ماما أمريكا

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه المسرحية)


_______________________________________

 

(يَرِنُّ الهاتف وتقوم عجوزٌ- ملؤُها الحيوية والنشاط- من مقعدها وتجري مسرعة نحو الهاتف)

 

العجوز:

ألو.

المتَّصِل:

ألو، ماما أمريكا؟

الأم:

نعم، مَن؟  نجمة؟

نجمة:

نعم، أنا هي.

الأم:

كيف حالُكِ يا حبيبتي؟  لقد اشتقتُ إليك.

نجمة:

(متهكمة) ما أسرعَ شوقكِ إليَّ.  لقد كلمتُكِ البارحة.

الأم:

أعرف يا ابنتي، ولكن تعرفين أنَّكِ حبيبتي الوحيدة.  كيف أحوالُكِ يا ابنتي؟

نجمة:

حالي لا يَسُرّ.  (تبدأ في البكاء) يبدو أنه مقدَّرٌ لي أن أعيش في تعاسة.

الأم:

(مقاطعة) فِداكِ روحي يا حبيبتي، لا تقولي هذا.  أخبريني ماذا جرى؟

نجمة:

(تبكي) لقد هجَمَتْ عليَّ مرةً أخرى.

الأم:

(مقاطعة) ومَن هي؟

نجمة:

(نواصل البكاء) ومن غيرُها ، إنها القطط.

الأم:

(بِتَراخٍ) القطط؟  مرة أخرى؟  ألم تضعي لها الكلاب بالمرصاد؟

نجمة:

يبدو أن هذه الكلاب لا تستطيع فعل شيءٍ مع تلك القطط المتوحِّشة!  ثم إنَّكِ وعَدتِني بأن تخلصيني منها.

الأم:

تعلمين أنني فعلتُ كلَّ ما طلبتِه مني ، وإذا كان لديكِ حلٌّ آخر فأخبريني به، وسأنفذه لكِ في الحال.  وإذا كنتِ ترَيْنَ أن المشكلة ستبقى كما هي، فلماذا لا تأتي هنا وتعيشي معنا.

نجمة:

(بغضب) تعلمينَ يا أمي أن هذه الضيعة ميراثُ أجدادي، وأنا لن أتركها أبداً.

الأم:

ولكن تعلمينَ يا ابنتي أنه ليس لدينا ما يثبتُ ذلك، واستيطان الكلاب فيها لا يبرِّر ادعاءنا لها.

نجمة:

(بغضبٍ شديد) كُفِّي يا أمي.  لقد تناقشنا في هذا كثيراً، وقد طلبتُ منكِ مراراً أن تَكُفِّي عن هذا الهراء!!

الأم:

أنا لا أقصدُ أن أُغضِبُكِ يا ابنتي، ولكن أصبح الناس يعَيِّروني بوقوفي إلى جانبِكِ، ويعتبروننا شركاء في اغتصاب الضيعة.

نجمة:

لقد قلتُ لكِ مراراً وتكراراً بأننا لم نغتصب شيئاً من أحد، وأنتِ تعلمين أن كثيراً من الكلاب قد عاشت في هذه الضيعة.

الأم:

على كلِّ حال ، فماذا تقترحين؟

نجمة:

أنا أحتاج إلى مساعدات أكثر لمقاومة هذه القطط الشريرة، فالمساعدات التي تُرسِليها لي لا تكاد تغطي طعام الكلاب.  كذلك عليكِ أن ترسلي لي مزيداً من المبيدات وأنواعاً مختلفة من الأطعمة المسمومة.

الأم:

يا حبيبتي ، أنا أعملُ كلَّ ما في وُسعي والمهم عندي هو سعادتكِ.  ولا تنسَيْ بأني أرسلُ إليك أكثر مما يمتلكه الكثير من الجيران.

نجمة:

(بغضب) وحتى هذه تَمُنِّينَ بها علَيَّ؟  (تبكي) لم يبقَ إلا أن تتمنِّي هلاكي.

الأم:

معاذ الله يا ابنتي، لا تقولي ذلك، فكم كانت فرحتي بكِ عندما ظهرتِ على الوجود، وكم كانت فرحتي بك أكثر عندما رضيتِ بالبقاء في تلك الضيعة لأنها مهَّدَتْ لِيَ الطريق لوضعِ يدي على الضيعات الأخرى.

نجمة:

إذاً، ما دُمتِ تُدركينَ أن وجودي هنا هو ليس لمصلحتي أنا فقط، وإنما أقومُ أيضاً بتحقيق مصالِحِكِ، فلماذا تبخلين علَيَّ بالدراهم القليلة التي ترسلينها إليَّ؟

الأم:

سامحيني يا ابنتي فسألبي ما طلبتِ.  هل لكِ حاجةٌ أخرى؟

نجمة:

(بسرعة) ثم إنَّ عليكِ أن تتعاملي بغلظة أكثر مع القطط الموجودة عندكم.

الأم:

يا ابنتي، أيُّ معاملة أشدُّ من تلك التي أتعامل بها مع هذه القطط؟  لقد ضيقنا عليها الخِناق في كلِّ مكانٍ، حتى أصبح الناس يشاهدون قسوتي عليها، ويناقشون تصرفاتي معها.

نجمة:

(مقاطعة) قولي لهم إنها تؤذي الكلاب الأليفة التي لا حول لها ولا قوة، وأنها خطرٌ عليهم هم أيضاً.

الأم:

إني أقولُ لهم ذلك دوماً وأبوك يقولُ لهم ذلك أيضاً، ولكنهم باتوا لا يصدِّقون كيف يمكن لقطط لا حول لها ولا قوة أن تتغلب على الكلاب المتوحِّشة!!

نجمة:

(تصرخ في وجه أمها) أماه، هل أنتِ تدافعين عنها؟  (تبكي) يبدو أنكم لا تحبُّونني وإلا لَمَا قُلتِ ذلك.

الأم:

(مُهدِّئة لها) لا يا حبيبتي، كلنا نُحبُّكِ ولكن هذا ما يقوله الناس.

نجمة:

وهل زوجك موجود؟

الأم:

نعم، إنه هنا يسمع حوارَنا.

نجمة:

دعيني أكلمَه.

 

(تناول الأم السماعة لزوجها)

 

الزوج:

أهلاً يا ابنتي.

نجمة:

(تبكي بصوتٍ متقطع) أهلا يا بابا بُشْبُشْ.  هل سمعتَ ما قالته أمي؟

الزوج:

(مُدلِّعاً) نعم، ولكن يا حبيبتي لماذا كلُّ هذا الزَّعَل؟  أنتِ تأمُرين ونحن ننفِّذ!!

نجمة:

هذا ليس صحيحاً، وإلا فلماذا تتركون القطط عندكم تأتي إلى الدار؟

الزوج:

الربُّ يشهد يا ابنتي أنني كلما أرادَ أحدُها دخول الدار، أوصدتُ الباب عليه.

نجمة:

هذا لا يكفي، يجب عليك أن تركلها برجلك.  أو أقولُ لك: أطلِقِ النار عليها!!

الزوج:

(بسرعة) لا يا ابنتي، فالناس هنا يشاهدون ويسمعون.  وكما قالت أمُّكِ، فقد بدأ الناسُ يناقشون تصرُّفاتنا.

نجمة:

(بغضب) أنت تعلم أنني لم أوافق على زواجِكَ من أمي، ولولا أنَّكَ وعدتَني باسم الربِّ أن تكون بجانبي وتحميني لأطلقتُ عليكَ الشائعات، حتى تضطر أمي لتطليقك، وعندها ستحِلُّ عليكَ لعناتُ الربّ.

الزوج:

(بِذُعْر) لماذا كلُّ هذا يا حبيبتي؟  فأنا ما زلتُ طوع أمرِكِ وتحت تصرُّفِكِ، ولكن لا بُدَّ أن نرتئي الحكمة كي لا يثور علينا الناس.  (مُدلِّلاً) هاتِ اقتراحاتُكِ، وسأنفذُها لكِ!!

نجمة:

(بانشراح) عليك أولاً أن تُقرِّبَ الكلاب إلى الدار أكثر.  اجعل لها سرائر مريحة كي تنسى أيام التعذيب والتنكيل التي مَرَّ بها أجدادُها من قبلُ، ويمرُّ بها إخوانُها عندي هنا الآن.  ثانياً: عليكَ أن تُضيِّق الخناقَ على تلك القطط اللعينة.  حاصِرها أينما وُجِدَتْ، شُلَّ حركَتَها، قيِّدها، ضعها في الأقفاص، وانشر الشائعاتِ حولها أنها تؤذيك وتؤذي ماما، وأنها متوحِّشة وأنها خطرٌ على كلِّ مَن صادفها.  ثالثاً: عليكَ أن تُؤدِّب تيوس الضياع التي عندنا، وتقطع عنها الطعام، فإنها لا تقوم بنطح القطط ولا حتى الحِملان التي معها إلا نادراً، ولا أرى ذلك إلا بسبب تدليعكم لها وإكثار الأعلاف التي ترسلونها لها.  هدِّدها بأنَّك ستأخذها للجزار، وتستبدلها بتيوس أخرى إن لم تتعامل مع القطط والحِملان بالقسوة الكافية، كما هو مطلوبٌ منها.  رابعاً: عليكَ أن تتعامل بقسوة مع جيرانكم، فقد صار بعضهم يتَّصِل بي ويؤذيني بالكلام، حتى خالتي إنجيلا غيَّرَت معاملَتها نحوي.  خامساً: أُطلُب من جميع الجيران أن لا يُؤووا شيئاً من القطط إلى ديارهم، وأن يُضيِّقوا عليها الخناق، وأن يستبدلوها بالكلاب الوفيَّة المخلصة، وخوِّفهم بأنهم إن لم يفعلوا ذلك فلن تقفَ معهم في مشاكلهم.

الزوج:

يا ابنتي هذه مطالبٌ كثيرة، وأحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها، وربما لا أستطيع إقناع الجيران بهذه الأمور، فكما قلتُ لكِ بأنهم صاروا يُشكِّكون في تبريراتنا لم تصنعيهِ أنتِ، وفي تعاملنا معكِ.

نجمة:

(بحزم) لا يهمُّنى ما يقوله الناس.  المهم أن تنفِّذ ما طلبتُ منكَ.

الزوج:

(على مَضَض) حاضر يا ابنتي، هل تأمرين بشيءٍ آخر؟

نجمة:

نعم، كُفَّ عن مخاطبتي بابنتي، فأنا ابنة ماما.  كذلك فعليكَ أن تتذكر أنَّكَ لا تقدِّمُ لي صنيعاً بتنفيذ ما طلبتُهُ منكَ، وإنما أنتَ تنفِّذُ أوامرَ الرَّبِّ، وإنه سينزل عليكَ غضبه إن لم تفعل!

الزوج:

(باستياء) أعلم يا ... على كل حالٍ هذه أمُّكِ.

 

(يناول الأب السماعة لزوجته)

 

الأم:

نعم يا ابنتي، هل أنتِ راضيةً الآن؟

نجمة:

إنني لن أَذُق طعم السعادة حتى تخلِّصوني من هذا البلاء الذي يحيطُ بي، وتتخلصوا أنتم أيضاً من شرِّه.

الأم:

لا عليكِ يا حبيبتي، سيتم ذلك بمشيئة الرَّب.

نجمة:

مع السلامة.

الأم:

مع السلامة يا حبيبتي.

 

(تضع الأم السماعة، ثم تعود إلى الكرسي وترتمي عليه)