إلى الأستاذة الفاضلة

صالح الهطالي

(اضغط هنا لتحميل هذه الرسالة)


_______________________________________

كتبتُ هذه الرسالة إلى إحدى مدرسات ابنتي.... بعدما أخبرتني بأنها تسيء التعامل مع طالباتها.

 

إلى الأُستاذة الفاضلة/.............................................. المحترمة

تحيَّة طيِّبة وبعد ،،،

كم هو جميلٌ أن يدرك الإنسانُ ما أودعه الله- سبحانه وتعالى- في هذا الكون من عجائبِ الإِعجاز الإلهي الذي تتجلَّى بصماتُه في أدنى ذرَّة إلى أكبر مجرَّةٍ.  ومن أوضح معالم الإبداع الإلهي ما أودعه الله- سبحانه وتعالى- في عقل الإنسان من قُدراتٍ تمكِّن هذا المخلوقَ الضعيف- الإنسان- للارتقاء من حضيض الطين إلى مراتب الملائكة والنبيين.  ولا شكَّ أن من أشرف المهمات التي يمكن للإنسان القيام بها في هذه الحياة هي بناء شخصيَّة هذا الإنسان لتسمو إلى عالَم الـمُبْدِعِين والناجحين الذين يمكنهم أن يؤثِّروا في مجُريات الأحداث في العالم ويتركوا للبشريَّة ركبًا من الإنجازات.

أيتها الأستاذة الفاضلة:  إنَّ مَن يُجيلُ النظر في صنائِع الناس في هذا الوجود ليدرك بلا تردُّدٍ أن شرف الانتماء إلى سلك التدريس لهو من أسمى ما يمكن للإنسان أن ينتهجه في هذه الحياة.  ذلك لأن معلِّم الناس الخير شخصية استطاعت أن ترتقي من دركات الأنانيَّة الذاتيَّة التي- في الغالب- ما تُعنى بتزويق النفس وجني الحاصل من نِفايات الخلائِق إلى مراتبِ السُّموِّ البشري الهادِفِ إلى بناء الأرواح وتهذيب النفوسِ.

إنَّ الـمُدرِّسة هي في الحقيقة أداة لتشكيل هذا الكيان البشري المعقَّد قبل أن تكون مجرَّد مذياع تنقل إلى طالباتها ما وصل إلى علمها من معرفة مجرَّدة.  وعلى هذا، فإنَّ الانتماء إلى سلك التدريس ليس مقياسًا لمهارة الـمُدرِّسة في القدرة على بناء النفس البشرية الطموحة المعطاءة.  إنَّ من ألزمِ واجبات الـمُدرِّسة أن تكتسب من المهارات والقدرات التي تستطيعُ بها أن تستشِفَّ مكامِنَ الضَّعف والقوة في نفوس الطالبات، وأن تستطيع بتلك المهارات والقدرات أن تُعِدَّ لكل طالبة برنامجًا عمليًّا لبناء العقل والروح معًا، بحيث يتجاوب ذلك البرنامج مع رغبات وقدرات كل طالبة.  وإنَّ أيَّ فشلٍ من قِبَلِ الـمُدرِّسة في كسب قلوب الطالبات ليُعتبر أقوى مِعوَلٍ لِهدم شخصيَّة الطالبة قبل هدم بنائِها المعرفي.

إنَّ على كل مُدرِّسة أن تدرك أن الناس ما أودعوا بين أيديهنَّ فَلَذاتِ أكبادهم إلاَّ لِتَوْقِ نفوس أُولئِك الناس لتصبح بناتهم قياديات المستقبل، ولن يسمح الناس أن تجعل الـمُدرِّسة من بناتهم شمَّاعات تعلِّق عليها أقنعة فشلها.  إنَّ على كلِّ مُدرِّسة أن تجُهِدَ نفسها في الارتقاء بنفسها أولًا وأن تدرك أنها مهما وصلت إلى مستوياتٍ متقدِّمةٍ من العلم والسلوك فإنَّ {فوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عليمٍ}.

وإذا ما فشلت الـمُدرِّسة في بناء ذاتها فإنَّه ليس من عيبٍ أن تعلن عن فشلها في حمل رسالة التربية مع رسالة التعليم.  لكنَّ العيب هو أن تَتَجَمَّل بأثوابٍ زائفةٍ من الفهم والمعرفة والسلوك لتُلفت أنظار الناسِ عن جوهرِ المشكلة المتمثِّل في الخراب الداخلي والقصور الروحيِّ الذي تُعاني منه.

أيَّتُها الـمُدرِّسة الفاضلة:  أحببتُ أن أكتُب إِليكِ حول هذا الموضوع بعد أن تواتر إلى علمي بعض التصرُّفات التي تصدرينها في حقِّ ابنتي....- وربَّما في حقِّ الكثير من زميلاتِها- والتي لا تليقُ بمن يحملُ رسالة التربيةِ والتعليمِ.  لقد أحببتُ أن أتطرَّق إلى الموضوعِ بأُسلوبٍ منطِقِيٍّ خوفًا من أن يؤدي استخدام أُسلوب النقد المباشرِ إلى جرحٍ للمشاعِرِ وهدمٍ للعلاقاتِ.  وإني آمَلُ أن تكون كلماتي حافِزًا لكِ ولغيركِ من الـمُدرِّسات في تغيير منهجيَّة التدريسِ بحيثُ ترمي إلى معاملة الطالبات على أنَّهنَّ إنسانات، وإنْ كُنَّ أقل منكنَّ أعمارًا وأضعف منكنَّ فهمًا وإدراكًا.

أرجوا المعذِرة إن زلَّت لساني بكلماتٍ لا تليقُ بمثلي أن يقولها وبأُسلوبٍ فيهِ شيءٌ من القسوةِ في الخطابِ، ولكني في حقيقة الأمرِ أبٌ لا يرغبُ أن يرى أحدًا يتعدَّى على أجلِّ نعم الله سبحانه وتعالى- وهي العقل- فيمتهنها، وإني من الذين يطمحون أن تصبح الـمَدرَسَة البيت التربوي الثاني الذي يُكمِّل جهود الأُسرة في البيت التقليديِّ.

أسألُ الله سبحانه وتعالى أن يُوفِّقكنَّ لما فيه صلاح نُفوسِكُنَّ وصلاح أبنائِنا وبناتنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

صالح بن مطر بن محمد الهطالي

ولي أمر الطالبة/ .... بنت صالح بن مطر الهطالي

20 من رمضان المبارك سنة 1423هجرية

27 من سبتمبر سنة 2002م