واإسلاماه

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الرسالة)


_______________________________________

كنتُ مرة أتابع في شبكة أهل الحق والاستقامة حواراً دار بين ثلاثة أشخاص، تسمَّوا بالأسماء التالية: سليمان الخراشي وأبو عاصم الرشيدي وصادق أمين.  وقد كان الحوار يدور حول أمورٍ مذهبية يسع فيه الخلاف.  وفي نفس الوقت، كان الصرب يشنون، بدعم من أمريكا وأوروبا، حرب إبادة على مسلمي كوسوفو.  اغتضتُ كثيراً من واقع المسلمين، المتجسِّد في الحوار الذي يدور بين هؤلاء الثلاثة، فكتبُ الردَّ التالي، كتعبير كما يجري داخلي من غليان وضيق.

 

الكاتب: مسلم غيور

الموقع: ساحة الحوار بشبكة أهل الحق والاستقامة (www.ibadhiyah.net)

التاريخ: 14 إبريل 1999م

 

إلى الاخوة القائمين على هذا الموقع المبارك

 

وإلى فضيلة الشيخ الخراشي وإلى الاخوة أبي عاصم الرشيدي وصادق أمين

 

وإلى كل المترددين على هذا الموقع

 

أحييكم بتحية الإسلام الخالدة فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ،،،

 

 

منذ فترة طويلة وأنا أراقب ما يجري في هذه الساحة وأستفيد من سؤال هذا ورد ذلك وتعليق ثالث ورابع.  ولكن - للأسف - فقد لاحظتُ في الآونة الأخيرة أن المواضيع المطروحة قد أخذت تنهج نهجاً أثار حفيظتي فبادرتُ إلى الكتابة رغم أني لستُ من أهلها.  ولكي أُسَهِّل على القارئ الكريم تَتَبُّعَ أفكاري فسأوردها على شكل نقاط.  وهنا أود أن أعتذر إلى كل من عناه كلامي هذا بالإشارة أو التلميح ، فإن قصدي مرضاة الله سبحانه وتعالى.

o     إنني عندما أتكلم عن الأمة الإسلامية فإنني أعني بها تلك الحشود من البشر في أيِّ بقعةٍ من بقاع الأرض ممن يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.  فالأمة بهذا المفهوم تشمل الأبيض والأسود ، العربي والأعجمي ، الشيخ والصبي ، المرأة والطفل ممن يشهدون بكلمة التوحيد. فهذه هي الأمة الإسلامية { وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }.

o     إنني لا أريد أن أضفي إلى هذا الوصف للأمة الإسلامية ما شاع بين الناس في يومنا هذا من أوصافٍ وألقابٍ هي - في نظري - عوارض على جوهر الإسلام.  فالأمة ليست شعوباً ولا طوائف ولا مذاهب ولا أحزاباً وإنما تُنسب إلى الإسلام فحسب.

o     لقد مرت الأمة الإسلامية منذ نشأتها إلى يومنا هذا بأزمات واجتاحتها عواصف اختلفت في كل مرة في ضراوتها واتساعها وأسبابها ونتائجها.  ورغم أن هذه العواصف كانت تُبَطِّئ مسيرة الخير قليلاً إلا أن ركب الإيمان استطاع أن يَصْمُد أمام تلك الزعازع وأن يصل بالأمة إلى بَرِّ الأمان بعون الله وتوفيقه.

o     إن الأزمات والمصائب التي بدأت تعصف بالأمة في العصور الأخيرة لهي أشدُّها على الإطلاق. فالأمة الإسلامية قد خرجت من كل أزمة من الأزمات السابقة أضعف حالاً مما كانت عليه من قبل وأصبحت منهكةً ضعيفة تؤلمها الجراح وتَحُزُّ فيها القيود والأغلال.  وما كادت الأمة تفتح أعينها وتتنفس الصعداء حتى بدت في الأفق سحابة من غبارٍ سدَّت ضوء الشمس وبدأت الزوابع تتقاذفها يُمنة ويُسرة.  فمن حروب صليبية إلى حروب عالمية إلى كوارث طبيعية إلى مآسي لا تكاد تنتهي إحداها إلا وقد بدأت التي تليها.  بالأمس فلسطين ثم بعدها كشمير ثم الفلبين ثم أفغانستان ثم البوسنة وأخيراً كوسوفو.

o     في هذه الأجواء الحالكة ووسط الصراخ والعويل ينبعثُ من أبناء هذه الأمة ممن حباهُم الله بالعقول النيرة والأساليب المبدعة فيضعوا على رؤوسهم العمائم ويُرَجِّلون شعر لحاهم ويتطيبون بالعود والمسك ثم يستاكون بعود الأراك وبعدها يخرجون إلى المجالس فيتصدرونها ويبدؤون ينفثون في أبناء هذه الأمة السُّمَّ الزُّعاف فيُضَلِّلُون ويُكفِّرون ويشرِّكون.  فالأمة - في نظرهم - محصورة في فئة محدودة وما عداها زيغٌ وضلال.  ولستُ أخص بهذا الحديث فرقة أو مذهباً بعينه ولكنها - وللأسف الشديد - ظاهرة كادت أن تكتسح كل بقاع الإسلام.  فكثير من العلماء- وللأسف الشديد - هم حملة هذا الفكر وهم - في نظري - أخطر على الإسلام من أعدائه التقليديين.  فكلنا يعرف أن أعداءنا التقليديين يحاربوننا بأسلحة اتفق العالم بأسره على مساوئها وأضرارها.  ولكن هؤلاء العلماء والشيوخ يحاربوننا بأسلحة وضع عليها الهلال وكتب عليها "لا إله إلا الله ، محمدٌ رسول الله".  ربما تقولون بأنني "متطرف" في قولي هذا ولكن أقول لكم: بربكم خبروني أتدميرُ شعبٍ بقنبلة نووية أعظم جُرماً من رمي فرقة بالمروق أو الظلال أو الخروج عن الدين؟  إن تدمير شعبٍ بصاروخ أو قنبلةٍ قد يحرك الضمائر الحية ويبعثَ روح الجهاد والتمسك بالدين فيمَن بقي في الأمة.  أما رميُ فرقة بالضلال أو إخراجها من الملة فيعني خسران تلك الفرقة لوَصْمِها بالخروج من الملة وخسران باقي الأمة لتصديقهم ذلك.  ثم أخبروني:  أيُّ جُرمٍ أعظم من تضليل وتشريك علماء الأمة ورموزها ومن هو المستفيد من ذلك؟  أيعقلُ أن يوصفَ الإمام الخميني - عليه رحمة الله - بالضلال وقد عاش حياته لإرجاع الأمة إلى نصابها ووَرَّثَ حضارة إسلامية ما زال الشرق والغرب يحسب لها ألف حساب؟  أيعقلُ أن يكون الشيخ أحمد الخليلي - حفظه الله- كاذباً مبتدعاً وقد نذر نفسه لنصرة دين الله ورأب صدع الأمة ما أوتي إلى ذلك سبيلا؟  أيعقل أن يكون شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - عميلاً لليهود وقد عاش حياته يقاوم كل بدعة ويدعو إلى كل فضيلة؟  أيعقل أن يكون شهيد الإسلام سيد قطب - رحمه الله – "ما ترك بدعة إلا واحتواها ولا أصلاً للإسلام إلا وهدمه وأن فيه لوثةً شيوعية" وقد نقض فكر الجاهلية التي تعيشها الأمة وبين لها المنهج الإسلامي والفكر السويِّ ودفع حياته ثمنا لذلك؟  أيعقلُ أن يكون هؤلاء وغيرهم ممن وُصِموا بالضلال والزيغ هم حقاًّ أهل ضلال وزيغ ولم تذق نفوسهم إلا حلاوة الإيمان ولم تَتُقْ أنفسهم إلا لنصرة دين الله؟

o     على ضوء ما ذكرته في النقطة السابقة فإنني أقول بأن أولئك الذين قضوا حياتهم لا هَمَّ لهم إلا تفريق أمر المسلمين بتشريك هذا وتضليل ذلك ورمي هذا بالزندقة وذلك بالكذب، ما هُمْ - والعياذ بالله - إلا أعواناً للشيطان وحملةً للوائه.  وأقولها بصراحة أنه ما رُزِئ الإسلام في مصيبة أعظم مما رزئ بانتسابهم إليه.  ما هؤلاء إلا شياطين الإنس تنفُثُ في صدور أبناء هذه الأمة ليقضوا على ما بقي في صدورهم من إسلام.  إن انشغالهم بهذه الأمور ليلَ نهارَ لهو مكرُ الليل والنهار الذي ذكره لنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز.

o     وإذا قلتم بأن ما ذكرته جرمٌ عظيم واتهام شنيعٌ فأقول لكم أثبتوا لنا حسن نواياكم.  أوقفوا هذه المهاترات والأباطيل وسَخِّروا تلك العقول والطاقات لجمع شتات المسلمين ورأب صدعهم. بَصِّروا شباب الأمة بما يحيكه أعداؤهم ضدهم من مؤامرات ودسائس.  غيروا نهج خطبكم ومحاضراتكم وكتاباتكم لفضح خطط الأعداء واستراتيجياتهم في القضاء على الإسلام والمسلمين. أم أنكم لا تجرئون على الحديث في مثل هذه الأمور؟  أليس هذا من الوهن الذي أصاب الأمة والذي عليكم الانكباب على دراسته وتحليله؟  لماذا لا تقضوا أيامكم ولياليكم في دراسة ما ينشره الأعداء من كتب ودوريات وما يعقدونه من ندوات ومؤتمرات؟  أم تقولون أن هذا أيضاً حرام لأنه من إنتاج الكفار؟  يا علماء ويا مشايخ ويا دعاة إن الأمة الإسلامية لو اجتمعت بأسرها على دراسة وتحليل ما ينتجه أعداؤها ضدها لما استطاعت استقصاء ذلك فكيف وأنتم منهمكون في تحديد الطول الشرعي للِّحية وهل الأَوْلى الصلاة بالسروال أم الإزار وهل نرفع الأصبع في التشهد مرة واحدة أم نحركها مراراً أم لا نرفعها مطلقاً؟  إنها لمأساة وعمرو الحق.

o     وإن سلِم كلامي من وصمه بالزيغ والضلال وبدأ يحرك مشاعركم ولكن تلكأتم حيث لا تدرون من أين تبدؤون ، فأقول لكم أن العالم بأسره يعيش الآن - ما عدا الأمة الإسلامية طبعاً - في موجة من التوتر بسبب ما يجري في كوسوفو.  وما أجمل أن تحظى هذه القضية بشيءٍ من وقتكم وسطورٍ من مؤلفاتكم أو ذكرٍ في ثنايا خطبكم ومحاضراتكم.  إن ما تحتاجه قضية كوسوفو الآن هو ليس المال أو الطعام أو اللباس فهذه يوفرها أعداء الله عن طريق منظمات إغاثتهم ولكن ما تحتاجه القضية هو تَتَبُّعٌ للأوضاع ودراسة وتحليل لما يُنشر في وسائل الإعلام من تحليلات ومشاركات.  فما أجمل أن يعكف الشيخ الخراشي على دراسة وتحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية لأهل كوسوفو ، وما أجمل أن يقوم أبو عاصم الرشيدي بتتبع ما يُنشَر في وسائل الإعلام الشرقية والغربية فيما يتعلق بهذه القضية ، وما أجمل أن يتَتَبَّع صادق أمين المؤتمرات والندوات التي تعقد حول هذه القضية.  وما أجمل بعد كل هذا أن نرى هذه الساحة المباركة تبثُّ نتائج هذه الدراسات والتحريات مكتوبة بأسلوب مبسط يسهل فهمه على كل متصفح. وفي ثنايا هذه المواضيع يقوم أصحابها على توجيه ركب الأمة الإسلامية إلى الوجهة السليمة التي أرادها لها الله سبحانه وتعالى.

ARTA_19990129_5.jpg (18672 bytes)

 مشايخي وإخواني ، أُعذروني إن كانت لهجتي غير ما تعوَّدتُم سماعه من أتباعكم ومُريديكم فإن من يرى ويشاهد ما يحدث للمسلمين في كل بقعة من بقاع المعمورة من تنكيل وتشريد وتقتيل ومن يرى ما تنشغلون أنتم به من مهاترات وحوارات لا أظنها - والعلم عند الله - مفتاحاً لدخول الجنة ؛ أقول من يشاهد هذا وذاك لا يملك إلا أن يصرخ بأعلى صوته ويقول لكم ما قلته سابقاً.  وإذا كنتم ما زلتم في شكٍّ مما أقول فأرجو من كل واحدٍ منكم أن يتصور معي هذا المشهد:

 

تأتي إلى منزلك وتفتح الباب فتجد جنوداً يملئون المنزل وتجد امرأتك وبناتك وأطفالك قد كُبِّلوا بالسلاسل.  وإذا بالجنود يندفعون إليك ويضعون فُوَّهات بنادقهم على صدرك ثم يبدؤون ببناتك وزوجتك فيغتصبونهن الواحدة تلو الأخرى أمام عينيك وبين ناظريك وهُنَّ يصرخن فيك يطلبن منك النجدة وأنت لا تملك إلا الصراخ.  وبعد أن قضى الجنود مأربَهم منهن أطلقوا عليهن النار أمام مشهد منك ومسمع.  بعدها عمدوا إلى بُنياتك الصغار وطفلك الرضيع ووضعوهم أمامك ثم شَدَّوا رقابهم وسَلُّوا سكاكينهم وذبحوهم ذبح الخراف.  بعد كل هذا تركوك لتدفنهم بيديك.

 

ARTA_19990129_6.jpg (16737 bytes)

 

والآن أخبروني ماذا لو حدث مثل هذا لأي واحدٍ منكم ، ماذا ستكون حياته بعد ذلك؟  أينشغل في تأليف الكتب وكتابة المقالات وإلقاء الخطب والمحاضرات لتكفير وتضليل من بقي من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- ممن يشهدون بوحدانية الله ، أم يعمد بكل ما آتاه الله من حولٍ وطَولٍ للثأر لنسائه وأطفاله وتطهير الأرض من تلك الشراذم التي تعيث في الأرض فسادا.

 

أقول: إن كان هذا المشهد لم يحرك في نفسك شيئاً فإما أن تكون من الذين طبع الله على قلوبهم وإما أنني أكتب في المكان الخطأ.  إن هذا مشهدٌ مبَسَّطٌ لآلاف المشاهد التي تتكرر للمسلمين في كل يوم وإن كنتَ تحس بمن هم من أصلابك فإنني أقول لك بأن الرابطة التي تربطك بهذه الألوف المؤلفة التي تُنتَهك أعراضها وتُستَباح دماؤها في كل يوم مراراً وتكراراً لهي أقوى من رابطة الدم التي تعتزَّ بها وتحافظ عليها.

 

مشايخي وإخواني ، هذه بعض الخواطر التي كنتم السبب في إثارتها وإنني لآمل أن تثيروها مراراً أخرى ولكن في طاعة الله وفي النهج الذي خطه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

أستسمحكم عذراً وأسأل الله المغفرة لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

اللهم هل بلغت؟  اللهم فاشهد.