللهم وإنما كان سببا لتفاقم مشاكلهم.  وما يقوم به هؤلاء هو أن يشتروا علاجهم وراحتهم بما في أيديهم من مادة.  ونظرًا لارتفاع تكاليف العلاج سواءً في المستشفيات الخاصة في عمان أو في مستشفيات الخارج فإن حالة مرضية واحدة يعاني منها هؤلاء قد تكون كافية لإنفاق "تحويشة العمر" وقوت العيال، وقد تفضي إلى بيع ممتلكاتهم الخاصة من أراضٍ وسيارات وربما بيتهم الذي يسكنون فيه.  وعندما تخلو أكفُّهم من النقود فإنهم يصبرون على مصيبتهم ويعودون إلى بيوتهم يتجرعون غصص المرض وآلام الديون المتراكمة عليهم.

الصنف الرابع: طبقة العامة:

 ويشكِّل هؤلاء غالبية الشعب؛ فرواتبهم قد لا تفي حتى باحتياجاتهم واحتياجات أسرهم، وليس عندما من الأراضي والعقارات، ولا يغامر أحد لإقراضهم لمعرفته بأحوالهم المادية.  إذا ابتلى رب العزة أحد هؤلاء بمرض فإن سبيلهم الوحيد هو أن يلجؤوا إلى المراكز الصحية (أو "الجراجات" كما يسميها الناس)، وينتظروا الساعات الطوال، ثم يكافؤون ببضع حبات من (الأدول).  وعندما يشتد بهم الحال فإنهم يلجؤون إلى العيادات الخاصة، والتي حال العلاج فيها ليس بأحسن من (الجراجات الصحية)، لكن شدة المرض قد تجبرهم على صرف عشرات الريالات في مقابل أن يحصلوا على علاج سريع وبعض الحقن المخدرة.

وعندما يشارف أحد هؤلاء على الموت، ويجد من أهله من يستطيع أن يتردد به بين المستشفيات فإنهم يبدؤون جميعًا رحلة معاناة نادرًا ما توصلهم إلى الشفاء المرجوِّ.  فعليهم أولًا أن يحترموا (قانون حمورابي) من ضرورة الذهاب أولًا إلى (الجراج الصحي) الموجود في الولاية.  وهناك عليه أن ينتظر دوره بين المرضى الآخرين المتكدِّسين هنا وهناك.  وعندما يفرغ الطبيب من شرب الشاي ويصل دور المريض، فعندها يزداد خفقان قلب المريض وقلوب المرافقين؛ فقد يتعرضون لشتائم الطبيب، وقد يكون مزاجه غير رائق فيتفحَّص جسده من بعيد، وقد يطلب منه أن يفتح فمه ويقول (آه).  وبعد هذه التحاليل (المستعصية) فإن الطبيب- في الغالب- سيكتب له بعض حبات (أدول) ثم يطلب من الممرضة أن تدخل المريض التالي، فالأطباء عندنا بحمد الله يعرفون طريقة الطرد المهذب.

أما إذا رأى الطبيب قرب حالة الشخص من الوفاة فإنه سيُحوِّله إلى المجمع الصحي الموجود في الولاية نفسها أو في أقرب ولاية. و كم سيكون الشخص موفَّقًا إن وجد سيارة إسعاف تنقله، وكان سائق الإسعاف موجودًا، ويعرف- أي السائق- كيف يُنزِل السرير من السيارة ويرفعه والمريض عليه.  وطبعًا، فإن على المريض أن يمتلك جسدًا من الفولاذ ليستطيع تحمل قفزات السرير في الممرات وفي أيدي الممرضين (الحانية) وهي تدفعه من المركز الصحي إلى داخل سيارة الإسعاف أو تُنزِله في المجمَّع الصحي الذاهب إليه.  وأما إذا كان المريض من ذوي الحال التعيس (وهذا هو الغالب) فإن أقاربه لن يجدوا بُدًّا من نقله إلى المجمع الصحي على سيارة (البيك أب) أو صالون (الكرولا) وقد تتكسر عظامه أو يفقد وعيه قبل وصولهم إلى المجمع.

وعندما يصلون إلى المجمع فإن على الأهل إبراز الأوراق الثبوتية التي تخولهم للعلاج في المجمع، فكثيرٌ من المرضى قد تُسوِّل لهم أنفسهم التعدي على (قانون حمورابي)، ولكن العين المتيقظة لموظفي المجمع تكون لهم بالمرصاد.  وبعد انتظار قد يطول ويقصر يدخل المريض على الطبيب "الحاذق" ويجري الفحوصات (اللازمة)، وعندها قد يقرر أن يُنوَّم المريض لبضعة أيام (ليجرب) معه بعض الأدوية. وطبعًا، إذا مرت الأيام ولم يحدث للمريض تورُّم أو انتفاخ أو توقف عن التنفس وكان القلب ما زال ينبض، فهذا يعني أن حالة المريض مستقرة ولذا فإنه أنسب له أن يرجع إلى البيت مزودا بكيس من الأدوية والمضادات التي كثيرا ما تكون لا تعالج الأمراض التي يعاني منها المريض.  وإذا تضاعف المرض عند الشخص بعد رجوعه إلى المنزل فعليه أن يأخذه مرة أخرى إلى (الجراج الصحي) المصرح له بالعلاج فيه، ويُعيد نفس "الموَّال" الذي سلكه في السابق.

وفي حالة أن المريض كان في حالة خطيرة جدًّا فسيتم دفعه إلى أقرب مستشفى مركزي.  وعندما يصل المريض إلى المستشفى المركزي فإنه يستضاف أولًا في قسم الطوارئ، ويا للمسكين كم سيتجرع غصص الموت قبل أن يتم تشخيصه من قبل طبيب (عام).  وبعد معاينة (مبدئية) من الطبيب يتم تحويل المريض إلى القسم المتوقع أن يُعالِج هذا المريض.  وبعد أيام من المعاناة، والأطباء يذهبون ويجيئون، يقرر الأطباء تحويل المريض إلى قسم آخر.  وفي بعض الأحيان تحدث (مشادات) بين الأقسام؛ فكلهم يرى أن المريض لا يعنيهم، وأن عندهم من المرضى أكثر من طاقتهم.

وفي أحيانٍ كثيرة يحدث أمر غريب وهو أن أطباء ذلك القسم لا يتوصلون إلى تشخيص سليمٍ لحالة المريض، ولكنهم في الوقت نفسه يرفضون تحويله إلى المستشفيات الكبرى، لأن ذلك- في نظرهم- سيُسيء إلى سمعة هؤلاء الأطباء، وقد يفهمه (الأطباء الكبار) وعامة الناس أنه ليس عندهم الفهم والخبرة لتشخيص (الحالات المستعصية).  مثل هذا التصرف قد يُبقي المريض في نفس المستشفى لعدة أسابيع دون تحسُّن في حالته، وقد يتعلل الأطباء أثناء ذلك بأنهم ينتظرون نتائج الفحوصات التي أجروها، وهم في الحقيقة ينتظرون قدر الله إما بوفاة المريض أو بانفراجٍ في صحته.